د. جمعة سعيد النعيمي *

للمؤسسات أهداف، والجميع معنيون بهذا الأمر. فمتى ما استقر هذا الفهم في إدراك القائمين على هذه المؤسسة بمختلف مستوياتهم، وخاصة الموظف الإداري الأول الذي يشكل رأس الهرم فيها، أصبح طريق النجاح عندها يسيراً وواضحاً يراه الجميع.
غالباً ما نُخفق نحن الموظفون في تكوين صورة ذهنية أو ماهية موحدة على أقل تقدير في مجملها العام عن مصطلح المؤسسة. ولا ضير في ذلك، فمن المحال أن تكون هذه الصور عن المؤسسة متطابقة وموحدة لدينا، ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوضيح أو السؤال: ما هو تعريف المؤسسة؟
تجدر الإشارة هنا إلى أنه قد يؤدي الفهم المجافي للواقع، إلى وقوفنا موقف المعارض لممارسات صحية ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، وموقف المؤيد لممارسات أخرى غير صحيحة قد تتسبب في تعطيل تحقيق الصالح العام، الذي وجدت من أجله هذه المؤسسة.
فسّر المفكرون وعلماء وباحثو علم الإدارة والسلوك المؤسسي، مصطلح المؤسسة بتفاسير عدة ومتباينة في شكلها العام، كل حسب ما يراه. ولعل ما يمكن وصفه «بالقاسم المشترك» الذي يربط هذه التعريفات، هو أن المؤسسة هي «مجموعة من الأشخاص توجد في بيئة واحدة وتتفق لتحقيق أهداف مشتركة».
وإذا سلمنا بهذا القول، فلا ريب في أن نُجمع أنه لا يمكن أن تتحقق هذه الأهداف المؤسسية بمحض الصدفة أو الحظ، فمن البديهي أن تعمل المؤسسات وفق أنظمة وسياسات وقوانين لتسيير العمل، ولتحديد شكل وطبيعة العلاقات الوظيفية لأفرادها وأسلوب اتخاذ القرارات بشتى أنواعها، بغية تحقيق الأهداف المنشودة، والتي عادة ما تتضح من خلال النظر إلى هيكلها التنظيمي وتقسيماتها الداخلية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل تصبح الصورة أكثر وضوحاً عندما نعلم بأن هناك توصيفاً وظيفياً لكل عضو في هذه المؤسسة يمكنه من ممارسة مهامه وصلاحياته اليومية، بشكل لا يتعارض مع قرنائه من الموظفين.
وبعد التعرف إلى مفهوم المؤسسة، قد تتكون لدى بعضنا صورة أشبه بالمثالية عن عمل المؤسسة طالما أنها تعمل وفق نظام وميكانيكية واضحة تحكمها كما أسلفنا.
في الواقع، لا أقول إن ذلك صعب؛ بل إنه من المحال بمكان أن تمضي المؤسسة بدون تحديات تعترضها لتشكل عقبات أو مطبات يومية تُبطئ سرعتها لإنجاز أهدافها.
ونقسم هذه المشاكل والتحديات إلى نوعين؛ الأول داخلي والآخر خارجي يتعلق بالبيئة الخارجية التي تعيش فيها المؤسسة.
ومن منطلق القول إن لكل مشكلة حل، أعتقد أن مسؤولية الإصلاح والتصحيح الداخلي في المؤسسة تقع بالدرجة الأولى على عاتق المستوى القيادي/الاستراتيجي، فالتطوير والتحسين المستمر في المؤسسة هو الأساس والسلاح الذي يعزز الأداء ويزيد الإنتاجية، وبالتالي مواجهة العقبات والتحديات والمضي تجاه النجاح.
ويتجلى الإصلاح الداخلي للمؤسسة من وجهة نظري في أمرين رئيسيين؛ الأول مدى اعتقاد القائمين على أمر المؤسسة بكينونتها والهدف من وجودها، وبأن أفرادها على اختلاف مستوياتهم الإدارية يشكلون فريقاً واحداً؛ بل هم شركاء في تحقيق الأهداف التي وجدت من أجلها المؤسسة، إضافة إلى تجنب المفاهيم والممارسات الخاطئة والمغلوطة والتي تنتج عنها إساءة استخدام النفوذ، أو التعسف في ممارسة السلطة أو بناء تكتلات وظيفية.. والتي تشكل انحرافاً واضحاً للمؤسسة عن مسارها الصحيح.
الأمر الآخر، هو مدى مهنية هؤلاء الموظفين لتنفيذ مسؤولياتهم ومهامهم الإدارية والوظيفية؛ أي: هل يمتلكون الدراية والمعرفة المهنية التي تؤهلهم للقيام بالواجبات والمسؤوليات المناطة بهم في المؤسسة؟.
أما بالنسبة للبيئة الخارجية وتحدياتها، فالمؤسسة في الواقع تشكل نظاماً مفتوحاً على عالم خارجي لا تعيش فيه بمفردها، بحيث يلزمها هذا النظام بمتطلبات خارجية كخدمة العملاء الخارجيين، وتوفير طلباتهم وتلبية توقعاتهم، إضافة إلى التحديات الصعبة التي تواجهها جراء العولمة والسباق التكنولوجي والتنافسية مع قريناتها من المؤسسات الأخرى التي قد تقدم منتجات أو خدمات أفضل أو مكافأة لها، الأمر الذي يُجبرها على تغيير استراتيجياتها بشكل سريع ومستمر؛ بل التنازل أحياناً عن بعض أولوياتها من أجل البقاء في مضمار المنافسة وتجنب التراجع أو الهبوط.
ويكمن الحل لمواجهة هذه التحديات الخارجية من وجهة نظرنا في مدى مهنية وحنكة المستوى القيادي أو الاستراتيجي لدى المؤسسة، وذلك من خلال تحليل ودراسة البيئة الخارجية، مقارنة بالموارد الداخلية المتوفرة لديها، والتعرف إلى التحديات الخارجية وتشخيصها بشكل جيد لاتخاذ القرارات الأنسب حيالها.
كما يبرز وبشكل جلي في مدى اعتقاد هؤلاء القادة بضرورة وجود منظومة تخطيط استراتيجي رصينة، يقومون هم عليها ويُقرِّون عناصرها؛ كونهم المعنيين باستشراف المستقبل وتوجيه دفة القيادة في مؤسساتهم. وفي هذا السياق، نقول إن دفع المؤسسة تجاه النجاح لا يمكن أن يتم بالاهتمام بمتطلبات البيئة الداخلية فقط، دون الإيفاء بالمتطلبات الخارجية أوالعكس، فكلاهما مكمِّل للآخر.
إذن، للمؤسسات أهداف، والجميع معنيون بهذا الأمر. فمتى ما استقر هذا الفهم في إدراك القائمين على هذه المؤسسة بمختلف مستوياتهم، وخاصة الموظف الإداري الأول الذي يشكل رأس الهرم فيها، أصبح طريق النجاح عندها يسيراً وواضحاً يراه الجميع.

* مدير مركز الريادة لدراسات الأبحاث والإدارة
[email protected]