لماذا "الكتلة التاريخية" في المنطقة العربية؟

05:08 صباحا
قراءة 4 دقائق

في خضم البحث عن طرق الإصلاح وآفاقه في المنطقة العربية، بات من المعتاد خلال السنوات الأخيرة الحديث عن الكتلة التاريخية. وقد أمل فريق واسع من المثقفين وأهل الرأي والناشطين السياسيين العرب أن تقوم هذه الكتلة مقام الفاعل الإصلاحي، وقاطرة الإصلاح الديمقراطي تحديداً. هذا الفاعل، يختلف عن الحزب لأنه يقوم أساساً على تحالف أحزاب عدة، وهو لا ينحصر في طبقة اجتماعية معينة، ولا في تيار سياسي مخصوص، ولا في نمط واحد من المؤسسات بل يضم أطيافاً متنوعة منها. كذلك تطلع الذين دعوا إلى تكوين الكتلة التاريخية إلى تنشيط دور المثقفين في الحياة العامة العربية بعدما تعرض هؤلاء، وخاصة المثقفين الملتزمين سياسياً، إلى الإقصاء والتهميش خلال العقود الماضية تحت شتى الذرائع والاعتبارات. فقد رافق الدعوة إلى قيام الكتلة التاريخية اقتناع بأن للمثقفين دوراً أساسياً في بناء هذه الكتلة وفي صياغة أساسها الفكري المهيئ لتحالف طبقات اجتماعية متعددة بغرض الوصول إلى التغيير السياسي المنشود.

نظراً إلى أهمية الكتلة التاريخية، نظم مشروع دراسات الديمقراطية في المنطقة العربية لقاء دراسياً خلال الأسبوع الفائت كان الغرض منه إلقاء ضوء على هذا المفهوم وتقديم توضيحات حول إمكان تطبيقه في الحياة السياسية العربية وحول النتائج الإيجابية التي يمكن أن يتحقق من خلال - إن صح التعبير- كتلة تاريخية على مستوى المنطقة ككل وعلى مستوى كل بلد عربي.

العودة إلى منبت هذه الفكرة تساعد على الاجابة عن هذه الأسئلة، ذلك بأنها تبلورت على يد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي خلال النصف الأول من القرن العشرين. وجاء هذا الإنجاز الفكري في سياق محاولة المفكر الإيطالي الإجابة عن سبب استمرار هيمنة الطبقة البورجوازية على المجتمعات الصناعية رغم الأزمات التي كانت تمر بها. واعتبر أن هذا السبب لا يكمن دوماً في قدرة الطبقة المهيمنة على قمع القوى الأخرى، ولكن في نجاحها أحياناً في ممارسة الهيمنة الثقافية والعقائدية على الطبقات الأخرى ومن ثم في تكوين سند شعبي واسع مؤيد لها. خروجاً من هذا الوضع، اقترح غرامشي السعي إلى تكوين ثقافة تغيير موجهة إلى طبقات وشرائح اجتماعية لا تستفيد من بقاء الوضع الراهن، والعمل على تكوين تحالف/ كتلة تاريخية بينها.

بين الكتلة التاريخية التي دعا اليها غرامشي، والكتلة التاريخية التي جرى ويجري التداول فيها في المنطقة العربية فوارق نظرية مفترضة وأخرى عملية وواقعية محققة. على الصعيد النظري، فإن غرامشي لم يكن يدعو إلى قيام كتلة تاريخية من أجل الانتقال إلى أنظمة ديمقراطية برلمانية بل إلى دكتاتورية البروليتاريا. صحيح أن الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي كان غرامشي واحداً من أهم قادته التاريخيين، نجح في تأسيس كتلة تاريخية من أجل التغيير الديمقراطي وتخلى عن دكتاتورية البروليتاريا، ولكن هذا حدث في مرحلة تاريخية لاحقة.

بالمقارنة، العديد من أهل الرأي العرب الذين دعوا إلى قيام كتلة تاريخية في المنطقة اعتبروا أنها سوف تكون قاطرة الإصلاح الديمقراطي وقيام الأنظمة الديمقراطية البرلمانية في المنطقة. هنا نجد فرقاً بين الكتلة التاريخية التي دعا إليها غرامشي، والكتلة التي يتطلع إليها هؤلاء المفكرون والمثقفون العرب، ولكن هل ينسحب هذا الفارق على جميع الذين دعوا ويدعون إلى قيام كتلة تاريخية في المنطقة العربية؟ هل يدعو هؤلاء، من دون استثناء، إلى الانتقال إلى أنظمة ديمقراطية برلمانية، أم أن فرقاء منهم يسعون إلى بناء كتل تاريخية وتحالفات تضم شتى أنواع القوى السياسية بقصد الانتقال إلى نمط آخر من الأنظمة السياسية؟

إن اتساع التأييد للديمقراطية بين الأحزاب السياسية العربية يوحي بأن الأكثرية منها تتطلع إلى قيام أنظمة ديمقراطية برلمانية في المنطقة. استطراداً، فإنه بالإمكان القول إن الدعوة إلى قيام كتل تاريخية في المنطقة العربية تختلف عن الدعوة إليها في منبتها وفي زمانها الأصليين، وإنها بالتالي تشكل وجهاً آخر من وجوه التطور الديمقراطي في الحياة السياسية العربية. بيد أن هذا الرأي يبقى فرضية متفائلة ما لم يترسخ ويتأكد ويتعمق التزام الأحزاب والقوى السياسية العربية بالديمقراطية.

الفارق الثاني بين قيام الكتل التاريخية في منبتها الأوروبي، والدعوة إلى الأخذ بها في المنطقة العربية يعود أيضاً إلى الظروف بين المنطقتين. لقد بلور غرامشي ذلك المفهوم يوم كان الحكم المطلق يسود إيطاليا، ومن ثم كان من المستطاع اكتشاف أوجه الشبه بين الظروف الإيطالية آنذاك، وبين أحوال العديد من دول ومجتمعات المنطقة العربية الراهنة. إلا انه عندما بدأت فكرة الكتلة التاريخية تنتقل إلى حيز التطبيق في إيطاليا ولاحقاً في غيرها من الدول الأوروبية، كانت هذه الدول قد أخذت بالديمقراطية البرلمانية. في ظل هذه الأنظمة كان من السهل تأسيس الكتل التاريخية وغير التاريخية، وأن تعمل الأحزاب والجماعات السياسية بحرية، وأن تسعى إلى بناء التحالفات العابرة للطبقات الاجتماعية، وأن تصل إلى مواقع السلطة والحكم، وأن توصل آراءها إلى المواطنين عبر المتنوع من وسائل النشر والإعلام. بيد أن هذا الحال لا ينطبق على المنطقة العربية. فلا توجد في المنطقة أنظمة ديمقراطية برلمانية متطورة كما كان الأمر في إيطاليا أو فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، أو في إسبانيا بعد انتهاء مرحلة فرانكو.

هناك في عدد من الدول العربية انفتاح سياسي، ولكنه محدود ومثقل بالقيود، وهناك رهان بين المعنيين بالشأن الديمقراطي في المنطقة على تحول هذه الدول من مرحلة الانفتاح السياسي إلى مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. تأسيس كتل تاريخية للتغيير السلمي والديمقراطي يعزز فرص هذا التحول. بيد أن الاستفادة الإيجابية من هذا الانفتاح السياسي بغرض إقامة مثل هذه الكتل تتطلب شرطاً أساسياً هو التزام القوى السياسية في هذه الدول التزاماً غير قابل للتراجع أو النكوص بالمبادئ الديمقراطية. بمقدار ما تقدم هذه القوى الأدلة الساطعة على مثل هذه الالتزام، تسهم في توفير إمكانات تحول الانفتاح السياسي إلى مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، وفي توفير عناصر تحول الأنظمة المطلقة إلى الانفتاح السياسي.

كاتب لبناني

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"