لينين.. كراكوف وأوشفيتز

03:55 صباحا
قراءة 3 دقائق
عبد الحسين شعبان

حين قرأت خبر الاحتفال بالذكرى ال 75 لتحرير «معسكر أوشفيتز» (ال 27 من يناير / كانون الثاني عام 1945) على أيدي الجيش الأحمر السوفييتي، استعدت حدثين مؤثرين في نفسي عشتُ تفاصيلهما:
الحدث الأول: زيارتي لهذا المعسكر قبل أكثر من خمسة عقود من الزمان، وذلك خلال مشاركتي عام 1969 باحتفالية التحضير للذكرى المئوية لميلاد لينين (ال 22 من إبريل / نيسان عام 1970)، حيث التأم اللقاء في مدينة كراكوف (بولونيا)، التي كان لينين قد عاش فيها بضعة أشهر، وقد نظمت الجهة المضيفة زيارة إلى معسكر أوشفيتز، ولا أنسى مدى تأثري البالغ بما شاهدته وسمعته من أهوال تفوق حدّ التصوّر. ففي ساحة كبيرة وعميقة ذات سقف زجاجي، كانت تتناثر فيها عشرات الآلاف من فرش الأسنان والأحذية والملابس الداخلية والأمشاط والخواتم والساعات والمحافظ والصور والهوّيات الشخصية للضحايا الذين قتلوا في هذا المعسكر، مثلما توقّفت في أماكن أخرى منه عند آلات التعذيب وآثاره المختلفة على الجدران وفي الزنازين والممرّات والقاعات، فقد كان كل شيء فيه يئّنُ من فرط الألم على الرغم من مضي أكثر من عقدين حينها على تحريره.
أما الحدث الثاني، فهو الذي لفتت نظري إليه إحدى المستشرقات بشأن «مذكرات» إيغون ردليخ العضو القيادي البارز في المنظمة الصهيونية (ماكابي هاكير)، الذي كتب «يومياته»، وإن كان بحذر شديد خوفاً من وقوعها بيد السجانين، حيث كان نزيلاً في أوشفيتز من عام 1940 لغاية عام 1944. وتكشف «اليوميات»، التي أعدّها للنشر ييرجي بوهاتكا (اسم مستعار) في أواسط السبعينات، التعاون الوثيق بين الصهيونية والنازية بإرسال مئات الآلاف إلى أفران الموت، مقابل إرسال بضع مئات من المتموّلين والقيادات الصهيونية إلى فلسطين، وقد تسنّى لي إعداد وترجمة الحلقات الأربع التي نشرتها مجلة «المنبر»، لنشرها في مجلة الهدف الفلسطينية في أواسط الثمانينات، وكان قد عُثر عليها في سقف أحد البيوت الحجرية في مدينة غودوالدوف التشيكية في عام 1967، في حين أُعدم ردليخ على الرغم من تعاونه مع النازية.
كان أدولف إيخمان الضابط النازي الكبير في جهاز القوات الخاصة (SS) المسؤول عن نقل المبعدين إلى معسكرات الإبادة، حيث اتخذ القرار في مؤتمر فانزيه في ال 29 من يناير / كانون الثاني عام 1942، بتنظيم حملة إبادة في معسكر أوشفيتز والمعسكرات الستة الأخرى، بما فيها معسكر النساء «رافينسبروك»، عبر آلة تدمير للقتل الجماعي بدوافع عنصرية استعلائية شكّلت جوهر النظرية النازية للحزب النازي الألماني، وذلك تحت عنوان «الحل الثاني للمسألة اليهودية».
جدير بالذكر أن إيخمان اختفى بعد سقوط برلين، وظلّت الموساد «الإسرائيلية» تبحث عنه، حتى توصّلت إلى مخبئه في الأرجنتين، فقامت باختطافه في عام 1960، ونقلته إلى «تل أبيب» فحاكمته ثم أعدمته. أما المسؤول عن المعسكر منذ تأسيسه، فكان ردولف هوس حتى نوفمبر / تشرين الثاني عام 1943. وقد نظّمت عمليات قتل ومحارق في معسكر أوشفيتز - بيركيناو الموسّع، حيث كان الأسرى والسجناء ينقلون إليه من مدينة كراكوف، وكلّما ازدادت أعداد السجناء، كان يتم اللجوء إلى القتل. وبغض النظر عن التهويل أو التقليل من شأن عدد الضحايا، لكن رواية القتل كانت قائمة على قدم وساق، ويوثق متحف المعسكر الضحايا القادمين من هنغاريا وبولونيا وإيطاليا وبلجيكا وفرنسا وهولندا وكرواتيا وتشيكوسلوفاكيا وروسيا والنمسا وألمانيا وغيرها، وقد نجا عدد قليل من المعتقلين لم يزد عددهم على 7 آلاف، ولا سيّما بعد محاولة ال SS تفريغ المعتقل والفرار غرباً مع قوافل الأسرى والسجناء بعد وصول الجيش الأحمر إلى سياج الأسلاك الشائكة.
في أوائل عام 1946 سلّمت سلطات الاحتلال السوفييتي أراضي المعتقل السابق إلى بولونيا، وارتفع النصب التذكاري 1979 في مدخله، واعتبرته اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي.
سيبقى ما حصل في معسكر أوشفيتز محفوراً في الذاكرة الجماعية العالمية باعتباره من جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ولا سيّما باستذكار معاناة الضحايا وعذاباتهم، ولعلّ ذلك يذكّر اليوم بما حصل ويحصل للفلسطينيين من مجازر في دير ياسين وكفرقاسم ومذابح الحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى وجنين، إضافة إلى مذابح غزة والعدوان المستمر عليها، فضلاً عن حصارها الدامي منذ عام 2007 إلى اليوم.
ولا تزال المأساة الفلسطينية ماثلة للعيان وشاهداً حياً على الجرائم «الإسرائيلية»، حيث يحرم الشعب العربي الفلسطيني من أبسط حقوقه الإنسانية، وفي مقدمتها حقه في الحياة والعيش بسلام، وتقرير المصير والعودة إلى وطنه وإقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بل وأكثر من ذلك أن حقوق الفلسطينيين وأراضيهم هي اليوم أكثر عرضة للمزايدة في سوق النخاسة الدولية، تحت عنوان «صفقة القرن» من دون أي اعتبار إنساني أو حقوقي أو أخلاقي، حيث يجري قضمها وضمها واستيطانها وإجلاء أهلها سكان البلاد الأصليين منها.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي، وهو نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور) في بيروت. له مساهمات متميّزة في إطار التجديد والتنوير والحداثة والثقافة والنقد. يهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأديان، والدساتير والقوانين الدولية والنزاعات والحروب. صاحب نحو 70 كتاباً ومؤلفاً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"