على بعد 150 كيلومتراً غرب مدينة العريش، عاصمة محافظة شمال سيناء، و35 كيلومتراً من مدينة القنطرة شرق بالإسماعيلية، تقع منطقة آثار الفرما، وهي من المناطق الأثرية المهمة، التي تقوم الوزارات المعنية بترميمها لإعادة افتتاحها ووضعها على خريطة السياحة المصرية. تقع منطقة آثار الفرما على مقربة من ساحل البحر شمال قرية بالوظة، عند مصب الفرع البيلوزي القديم لنهر النيل، حيث كانت تعد أهم حصون الدفاع عن الدلتا من ناحية الشرق، وقد وقعت عندها معارك عديدة من أهمها المعركة التي وقعت بين جيوش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص وجيش الرومان في عام 640 ميلادية، ويقول الدكتور نمر عودة، مدير عام منطقة شمال سيناء للآثار الإسلامية والقبطية: عرفت المنطقة قديماً باسم بيلوزيوم، وعرفها الفراعنة، واليونانيون الذين نسبوا إليها اسم فرع النيل البيلوزي، كما عرفها الأقباط باسم فرومي، ومنهم أخذ العرب اسم الفرما، وقيل إنها مسقط رأس بطليموس الفلكي الشهير، وقد عرفت مدينة بيلوزيوم القديمة باسم «بر آمون» أي مدينة الإله آمون، وعرفت في العصر اليوناني الروماني باسم بيلوزيوم بمعنى الوحل أو الطين، لموقعها الفريد كميناء على البحر المتوسط، ثم عرفت باسم برما من الاسم القبطي لها، ومنه جاء الاسم العربي الفرما الذي لاتزال تعرف به إلى الآن.
تضم منطقة آثار الفرما القلعة، وتقع في أعلى نقطة من التل الأثري قريباً من حدود الساحل القديم، وهي من العصر العباسي وبناها والي مصر آنذاك عنبة بن إسحق عام 239 هجرية، وطولها من الشرق للغرب 400 متر ومن الشمال للجنوب 200 متر، ومزودة بعدد 36 برجاً للحراسة على شكل نصف دائري و4 أبراج أخرى بالأركان دائرية الشكل، وبها 4 بوابات رئيسية من الاتجاهات الأصلية الأربعة وباب سري خامس للغوث «الطوارئ»، وداخل القلعة عدة مبانٍ اكتشف منها مسجد ومصنع نسيج، وتجري بعثات التنقيب البحث عن المسجد الجامع الذي كانت تقام فيه صلاة الجمعة، إضافة إلى كنيسة تذكارية فريدة من نوعها يطلق عليها «الروتاندا» ويعد بناؤها طرازاً معمارياً فريداً، حيث تتكون من دائرتين متداخلتين، ومن الناحية الغربية المدفن الخاص بها، ويجاوره تجاه الشمال حوض التعميد. ويوجد بالقلعة تل المخزن وهو عبارة عن ضاحية من ضواحي مدينة الفرما ويوجد به حالياً مجمع الكنائس أقدمها يرجع لأواخر القرن الرابع الميلادي، ويتوسط المجمع الكنيسة البازيلكية، ومن الناحية الشمالية والجنوبية كنائس للقساوسة بجانب عدة مدافن للمتعبدين، وفي المكان توجد ساقية مياه وتعتبر محطة مياه كاملة كانت تزود من الفرع البيلوزي المار بالمنطقة ويطلق عليه الفرع السابع.
قلعة الفرما وتتكون منطقة الفرما الأثرية من قلعة الفرما على مساحة 400x200 متر مربع، تتوسط مدينة الفرما القديمة، يحيط بها سور كبير به عدد 36 برج حراسة على جوانب السور الأربعة، وتم إظهارها بالكامل نتيجة أعمال الحفائر التي تمت بالمنطقة، التي تضم أيضاً المسرح الروماني، وهو على شكل نصف دائرة يتسع لعدد 5000 فرد يحيط به عدد من الأعمدة الجرانيتية، بجانب وجود الحمام الشمالي والحمام الجنوبي ومجموعة صهاريج المياه، والكنيسة الجنوبية والكنيسة الغربية وعدة ملاحق معمارية، إضافة إلى مجموعة كنائس تل المخزن، بجانب مجموعة كبيرة من المقتنيات الأثرية، والتي تم عرضها بمتحف العريش القومي والباقي بالمخازن المتحفية التابعة لوزارة الآثار.
تأهيل المنطقة ومنذ مدة بدأت الحكومة المصرية سلسلة من الخطوات لإعادة تأهيل المنطقة ووضعها على خريطة السياحة المحلية، ويقول المهندس سالم حسين صباح، مدير عام إدارة السياحة بديوان عام محافظة شمال سيناء، سيتم إنشاء سور من الزوايا أو المواسير الحديد والسلك المجلفن حول المنطقة الأثرية، بمساحة 6 في 6 كيلومترات لتأمينها، وإمداد المنطقة بالمرافق، وتدعيم ورفع كفاءة واستكمال الطريق المتفرع من طريق البحر المؤدي إلى مدينة الفرما الأثرية بطول 5 كيلومترات، إضافة إلى الطريق المؤدي إلى مجمع الكنائس بتل المخزن بطول 500م، ينتهي بمكان انتظار للسيارات، وإقامة منطقة خدمات متكاملة تضم مبنى إدارياً وكافتيريا وبازارات ودورات مياه وبوابة رئيسية لدخول المنطقة.
وحول عمليات الترميم التي تُجرى بالمنطقة يقول الدكتور غريب علي سمبل، رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم بوزارة الآثار: في عام 1994 ورد خطاب من وزارة الثقافة آنذاك يطالب بتقديم مقترح من منطقة آثار شمال سيناء لترميم الآثار بالمنطقة، بتمويل قدره 90 مليون جنيه، وتم تقديم دراسة «التي يُجرى بها العمل حالياً» خلال 48 ساعة، حيث تم اعتمادها من رئاسة مجلس الوزراء، واعتماد ميزانية خاصة للترميم، وكان يشرف على ميزانية مشروع الترميم، بنك الاستثمار القومي، حيث يقوم البنك بمنح مبالغ مالية ربع سنوية «كل 3 أشهر» بعد متابعة الأعمال التي تم تنفيذها بالموقع، وكانت الأمور تسير بصورة طيبة ومن دون معوقات، وتم إنشاء المركز العلمي لمنطقة آثار شمال سيناء، ويعد باكورة المشروع القومي لتنمية سيناء الذي أقره مجلس الوزراء في عام 1994، حيث قام المركز بدورات تدريبية في مختلف التخصصات للعاملين بالآثار، وكانت من ضمن أعماله تطوير مدينة بيلوزيوم التي تضم العديد من الآثار الثقافية مثل مسرح بيلوزيوم، والآثار العسكرية المتمثلة في قلعة بيلوزيوم، والآثار الاجتماعية المتمثلة في حمام بيلوزيوم الشمالي والجنوبي، والآثار الرياضية المتمثلة في حلبة مصارعة بالمدينة.
مسرح روماني وأضاف سمبل، أن المسرح الروماني بالمدينة تعرض لاعتداء «إسرائيلي» غاشم خلال احتلال شبه جزيرة سيناء، حيث تم استخدام المدينة كموقع عسكري لجيش الاحتلال لطبيعتها الطبوغرافية المرتفعة كنقطة استطلاع، بجانب استخدام العدو الجرافات في تحطيم العديد من عناصر المسرح المعمارية واستخدام مواد البناء لتمهيد وتعبيد الطرق لدباباته وآلياته العسكرية.
وأشار سمبل إلى أن بعثة الترميم للمسرح الروماني، قامت بالبحث عن أساسات العناصر المدمرة، حيث وجد القليل منها، وباستخدام إحدى وسائل التوثيق التي قامت بها البعثة البولندية التي قامت بحفائر بالمنطقة، بجانب استخدام نوع من الترميم يسمى «الترميم المشابه» مستخدمين أحد المسارح الليبية التي تنتمي لنفس عصر المسرح بيلوزيوم، في محاكاته، والبدء في ترميمه منذ عام 2001 وحتي تاريخه، حيث قطعت البعثة شوطاً طويلاً في عملية الترميم المستهدف من عمليات الترميم والحفائر التي تقوم بها بعثة الترميم للحفاظ على الآثار والاستثمار المادي بوضع مزارات جديدة على خريطة السياحة الداخلية والخارجية، ما يكون له مردود وعائد اقتصادي كبير على الدخل القومي.
بدأت الحفائر بمنطقة آثار الفرما منذ عام 1981، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، حيث تم الكشف عن حصن المدينة وهو عبارة عن مساحة مستطيلة تساوي 20 فداناً، مدعمة بستة وثلاثين برجاً ولها أربع بوابات، البوابة الشمالية بوابة البحر، والشرقية بوابة الشام، والجنوبية بوابة مصر، والعربية بوابة تنيس، كما تم الكشف عن كنيسة الفرما الغربية، وهي فريدة من حيث التخطيط الدائري، وتم الكشف عن كنيسة الفرما الجنوبية الشرقية، وهي فريدة في تخطيطها على الطراز البيزنطي، كما تم اكتشاف حمام من العصر العباسي ملحق بالكنيسة السابقة، بجانب اكتشاف مسرح وحمام وصهاريج لحفظ المياه، وجسر لنقل المياه وجميعها من العصر اليوناني- الروماني والبيزنطي، ويقول الدكتور عبدالله علي سكر، رئيس بعثة الترميم بالفرما: إن البعثة تقوم بعملية تكحيل للطبقة الخارجية للأسوار الخارجية للقلعة، وأن المواد المستخدمة في التكحيل والبناء مطابقة للشكل الموجود، وللمواد الأثرية، وهي عبارة عن جير ورمل وبودرة طوب أحمر أو بودرة حريق الأفران، بعد عمل الدراسات والتحاليل لتلك المواد الأثرية بالمكان.