الشارقة: أمل سرور
«جدتي قولي لنا خروفة»، عبارة ترددت على مسامع أجيال عديدة عاشت على أرض وفي بيوت الإمارات.
صوت الجدة يأتي هامساً خافتاً هادئاً، وأعين الصغار تحاول جاهدة ألا تغلق جفونها، فشغف الإنصات لتفاصيل الخروفة أقوى من الاستسلام للنوم.
تبدأ ب«كان يا مكان في قديم الزمان»، لتحلق بخيال الأطفال في سماء حكايات وأساطير تظل محفورة في الأذهان مهما طال الزمان أم قصر.
و«الخراريف» مفردها «خروفة»، وأصلها «خرافة»، وتعني الحكايات الشعبية، وهي قصص خيالية، كانت الجدات يروينها في الماضي للأطفال. وكانت غالباً ما تدور حول شخصيات أسطورية وفي عوالم يمتزج فيها الواقع مع الخيال. بل إنها تعد جزءاً مهماً من التراث المعنوي والثقافة الشعبية للأهل في الإمارات، وتمثل مصدر إلهام لكثير من الأعمال الأدبية والفنية في المجتمع الإماراتي حالياً.
ارتبطت «الخروفة» بالبيئة الجغرافية، فاتسمت حكايات البدو من أهل الصحراء بارتباطها بالبيئة الصحراوية ومناخها وشكل الحياة فيها، وكانت تدور حول موضوعات مثل الكرم، والفروسية والغزو وغيرها. أما حكايات أهل القرى فكانت تتناول أحوال الناس البسطاء ومعاناتهم من أجل الحصول على قوتهم والتطلُّع إلى الغنى عن طريق «عفريت من الجن»، أو العثور على«كنز مرصود»، وقصص السحر والشعوذة، وكذلك الكرم والمروءة. بينما تدور حكايات أهل المدن حول التجّار ومغامراتهم ومغامرات أبنائهم، وقصص الجواري والخدم، وقصص الغرام التي تحدث بين أبناء الطبقات الغنية والفقيرة، وما يصاحب ذلك من مشكلات تفرضها الفروق الاجتماعية.
لذا اعتبرت «الخراريف» ضلعاً مهماً من أضلاع الموروث الشعبي الإماراتي القديم، وكانت تستخدمها الجدات لشغل أوقات الفراغ لدى الأطفال، إما لترغيبهم في النوم باكراً إذا ما تم سرد قصة على مسامعهم، وإما لتنمية مهارات الخطابة والاستماع لديهم، وأحياناً لتجنب إزعاجهم داخل المنزل.
ولم يقتصر دور «الخراريف»على تلك الأدوار فحسب، بل كانت أيضاً وسيلة من وسائل التعليم والتثقيف حين غابت المدرسة، وندر المتعلمون، خصوصاً قبل قيام الاتحاد، ووجد المجتمع فيها وسيلة سهلة ومفهومة يستطيع من خلالها أن ينقل ما يريد من الفكر إلى كل أفراد المجتمع، لاسيما الصغار، بلغة بسيطة وطريقة تنسجم مع فكر وذوق الجميع، فكانت ومازالت ثقافة موروثة بسيطة كانت تتناقلها الألسن شفاهاً، فكثير ما كانت الحكايات الشعبية تدور حول بطل يتسم بالشجاعة والنخوة والكرم ويسعى بكل جهده لإغاثة الملهوف ونصرة القبيلة ورفع الظلم عن المظلوم، وهي كلها قيم وصفات مهمة في الشخصية الإماراتية كان الآباء يتوارثونها عن الأجداد ويحرصون على نقلها إلى الأبناء. كما كانت تقدم للأطفال معلومات عن العالم والناس والعادات والتقاليد التي تختلف من منطقة لأخرى، والتعرف إلى السلوك الإنساني في المواقف المختلفة، وكيف يمكن أن يكون الإنسان واسع الحيلة ويتصف بالحكمة والشجاعة في الوقت نفسه. وكثيراً ما كانت الجدة في أغلب الأحوال، تتوقف فجأة في وسط الحكاية لتسأل الأطفال عن كيف يمكن أن يتصرف البطل في الموقف الذي يتعرض له، لتنمي لديهم القدرة على اتخاذ القرار وتتأكد من جدية متابعتهم لما ترويه، كذلك كانت تحرص على أن تتوقف عند نقطة معينة تتسم فيها الأحداث بالإثارة، لتخبرهم أن عليهم الانصراف للنوم على أن تكمل لهم الحكاية في اليوم التالي، وهو ما يدفع الأطفال إلى التفكير في كيفية سير الأحداث في الجزء المتبقي من الحكاية ووضع سيناريوهات لها.
وبالرغم من مرور الزمن وظهور الأجهزة الحديثة والإلكترونية التي سيطرت على اهتمامات الصغار قبل الكبار، بما تقدمه لهم من مواد مغرية مثل الألعاب التفاعلية ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب الفضائيات وما تعرضه من المسلسلات والأغاني المصورة والمواد الكرتونية والأفلام، وغيرها من مواد تمتلك مقومات جذب تفوق ما تمتلكه الحكايات الشعبية، فإن «الخروفة» مازالت تحتفظ بمكانتها وقيمتها التراثية، بل إن كثيراً من الأمهات الإماراتيات يجدن فيها وسيلة جيدة وتفاعلية لجذب وتعليم وتسلية أطفالهن بعيداً عن عوالم الشبكات العنكبوتية.