أقر البرلمان الفرنسي الذي رفض مرات عدة مطالبات جزائرية له باعتذار عن المجازر التي ارتكبها الفرنسيون بحق الجزائر مقدمةً لمصالحة تاريخية- في 22/12/2011 ، بحضور عدد قليل من النواب لم يتجاوز السبعين نائباً من أصل 577 نائباً، مشروع قانون يعاقب كل من ينكر وجود إبادة بحق الأرمن في عام 1915 بالسجن سنة ودفع غرامة قيمتها 45 ألف يورو . وكي يصبح القانون نافذاً يحتاج إلى مصادقة مجلس الشيوخ، ومن ثم تصديق رئيس الجمهورية، نيكولا ساركوزي الذي بخلاف المرات السابقة (عام 2001 على سبيل المثال) يبدو اليوم متحمساً للقانون لحسابات سياسية واضحة، وهي كسب ود أصوات نصف مليون ناخب أرمني في انتخابات الرئاسة الفرنسية في الربيع المقبل .
وسرعان ما قابل رئيس الحكومة التركية الخطوة الفرنسية بإعلان رزمة أولى من العقوبات على فرنسا تمثلت في تعليق العلاقات السياسية والعسكرية والفعاليات الاقتصادية . ووصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان هذه العقوبات بأنها مرحلة أولى ستتبعها مرحلة ثانية وفقاً للتطورات . ووجد أردوغان في التاريخ ملاذاً آخر للرد على صانعي ورعاة القانون الفرنسي، بقوله: نحن نفتخر بتاريخنا ولا يوجد أية حادثة فيه تشكل حرجاً لنا، وجميع الأحداث فيه نحاول مواجهتها وتسليط الضوء عليها . ولقد فتحنا كل وثائق الأرشيف التركي، فمن أراد النظر فليأت إلى هنا . والتاريخ لا يكتب بالتصويت في البرلمانات . ولا توجد في تركيا إبادة . يعيش اليوم في تركيا اكثر من 140 ألف أرمني .
واتهم أردوغان فرنسا بارتكاب جرائم إبادة جماعية في الجزائر . وقال: إذا كان الرئيس الفرنسي لا يعرف حدوث إبادة جماعية، يمكنه أن يسأل والده، بال ساركوزي الذي خدم في الجزائر في أربعينات القرن العشرين . أنا على يقين بأن لديه (بال ساركوزي) مسائل كثيرة ليقولها لابنه، في شأن المجازر التي ارتكبها الفرنسيون في الجزائر، وكيف أحرقوا الجزائريين في أفران غاز .
أما الجد المجري الجنسية اليهودي الديانة للرئيس الفرنسي فكان سليل العائلات اليهودية التي قدمت لها الدولة العثمانية الحماية والرعاية، بعد هربها من المجازر التي ارتكبت بحق اليهود والمسلمين في إسبانيا . لكن بال ساركوزي، والد الرئيس الفرنسي، نفى اتهامات أردوغان بقوله: إن حديث أردوغان مضحك ويدعو للسخرية، ونصح رئيس الوزراء التركي بقراءة كتاب مذكراته حول الجزائر، الذي يوضح دوره بوصفه عسكرياً خدم هناك، وما قدمته فرنسا لتلك الدولة العربية .
ويأمل الأتراك أن يسقط المشروع في مجلس الشيوخ يحدوهم في ذلك الضغوط التي يمارسونها على فرنسا ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، وتذكير الفرنسيين بأن حصتهم في المناقصات التركية لن تكون مضمونة، وهي مناقصات كبيرة على صعيد الطاقة وشراء الطائرات المدنية . ويذكّر الأتراك الفرنسيين بأنه إذا كان هناك من نصف مليون ناخب أرمني فهناك أيضاً نصف مليون ناخب تركي .
ويدرك الأتراك أن أية عقوبات اقتصادية على فرنسا لن تفيد تركيا وستضر باقتصاد البلدين . ذلك أن حجم التجارة بين البلدين يقارب العشرة مليارات يورو تشكل صادرات تركيا منها أربعة مليارات، وهو حجم تجارة كبير يضاف إليه أن نصف تجارة تركيا الحالية مع الاتحاد الأوروبي، كما أن استثمارات فرنسا كبيرة في تركيا حيث توجد ألفا شركة فرنسية تشغّل أكثر من خمسين ألف عامل تركي .
ولا بد من التذكير بأنه قبل سنة ونيف فقط مع اعتراف لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي بحصول إبادة للأرمن في عام ،1915 سحبت تركيا سفيرها من واشنطن ثم أعادته .
ولعل بيت القصيد أو الأمر المهم في التوتر بين باريس وأنقرة لا يتمثل في اعتباره زوبعة في فنجان أو بداية قطيعة، بل في الاستخدام المبتذل للتاريخ وسياسة نبش قبور ضحايا جرائم إبادة جماعية كثيرة اتخذ بعضها اسم هولوكوست وهي كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية التي تعني الحرق الكامل للقرابين المقدمة لخالق الكون، وهو مصطلح مستنبط من التلمود .
لكن كلمة هولوكوست استعملت على الأغلب لوصف الحملات الحكومية المنظمة من قبل ألمانيا النازية وحلفائها لإبادة اليهود في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية .
وثمة أنواع أخرى من الهولوكوست، على سبيل المثال الهولوكوست الآسيوي التي استعمل لوصف أوضاع جزر المحيط الهادئ وأقصى شرق آسيا تحت احتلال الإمبراطورية اليابانية، والهولوكوست الأسود لوصف موت أعداد كبيرة من الزنوج على السفن التي كانت تقلهم إلى عبوديتهم في الولايات المتحدة والهولوكوست الصيني لوصف أوضاع الصين تحت الاحتلال الياباني . وذاقت الشعوب الأوروبية صنوفاً من العذاب، وصل إلى حد اغتصاب القساوسة فى الأديرة والمجازر، خلال حروب وقعت بين الكاثوليك والبروتستانت .
وباستقراء تاريخ البشريّة يتضح أن آفة الإبادة الجماعيّة كانت تقع من حين إلى آخر، ولم تفلح الآلة السياسيّة، ولا القوة العسكرية في وضع حد لهذه الجريمة الرهيبة . والأمر الخطر حالياً هو تزييف الساسة للتاريخ وطمس حقائقه في بورصة انتخابات رئاسية وبرلمانية .