«اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم».
هذه الآيات الكريمات، التي أجمع معظم المفسرين على أنها أول ما نزل على رسول الله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، نزل بها الملاك جبريل عليه السلام، فيهن أول آية، وأول كلمة، وأول أمر، وأول تكليف قبل أي تكليف.
كلمة «اقرأ»، وهي مفتتح الرسالة الخاتمة، كأنها تضع للإنسانية كلها الأساس المتين لدستور حياتها على الأرض في أول سور القرآن، التي جاء موضوعها الأساسي ليؤكد أن هذه الرسالة رسالة العلم والتعلم، وهذا الدين الذي أنزل على النبي الأمي نزل ليمحو الله به أمية الإنسان، سواء كانت أمية دينية أم أمية دنيوية: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
تسميات كثيرة
السورة كلها تسمى «سورة اقرأ»، رغم أنها سميت في المصاحف ومعظم التفاسير ب «سورة العلق» لوقوع لفظ «العلق» في أوائلها، وكذلك سميت في بعض كتب التفسير، إلا أنها تستحق عن جدارة واستحقاق اسم «سورة اقرأ»، وقد اشتهرت تسميتها في عهد الصحابة والتابعين باسم «سورة اقرأ باسم ربك»، وروي في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها: «أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك»، فأخبرت عن السورة ب «اقرأ باسم ربك»، وروي ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي رجاء العطاردي ومجاهد، والزهري، وبذلك عنونها الترمذي، وعنونها البخاري: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، وسماها الكواشي في التخليص «سورة اقرأ والعلق»، وعنونها ابن عطية وأبو بكر بن العربي «سورة القلم»، وهذا اسم سميت به «سورة ن والقلم»، ولكن الذين جعلوا اسم هذه السورة (سورة القلم) يسمون الأخرى «سورة ن».
ولسنا بحاجة للقول بأنها سورة مكية باتفاق، فهي أول السور، وأول ما نزل من القرآن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة الواضحة، ونزل أولها بغار «حراء» على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مجاور فيه في رمضان ليلة سبع عشرة منه من سنة أربعين بعد عام الفيل.
نزول جبريل
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في هذا الغار على رأس الجبل، يرى مكة ويشاهد من على البعد الكعبة، فلما جاء أوان بعثته جاءه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآيات، وفي الحديث الصحيح الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه (وهو التعبد) الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء؛ فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم).
أولاً قال: اقرأ، وثانياً قال: باسم ربك، ثم قدم وصفاً للرب قال: «الذي خلق»، فوصف نفسه بأخص أوصاف الألوهية، وهي «الخلق» الذي اختص به ولا أحد غيره يستطيع أن يخلق، والخالق هو الذي يستحق أن يعبد، وهو القائل: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) (النحل:17).
«الذي خلق»، وهي هنا على العموم، أي خلق كل مخلوق، ثم قال: «خلق الإنسان»، على الخصوص، وهو المنزل إليه القرآن، وهو المأمور بحمل أمانة القرآن وتنفيذ منهجه، وعاد يؤكد الأمر الأول: (اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم).
دموع أم أيمن
الصحابية الجليلة أم أيمن وعت هذه الحقيقة القرآنية الكبرى، وهي التي كانت مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحاضنته، ورثها عن أبيه عبد الله، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى «أم أيمن» نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء»، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.
انظر إلى عمق إدراك تلك الصحابية الجليلة، لقيمة العلم الذي كان يأتيهم من السماء، وإلى فهمها لمهمة العلم ودوره، فهي لم تبكِ وفاة حبيبها النبي صلى الله عليه وسلم، الذي انتقل إلى جوار ربه، ولكنها تبكي انقطاع الوحي من السماء. بين اللقطتين لقطة نزول جبريل عليه السلام وبدء الوحي بالفعل «اقرأ»، ثم لقطة بكاء أم أيمن وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، رضي الله عنهم أجمعين، لانقطاع الوحي وتوقف نهر العلم من السماء، فإن البكاء بهذا المعنى لا ينقطع إلى آخر الدنيا.