العين: منى البدوي

أكد اختصاصيون في مجال التربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، أهمية «التسامح» في معالجة سلوكيات ومظاهر العنف بمختلف أنواعها، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، أو عمدية أو لفظية أو غير لفظية، وضرورة تفعيل مبادرات مدروسة خاصة في عام التسامح لمواجهة واحدة من أخطر المظاهر الموجودة في كافة المجتمعات الإنسانية، والتي قد تبدأ من محيط الأسرة، ينقلها الفرد إلى البيئة المدرسية ثم المجتمع، مشيرين إلى أن السلوكيات التي تتصف بالعنف تعتبر حالة مرضية يمكن علاجها إذا ما تكاتفت جميع الأطراف بالمجتمع.
وتسهم المبادرات التي تدعم تعزيز قيم وثقافة التسامح في نفوس جميع أفراد المجتمع، وترسيخ قيمه ضمن منظومة السلوكيات التي يمارسها الفرد بفعل تنشئته، في تلافي مظاهر العنف بمختلف أشكاله وأنواعه ومحيطه، موضحين أن الدراسات العلمية توكد أن المجتمعات المتسامحة هي الأقل عنفاً وأكثر سعادة وأمناً، حيث إن الآثار السلبية للعنف لا تقف عند حد الفرد الذي تعرض للعنف فقط، بل قد تتحول إلى سلوك يتشعب في المجتمعات ليهدد كيانها.
الحفاظ على أمن الوطن
أكدت الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، رئيسة مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية التعليمية، أهمية تعزيز الوعي الثقافي بدور النظام الصحي النفسي لدى أفراد المجتمع، وتحفيز الاستجابة الوطنية لتنفيذ البرامج التوعوية للوقاية من ظاهرة العنف، حماية للأجيال وحفاظاً على أمن الوطن ومقدراته، والتصدي للعواقب السلبية الأخرى الناجمة عن العنف بين الأفراد، سواء في محيط الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، من خلال توفير برامج تثقيفية شاملة، متسمة بالجودة وتيسير إتاحة الخدمات المتعددة لبقية قطاعات المجتمع في إطار المشاركة من خلال المسؤولية المجتمعية المشتركة.
وأشارت إلى المبادرة الوطنية التثقيفية الوقائية التي تعتبر الأولى من نوعها على مستوى الدولة والتي أطلقتها مؤخراً بعنوان «ثقافة اللاعنف» تحت شعار «جيل متسامح، وطن آمن» والتي تهدف إلى ترسيخ مفهوم الانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية وتعزيز ثقافة التسامح واللاعنف بالمجتمع وتمتين التربية الأخلاقية، بالإضافة إلى تمكين الأسرة والطفل والمرأة والشباب من ممارسة ثقافة اللاعنف.
وضع خطط مواجهته
وأشارت إلى آليات تنفيذ المبادرة، والتي تتمثل بمسح أولي عن طريق استبانة لطلبة الثانوية والجامعات لتحديد أسباب ودوافع العنف، ووضع خطط توعوية عبر التوجيه الفردي والجماعي، والتواصل مع مراكز الدعم الاجتماعي والشرطة المجتمعية والاختصاصيين النفسيين والأطباء ومراكز الأحداث كشركاء في تنفيذ المبادرة، بالإضافة إلى توفير مدربين محترفين لتقديم محاضرات توعوية وورش تثقيفية بالسلوكيات الإيجابية، وإقامة معسكرات للشباب لصرف طاقتهم السلبية، مع الأخذ في الاعتبار تعزيز مشاعر الحب والولاء والانتماء للوطن والقيادة الرشيدة، حفظها الله، وغرس شعار «من أجل الإمارات» في نفوسهم وتعزيز قيم التسامح والإيجابية والسعادة لديهم.

العنف سلوك مكتسب

وقال الدكتور مستور حماد ارحيم أستاذ علم الاجتماع المشارك في كلية التربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية - قسم العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا: العنف هو سلوك عمدي موجّه نحو هدف، سواء لفظي أو غير لفظي، مصحوب بتعبيرات تهديدية، وله أساس غريزي حسب نظرية التحليل النفسي، مؤكداً أنه سلوك يُكتسب، والأسرة هي أول نواة يتلقى فيها الطفل التنشئة الاجتماعية، وكل ما يحدث أمامه إنما هو مجرد سلوك سوف يتكرر في تصرفات وأفعال هؤلاء الأطفال، وهو ما ينطبق أيضاً على المدرسة باعتبارها المحطة الثانية التي ينتقل إليها الطفل بعد الأسرة.
وأكد أهمية تعزيز قيم التسامح في جميع أفراد المجتمع، حيث إن التسامح سلوك مُغاير تماماً للعنف، ويمكن أن نوصل مفهوم التسامح وقيمه لطلبة المدارس عن طريق مظاهر حية تتجسد في دراستهم وحياتهم الاجتماعية، وذلك عن طريق البرامج التوعوية التلقائية، لافتاً إلى أن تنشئة الطفل أو الفرد بشكل عام على قيم التسامح وغرسها فيه تساهم بشكل كبير في تشكيل شخصيته وإثرائها بالقيم السامية للتسامح، ومنها التعايش السلمي وقبول الآخر، والتجاوز عن أخطاء الآخرين، ومقابلة الإساءة بالإحسان والعفو وحب الخير.
وعن إمكانية معالجة السلوكيات التي تتصف بالعنف قال: ليس من السهل تجنب هذه المساوئ السيئة وسلبيات العنف التي تقضي على وشائج الترابط الأسري والاجتماعي، فينبغي التركيز على عملية التربية الموجهة والمتمثلة في المدارس ومحاولة تدريس التلاميذ بطريقة تلقائية عن طريق القصص والروايات والألعاب أيضاً ومراقبة الأطفال فيما يتعلق بالألعاب الإلكترونية، والوعظ والإرشاد الديني لحماية المجتمع من مشاكل العنف.

تحسين العلاقات الاجتماعية

الدكتورة سلوى المجالي أستاذ مساعد في كلية التربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية - تخصص الإرشاد النفسي والتربوي بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا تقول: معظم الدراسات العلمية أشارت إلى أن البيئات التي تتسم بالتسامح هي الأقل عنفاً، وهذا تأكيد علمي على أن نشر ثقافة التسامح يحسن العلاقات الاجتماعية ويزيد من مظاهر السعادة والشعور بالرضا والإقبال على الحياة، وبالتالي يقلل من مظاهر العنف خاصة في مؤسسات التعليم.
وأشارت إلى تأثير العنف السلبي، سواء كان ضمن نطاق الأسرة أو المدرسة أو المجتمع والتي من أبرزها التعرض للألم الجسدي والنفسي والذي قد يكون السبب الحقيقي وراء الإصابة بالعقد النفسية التي قد تتطور وتتفاقم إلى حالات مرضية كالاكتئاب والقلق وضعف الشخصية وغيرها، كما أن الأطفال الذين عاشوا في بيئة أسرية يملؤها العنف هم أكثر عرضة لتعاطي المخدرات في المستقبل، وكل ذلك يؤدي إلى التقليل من مستوى الإنتاجية العامة في المجتمع.