تكتسب جزيرة فيلة أهمية تاريخية كبرى، ليس فقط بما كانت تضمه من آثار ومعابد تجسد مختلف العصور التاريخية، وإنما لموقعها الاستراتيجي الكبير، حيث كانت هذه الجزيرة هي البوابة الرئيسية لمصر من ناحية الجنوب، وهو ما يبدو واضحاً من التسمية المصرية القديمة لها «بيلاخ»، وتعني بالفرعونية القديمة الحد أو النهاية.
يرجع تاريخ إنشاء معابد فيلة إلى القرن الرابع قبل الميلاد، حيث أنشئ هذا المعبد العتيق في بادئ الأمر، لعبادة الآلهة «إيزيس»، وهو ما أكسب الجزيرة التي أقيم عليها المعبد مكانة خاصة على مر الزمان، حيث ظل المصريون القدماء ينظرون إلى الجزيرة التي تروي العديد من البرديات القديمة، أن إيزيس وجدت قلب زوجها أوزوريس على ترابها، بعد رحلة شاقة جمعت خلالها أشلاءه، باعتبارها جزيرة مقدسة.
وقد ظلت معابد فيلة قابعة على سطح تلك الجزيرة لقرون، قبل أن تمتد إليها مياه النهر بعد إنشاء سد أسوان القديم في العام 1902، وقد كان بناء هذا السد سبباً في أن غمرت مياه النهر الجزيرة بكاملها، لمدة كانت تصل إلى نحو ستة أشهر في كل عام، لكن الأمور سرعان ما تدهورت بشدة في أعقاب بناء السد العالي، إذ تسبب السد في ارتفاع كبير لمنسوب المياه في بحيرة ناصر، ما جعل الجزيرة وما عليها من آثار مهددة بالغرق.
مشكلة ملحة
طرحت الحكومة المصرية في الستينات مشكلة جزيرة فيلة، باعتبارها مشكلة ملُحة، وقدمت إلى هيئة اليونيسكو خطة محكمة لنقل آثار الجزيرة كاملة إلى جزيرة إجيليكا القريبة، وهي واحدة من الجزر النيلية القريبة من جزيرة فيلة، حيث لا تبعد عنها إلا مسافة خمسمئة متر تقريباً، وفي العام 1962، بدأت بالفعل عملية إنقاذ معابد فيلة، ونجحت فرق متخصصة في تثبيت أول لوح فولاذي من بين ثلاثة آلاف لوح في قاع النيل، بهدف تكوين سد مؤقت لحجز المياه حول الجزيرة، وقد استغرق الأمر عامين أحيطت خلالهما جزيرة فيلة بصفين من الخوازيق المتشابكة، بطول 12 متراً، حيث تم صب خليط من الماء والرمل المغسول في تلك الفراغات، وسمح للماء بالتسرب تاركاً الرمل ليدعم الفولاذ ضد ضغط البحيرة، وهكذا اكتمل حزام النجاة حول الجزيرة المقدسة.
كانت جزيرة فيلة تضم إلى جانب معبد إيزيس، مجموعة من المعابد الصغيرة الأخرى التي يرجع تاريخ بعضها إلى العصور البطلمية والرومانية، ويعد «مضجع فرعون»، أو «كشك تراجان»، من أهم الآثار الرومانية التي كانت قائمة على الجزيرة، ويقول الأثريون إن هذا الأثر يرجع تاريخ بنائه إلى عصر الملك تراجان الحاكم الروماني لمصر، خلال تلك الفترة، وإلى جانب معبد إيزيس أقيمت معابد أخرى فوق الجزيرة، من أهمها التي يرجع تاريخها إلى عهد الملك تحتمس الثالث، إلى جانب المعبد الذي شيده «بطليموس فيلادلف» في القرن الثالث قبل الميلاد.
وينتصب معبد فيلة حالياً على جزيرة «إجيليكا»، وهو عبارة عن فناء خارجي تحده صفوف من الأعمدة على الجانبين، ويفضي هذا الفناء إلى مدخل المعبد، حيث أبراج الصرح الأول، ويضم الفناء المركزي لمعبد «إيزيس» مبنى «الماميزي»، أو ما يطلق عليه الأثريون «بيت الولادة»، وهو المكان الذي كانت تُجرى فيه قديماً طقوس الاحتفال بميلاد الإله، وكان الملوك يحرصون على الاشتراك في هذه الطقوس، تأكيداً لانتمائهم لسلالة هذا الإله، وتدعيماً لقبضتهم على البلاد.
ويقود الصرح الثاني للمعبد إلى دهليز يفضي إلى الحرم الداخلي المقدس ل «إيزيس»، ويفضي هذا الحرم إلى سلم بالناحية الغربية، ينتهي إلى حجرات «أوزوريس»، وهي مجموعة من الغرف الصغيرة المزينة بمشاهد تجسد النادبين على مقتل الإله، ونقوش ل «إيزيس» وزوجها وابنهما وآلهة أخرى.
إيزيس أضخم الآثار
يعد معبد إيزيس واحداً من أضخم وأهم الآثار ضمن مجموعة المعابد التي شيدت فوق جزيرة فيلة المقدسة، ويشغل المعبد حالياً ربع مساحة جزيرة إجيليكا، وتجاوره على بعد أمتار مقصورة «نختنبو الأول»، واثنان من صفوف الأعمدة التي يرجع تاريخ إنشائها إلى العصر الروماني.
وتضم الجزيرة مجموعة صغيرة من المعابد اليونانية والرومانية، فضلاً عن معبد إمحوتب الذي يرجع تاريخه إلى العصر البطلمي، إلى جانب معبد حتحور ومقصورة تراجان، وهو ذلك المبنى الذي أقامه الإمبراطور تراجان لعبادة إيزيس.
ويتكون مبنى تراجان من غرفة مستطيلة، يحيط بها أربعة عشر من الأعمدة ذات التيجان المزخرفة بنقوش من الزهور والنباتات، فيما تتخذ تيجان هذه الأعمدة شكل رأس الإله حتحور، وتمتلئ جدران الغرفة بالعديد من النقوش، يظهر فيها الإمبراطور وهو يحرق البخور للإله إيزيس، ويقدم النبيذ للإله حتحور، وللمبنى بابان أحدهما في الناحية الغربية، والآخر في الناحية الشرقية، فضلاً عن باب صغير في الشمال.