والإحساس بالدهشة إزاء الأشياء هو الذي يصنع العبقرية ويعطي الحياة معناها، وأذكر أنني كنت أتمشى في الستينات في شارع الحمراء في بيروت مع أحد الشعراء الكبار عندما لفت نظره حوض صغير للسمك، فتوقف وراح يتأمل الأسماك الملونة فيه كما يفعل الأطفال وهو يقول: السمك يسبح.. عجيب قلت وأنا أحثه على مواصلة السير: لا أظنك تريده أن يطير، فقطب ما بين حاجبيه وقال: إحساسي بالدهشة تجاه الأمور العادية هو الذي يفجر الشعر في أعماقي ويجعلني شاعرا، وغياب هذا الإحساس عندك هو الذي يجعلك إنسانا عاديا ثم ألقى علي محاضرة حول عبقرية الدهشة تركتني طوال الليل مندهشا، ولكنني أتمنى الآن لو أنني سجلتها.
ويقول العلماء إنهم قطعوا مرحلة طويلة في التعرف إلى الأماكن التي تثير المشاعر والفضائل والأحاسيس في الدماغ، واكتشفوا الوسائل التي تساعد على تنشيط هذه الأماكن، وقبل انقضاء العقدين الأولين من هذا القرن سيكون باستطاعة الإنسان برمجة الإحساس الذي يريده في نفسه، في اللحظة التي يريد، وسيجد أمامه في البقالات والأسواق المركزية مختلف أنواع الحبوب يشتريها دون وصفة من الطبيب، بعضها للاستمتاع بالموسيقا والشعر يأخذها إذا كان مدعواً لندوة شعرية أو حفلة موسيقية، وبعضها للمبالغة في تقدير الحب يأخذها إذا كان يرغب في الخروج مع زوجته، وبعضها للصدق والأمانة والشجاعة، إلى آخر ما هنالك من مشاعر تستطيع تنشيطها في نفسك في أي وقت تريد.
وهكذا، قبل أن تطلب زوجة المستقبل فستانا من زوجها ستدس له حبة الكرم في كوب الشاي، ولن تفاجأ بعدها إذا أخرج لها كل ما في جيبه، وقبل أن تسأله اين كان يسهر أمس ستضع له حبة صدق في كوب القهوة. أما الموظفون فإن الشركات ستفرض عليهم تناول حبوب الأمانة والإخلاص في العمل وعدم استغلال النفوذ. وبالطبع ستختفي الجرائم والسرقات وحوادث النصب والاعتداء من الصف، ولن تعطى المثل العليا أي امتياز، لأنها مبرمجة ومصنعة.
أسألكم.. هل هذه حياة؟!!
أبو خلدون