مؤتمر «الهولوكوست» وتزوير الحقائق

02:58 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. فايز رشيد

اختتم يوم الجمعة الفائت ما سمي ب«المؤتمر الدولي لإحياء الذكرى السنوية ال75 للهولوكوست» الذي أقيم في القدس الغربية المحتلة بحضور ممثلين عن 40 دولة من بينهم ملوك ورؤساء دول، ورؤساء حكومات. باختصار كان المهرجان مظاهرة عالمية تناسي فيها القادة ورؤساء الدول المشاركين فيها الممارسات الفاشية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني والعديد من الأقطار العربية كاحتلال الأرض واقتلاع ما يربو على مليون فلسطيني وطردهم من أرضهم في سنتي 1947 1948، واقتراف عشرات المذابح بحقهم على مدى قرن مضى، واستيطان الأرض الفلسطينية واعتبار القدس الموحدة عاصمة للكيان ، والاغتيال والاعتقال والقتل بدم بارد، وهدم البيوت واقتحام الأقصى، ومسح 450 قرية فلسطينية من الخارطة الجغرافية لفلسطين، وممارسة كل ما عرفته البشرية قديماً وحديثاً من وسائل وأشكال جرائم تعذيبية جسدية ونفسية، ضد أبناء وبنات وأطفال شعبنا وأمتنا.
كل هذا اقترفته وتقترفه دولة العدو على مرأى ومسمع رؤساء وأعضاء وفود الدول التي حضرت المؤتمر، انسجاماً مع روايتها للهولوكست. ألم تُلفت اهتمام من حضر المهرجان معاناة الفلسطينيين وإنكار الدولة المحتلة لأي من الحقوق الوطنية الفلسطيني مثل الجرائم الحية التي اقترفت اسرائيليا طوال يومي المؤتمر؟.
نتساءل هل اليهود وحدهم الذين عانوا جرائم النازية؟ أم إن شعوباً ودولاً وأعراقاً وأدياناً وقوميات كثيرة عانت هذه الجرائم. لقد قتل في الحرب العالمية الثانية 20 مليون سوفييتي، و4 ملايين بيلاروسي و6 ملايين بولندي، هذا على سبيل المثال لا الحصر، وفقدت الشعوب الأوروبية 80 مليوناً من أبنائها على أيدي النازية الهتلرية.
للعلم الذين حرروا أوشفتز هم الجنود السوفييتيون ودخلوا برلين محررين ورفعوا الراية السوفييتية على مبنى الريخستاج (البرلمان)، وانتحر هتلر بعد قتل (زوجته) إيفا براون.
ما يبعث على الغضب من معظم الذين وصلوا إلى متحف «ياد فاشيم»، هو أنهم ما يزالون ينافقون لدولة عبارة عن «قصر كبير» يعيش ساكنوه في غابة مُحاطة بأعداء ووحوش يريدون تدميرها، وغيرها من الأساطير الاسرائيلية المؤسسة (كما تعتقد العديد من الدول)، فضلاً عن سن قوانين غير مسبوقة في نفاقها، تعتبر أن أي انتقاد لسياسات دولة الاحتلال بمثابة «عداء للسامية» التي يعاقب صاحبها بالسجن والغرامة.
كان مثيراً ومحزناً أن ترى قادة كثير من الدول اعتمروا القلنسوة اليهودية المنسوجة في طقوس مفتعلة اغتنمها نتنياهو لحصد مزيد من التأييد لسياسات دولته العنصرية الاستيطانية. وقد ذرف بعض هؤلاء دموعهم حزناً على مَن احتكرت الصهيونية مأساتهم لتمرير روايتها الاستعمارية الكولونيالية، واغتنم بعضهم الفرصة لتقديم هدية أخرى لدويلة الكيان بمهاجمة قرار المحكمة الجنائية الدولية التي تحقق في جرائم الاحتلال وقادته.
ما نستذكره في هذا الصدد هو الكتب الأمريكية والأوروبية (ومنها لكتاب يهود) المشككة في الرواية اليهودية للحدث وتحويله إلى صناعة وتجارة أيضاً! تخوّل دولة الاحتلال أن تمارس دور الجلاد من دون مساءلة؛ بل بمباركة أو تبرئة أو مشاركة بذريعة تكريم الضحية. كما تتيح تلك الصناعة أيضاً تبرئة بعض الأسلاف من معاصري الهولوكوست لجهة تواطؤ هؤلاء مع الجهات النازية ذاتها التي نظمت معسكرات الاعتقال والإبادة.
ومن بين تلك المؤلفات «لماذا وقفنا متفرجين.. أوروبا أمريكا والهولوكوست» للكاتب تيودورهامرو، وكتاب مايكل جونز بعنوان «قضية وليامسون.. الكنيسة الكاثوليكية وإنكار الهولوكوست»، وإدوين بلاكفي «الآصرة النازية.. صلات الشركات الأمريكية بهولوكوست هتلر».
ويصح أن يتصدر هذه المؤلفات الكتاب الشهير الذي وضعه الباحث والمؤرخ الأمريكي اليهودي نورمان فنلكشتين تحت عنوان «صناعة الهولوكوست.. تأملات في استثمار المعاناة اليهودية» الذي برهن على أن استثمار مآسي اليهود كان ويظل صناعة حقيقية؛ بل صناعة ثقيلة. تقول الكاتبة اليهودية حنة أرندت: «إن الهولوكوست تفصيل صريح فاجع في تراث رأسمالي غربي وحشي بشع».

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية، وهو من الخبراء في الصراع الفلسطيني العربي-"الإسرائيلي". إضافة إلى أنه روائي وكاتب قصة قصيرة يمتلك 34 مؤلفاً مطبوعاً في السياسة والرواية والقصة القصيرة والشعر وأدب الرحلة. والمفارقة أنه طبيب يزاول مهنته إلى يومنا هذا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"