حين تتحول المعتقدات إلى طلقات نارية قاتلة

05:24 صباحا
قراءة 4 دقائق
عائشة عبد الله تريم

يوم الجمعة الماضي، صُعق العالم بأنباء عن هجوم إطلاق نار مروّع على مسجدين في مدينة كرايست شيرش، بنيوزيلندا، محدثاً صدمة كبيرة تردد صداها في كل أنحاء المعمورة.
قضى في الهجوم الشنيع خمسون شخصاً وأصيب أكثر من أربعين. أناس من مختلف الأعمار والجنسيات كانوا يصلون ويتضرعون إلى الله حين جاءهم الموت من كل مكان على حين غفلة، وما كان ذنبهم إلا أنهم مسلمون.
اقتحم القاتل المسجدين وراح يطلق النار على المصلين من غير رحمة، ولم تثنه صرخات الاستغاثة والألم، ولا مشاهد الصغار وكبار السن والنساء وهم يخرون تحت وابل الرصاص. ولم يكتف القاتل بما فعل بأرواح بريئة في مكان طاهر، بل قدم للعالم صورة حية عن جريمته من خلال بث مباشر على «الفيسبوك»، وانتشر الفيديو الدموي على مواقع التواصل الاجتماعي كأنه ريح عاصفة فيها نار تذري العيون وتكوي القلوب.
كانت الجريمة النكراء مفاجئة لنيوزيلندا، لكنها، مع الأسف، لم تكن كذلك في دول أخرى في العالم، حيث يذبح الناس في أماكن عبادتهم بسبب معتقداتهم، أو يطلق عليهم الرصاص ويحرقون ويشنقون بسبب اختلاف لون بشرتهم.
لقد حدث ذلك، وما زال يحدث وسيستمر في الحدوث إن لم يُتخذ إجراء حاسم لوقف النزيف العنصري. فالجرائم التي تجري على نطاق واسع بدافع الكراهية، وتطال الأبرياء في أنحاء كثيرة من العالم، إنما هي عمليات منظمة ومخطط لها. وحين ينجح المجرمون بتنفيذها تكون أضرارها جسيمة وتخلف الكثير من الإصابات والأرواح. فالقتلة ليسوا مسلحين عاديين، ولا ذئاباً تعوي منفردة، كما أنهم لا يعانون اضطرابات عقلية، إنما هم إرهابيون بكل ما في الكلمة من معنى.
المشهد الإجرامي يتكرر، وأمام كل جريمة ينقسم الرأي العام، فثمة من يرى في هذه الجرائم إرهاباً، وثمة من يرى فيها فعلاً عشوائياً مرفوضاً قام به شخص مصاب بالجنون. تختلف المسميات في وسائل الإعلام، ويدور حولها النقاش، فهناك من يرفض تسمية المجرم «إرهابياً»، وهناك من يستخدم المصطلح مثل أي مصطلح عادي. وفي جريمة نيوزيلندا، لم يختلف الوضع، فقد أطلقت بعض وسائل الإعلام على المهاجم اسم «المسلح»، بينما ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك، فنبش من ماضي المجرم صور طفولته ليعطيه صفة «الملائكي» مجسداً بها الشر والإجرام. وبما أن المهاجم لا ينتمي إلى منظمة إرهابية، فإن ذلك يعطي وسائل الإعلام حرية اختيار المسميات كل حسب ما يناسبه، فلا يغدو هناك فرق بين «إرهابي» و«ملائكي».
سؤال يطرح نفسه: لم لا تُدرج المنظمات المؤمنة بتفوق البيض في قائمة الإرهاب؟ الجواب: لأن هذه المنظمات تعمل جاهدة على تلميع صورتها، فتعلن عن استيائها من كلمة «تفوق» وتستبدل بها عبارة «القوميون البيض»، ما دام للمسميات في النهاية أهميتها.
وعلى الرغم من ذلك، يظل المفهوم واحداً، وهو يرسخ إيديولوجية الاعتقاد بأن الجنس الأبيض متفوق على جميع الأجناس الأخرى وأن عليه أن يناضل للحفاظ على هيمنته. وتُعرَّف هذه الإيديولوجية العنصرية التي لا ينبغي أن تكون في هذا الزمن وفي هذا العصر، على أنها «مدرسة فكرية». صحيح أن الأفكار لا تجرَّم، ولكن عندما تستخدم لتكون أرضية لفعل عدواني والحث عليه، وحين تتحول المعتقدات إلى طلقات نارية قاتلة، فإن المسميات تصير ذات أهمية قصوى. ألم تسرع الحكومة الأمريكية في وصف جماعة «الفهود السود» بأنها منظمة إرهابية؟ وكذلك فعلت المملكة المتحدة مع «الجيش الجمهوري الإيرلندي». أما «القاعدة» و«داعش» فقد بدأتا مدرستين فكريتين.
إن تفوق البيض وإيديولوجيته آخذان في العلو والغلو، وهذا التفوق ينتشر من دون أدنى شعور بالحياء مخلفاً وراء انتشاره العديد من الضحايا. معلومات وبيانات مؤثرة تؤدي إلى تجنيد المزيد من الوحوش المزودة بأسلحة ثقيلة ومدمرة، تدعمها كلمات مؤيدة من القادة الذين اعتادوا استخدام الكراهية وسيلة لكسب الأصوات التي تتيح لهم قيادة العالم الحر.
في عام 2011، شهدت النرويج هجوماً إرهابياً كان الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية، عندما أقدم عنصري أبيض على قتل 77 شاباً في معسكر صيفي. وفي عام 2018، أطلق عنصري النار على أحد عشر شخصاً في كنيس يهودي، في بيتسبرغ بالولايات المتحدة الأمريكية، متعمداً ارتكاب جريمته في يوم السبت المقدس عند اليهود، تماماً كما اختار إرهابي نيوزيلندا يوم الجمعة المقدس عند المسلمين في هجومه على المسجدين في أثناء أدائهم صلاة الجمعة.
جريمة «كرايست شيرش» الشنعاء هي الأحدث، لكنها لن تكون الأخيرة، ولن تتوقف مثل هذه الجرائم حتى يعرِّف العالم المنظمات التي تؤمن بتفوق البيض، ويصنّفها منظمات إرهابية ويحمّلها مسؤولية أفعال أتباعها.
يحتاج العالم إلى الوحدة وليس إلى الانقسام. ويحتاج إلى مواجهة الكراهية بالحوار لا بالقتل كي تتمكن كل فئة من تقبل الفئة الأخرى.
إن «التفوق الأبيض» ليس إيديولوجية، لكنه حالة مرضية، وكي نضع حداً لما يجري من فظائع، يجب أن نعطي الأشياء مسمياتها الحقيقية، فنطلق على جريمة «كرايست شيرش» ومثيلاتها مسمى «الإرهاب».

[email protected]

عن الكاتب

​رئيس تحرير صحيفة Gulf Today الإماراتية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"