نواكشوط المختار السالم:

يعتبر «الخريف»، ويطلق في موريتانيا على «فصل الربيع»، الذي يبدأ في يوليو/‏‏‏ تموز، أروع فصول السنة هناك بلا منازع، ففيه تتساقط الأمطار وتتحول الصحراء إلى جنة ساحرة خضراء وغدران صافية كأنها مرايا يتجمل الأفق بالنظر فيها. إنه الفصل الذي يكتبُ وصفاته الخاصة للعيون لمشهدية أسطورية تخلب الألباب على شكل تلال ووهاد وروابٍ وجبال وأودية ومسطات خضراء.

وكتب الكثيرون شعراً ونثراً عن «فصل الخريف» في موريتانيا، سواء تعلق الأمر بفائض ثروته من لحوم أو ألبان، أو ثروته الجمالية حين تكون الطبيعة في أعلى دورات الكمال البيئي.
على مرّ القرون أنتج الموريتانيون أشعاراً وتقاليد تخلد هذا الفصل الذي يرمز لتوأم الوفرة والجمال، عندما يتعلق الأمرُ بكنوز من آلاف المرويات التي لم توثق بعد، يثير ذلك قلق المهتمين بتراث مجتمع الفضاء الصحراوي.
في هذا التحقيق، نسلّطُ الضوء على أحد كنوز فصل الخريف في موريتانيا، كنز لم ينضب بعد، لكنه يكاد يفقدُ الكُثير من طقوسه وتقاليده ومروياته.

«حمّو».. دليل «السياقة المثقفة» في الصحراء.. إنه ليس مجرد سائق عادي.. إنه يستخدم سيارته لنقل زبائنه إلى حيثُ يتوفر لهم «لبن الخريف» في أفضل الأجواء.

قبل أنْ نترك للسائق «حمُّو» الفرصة لعرض مهاراته فيما يسميه «السياقة المثقفة»، يجب التذكير بأن موريتانيا تملك ثروة حيوانية تقدر ب 20 مليون رأس من الماشية، تنتج كميات هائلة من الألبان في فصل الخريف، لكن أغلبها يتم هدره بسبب بعد مناطق الرعي عن المدن، ومناطق تجمع السكان، وعدم وجود مصانع كافية لاستيعاب «الذهب الأبيض».
يقول الكاتب الموريتاني الشهير محمد فال ولد عبداللطيف: «هذه مواشينا تدر في فصل الخريف وغيره من خالص اللبن الأبيض، كميات تضيق عنها الملابن والمحاقن، فيكون مآلها إلى أن تراق على الأرض، أما اللبن فإننا نضيعه في الخريف، ونحتاج إليه في الصيف، أفي ذلك شك: إننا ننتج منه سنويا ما يكفينا ويكفي الدول المجاورة لنا والدول المجاورة لها؟ ولكننا ما زلنا ضالين عن الصيغة التي يمكن أن نختزن بها هذا الذهب الأبيض لأيام الضراء».

وهكذا فرغم العشرين مليون رأس من الماشية، فإنه من الغريب أن موريتانيا تبقى مستوردة للألبان الصناعية، وكان يمكن أن تكون المنتج الأول لها في المنطقة.

أين يهدر فائض ألبان الخريف، نعود لولد عبد اللطيف الذي يصف ذلك بقوله: «في بعض ولاياتنا الداخلية يكون للرجل الواحد تسعة وتسعون ضائنة تتبعها حملانها لا يأخذ من لبنها نُغبة واحدة، وإنما يتركها لبناتها لا تفطم حتى تلد أمهاتها الجيل الجديد، أما البقر فلا تسأل عن البقر، يفيض لبنه زمن الخريف، حتى أنه لتحفر له الأخاديد في الأرض لقلة من له فيه حاجة».
ورغم أن أغلب ملاك الماشية في موسم الخريف، يسكبون اللبن في التراب للتخلص منه بعد أن يحلبوه لكي لا يسبب الضرر لضروع الماشية، أو يتركون الدواب من دون حلبها لعدم الحاجة إلى ألبانها وانعدام طريقة للاستفادة منها، فإن الحصول على «لبن الخريف» وشربه يعدّ بالنسبة للسكان القاطنين حلما رفاهية لا يضاهيه أي شيء، بل إنه وسيلة علاج لتجديد الشباب والتخلص من الأمراض المزمنة، لكن لا بد من الرحيل إلى هذا اللبن، ولا بدّ من مصاريف باهظة في أغلب الأحيان.
«حمو» يقدر عدد الموريتانيين الذين يحجون إلى «لبن الخريف» بمليون شخص كل عام، تختلف مدة هذا «الحج» و«طقوسه» بحسب الجهات والتقاليد من جهة، وبحسب مشاغل «شرابة اللبن»، كما يسمى هنا: صيادو «لبن الخريف».
يروي «حمّو» قصصا طريفة عن «شرابة لبن الخريف»، خاصة عندما تقل الكميات ويكثر الطلب في بعض المواسم التي يندر فيها الخصب، أو تتغير مهام بعضهم من تتبع «لبن الخريف» إلى تتبع مها البدو الرحل.

مجلدات الإحاطة

وفق «حموّ»، لا تمكن الإحاطة بموضوعي «شرابة اللبن» و«لبن الخريف» إلا في مجلدات، ولهذا فسنركز هنا على طقوس شرب «لبن الخريف»، تلك الطقوس التي تحفل بالكثير من الغرائبية بالنسبة للذين لا يعرفون حياة عرب الصحراء.

ليس كل لبن يحلب في فصل الخريف هو «لبن الخريف»، بمعنى أن «لبن الخريف» مصطلح لم يحدد بعد، لكنه مرتبط بسلوكياته وبمواقيت وعادات وقيم.
لنتكل على الله، ونترك الأمر بيد «حمّو» يحدثنا، وهو يعبر بنا تلال «أتويرجه»، 125 كلم جنوب شرق نواكشوط، عن فوائد «لبن الخريف»، وكأننا نسمع عنها لأول مرة.. يحاول «حموّ» الوصول قبل الغروب إلى ماشية «أهل سيدي عبدالله»، فإذا غابت الشمس قبل تبين الطريق إلى خيام «أهل سيدي عبدالله» فمن شبه المستحيل الاهتداء في هذه الأرض التي يقول «حمّو» إن لها خؤولة من الجنّ، فالوهاد تتشابه هنا في الليلة، فلا يمكنك تمييز أي شيء، وسرعان ما تفقد القدرة على تحديد الاتجاه.
لماذا يختار «حمّو» ماشية «أهل سيدي عبد الله»؟ يجيب الرجلُ العارف ببدو المنطقة «لأن صاحب هذه الماشية لا يستخدم الأدوية البيطرية، لبنه صحي وخال من الأدوية، ماشيته متوارثة وفق سلالات قديمة، ولبنها مبارك وشاف من كل الأمراض، ستجدون عنده العشرات من الباحثين عن لبن الخريف،إنه يمنح اللبن بالمجان، ولديه قطعان كبيرة قادرة على تلبية حاجة ضيوفه، ثم إنه يختار البقاء بعيدا عن المدن والطرق المعبدة، ويختار لماشيته الكلأ في الخلاء حيث لا تلوث».
يبتسم «حمّو» حين يشاهد الميسم الذي يميّز قطيع الإبل الذي نمر قربه، يقول: «إنهم هناك».. وعلى إحدى الربوات جنوب بلدة «أتويرجه»، تتوقف بنا السيارة بين خيام «أهل سيدي عبدالله»، حيث «الزريق» والشاي وابتسامات البدو في انتظار كل الضيوف.

يحتفل الشفق بوداع أسطوري للغروب، فيما تقترب قطعان الإبل والبقر والغنم محدثة جلبة أصوات أو سيمفونية هي الأحلى في أذن البدويّ.. هنا نبدأ طقسنا الخاص مع «لبن الخريف». كان قد سبق ذلك جلسة استعلامات سريعة تعرف خلالها مضيفنا على هويتنا ومرادنا.. «لا نعاني من أي أمراض.. تريدُ الصحافة زيادة صحة النفس». هكذا يعلن «حمّو» وهو يبتسمُ لكبير أهل سيد عبد الله.. تعارف الرجلان منذ زمن بعيد.

لبن الحجرة

قبل صلاة المغرب قدمت إلينا «تاديت» (محلاب) مملوء باللبن الساخن.. البدو هنا يسخنون هذا اللبن بطريقتين: الأولى تستخدم في الوقت البارد حيث يضعون صخرة أغرانيتية على الجمر حتى تسخن، ثم يضعونها في المحلاب ويحلبون عليها، ويجب أن يتم تناول ذلك الحليب فورا قبل أن يبرد، ويسمى «لبن الحجرة»، يستخدم ذلك لعلاج كل أمراض البرد والروماتيزم والصدر والحمى وهشاشة العظام والضعف العام.

الطريقة الثانية هي حلب اللبن بسرعة فائقة وبحيث يخرج بكامل الحرارة التي كان عليها داخل الضرع.
«حمّو» لا يخطئ مطلقاً عكس مراصد الطقس بالصحراء، في تمييز حرارة أو برودة طبيعة شخص ما.. «يمكنكم شرب ما تشاؤون.. لكن «لبن النوق المعاليل» هو الأفضل بالنسبة لكم»، يرى «حموّ» أن أقل ما يجب أن يشربه الشخص الواحد هو أربعة ليترات من الحليب خلال الليل، وليترين عند الفجر، وليترين عند الضحى، تكاد هذه الحصة تتطلب مفاوضات شاقة لو كانت في اجتماع أوبك.
يجب أن لا يقلق المرء بشأن احتساء كميات كبيرة من «لبن الخريف».. البدو يدلونك على الطريقة الأمثل.. «إشرب مقدار كوب من الحليب كل ربع ساعة..»، بهذه الطريقة يمكنك تفريغ بحيرة لبن في جوفك، خاصة عندما تكون تحت خيام البدو الرحل، في ليال مقمرة، ويبدأ القوم حكاياتهم مع العيش والزمن والشعر.. «إن حديث الموريتانيين لا يمكن أن يخلو من الشعر».
يقسم «حمّو» أن الناقة «أم ردفة» ذات أصول تعود إلى إبل نجد، وأنها أجمل من النوق البيض التي ساقها عنترة مهراً لعبلة، «حمّو» بذلك يرضي غرور «سيدي عبدالله»، الذي يؤكد أن إبله متوارثة منذ 400 سنة.
على كل حال لم تكن جدات «أم رفدة» تحتاج تأشيرة قبل 400 سنة، يعلق أستاذ التاريخ بجامعة نواكشوط، وهو من بين «شرابة لبن الخريف» في حي «أهل سيدي عبدالله» هذه الليلة.
نتيجة الجو النقي المنعش برائحة الأعشاب العطرية، تكفي المرء مجرد ساعات من النوم، وفي الصباح الباكر، يحدث ما توقعه «حمّو»، إن الجميع جياع، ومستعدون لاحتساء كل ما يقدم لهم.
في الساعة العاشرة صباحاً يجب على «شرابة لبن الخريف» أن يتمشوا على آثار قطيع الإبل، بضع كيلومترات، ونعثر على القطيع في منظر مدهش للخضرة، هنا يحلب الرعاة لنشرب ما يعرف ب «لبن المُحيْنات» يجب أن تشربه في ظل شجرة حتى لا تغلي دماؤك، وعند الارتواء من «لبن المحيْنات» يجب التمدد ساعة تحت ظلال الأشجار الوارفة، وبعد ذلك حين تعود للمخيم ستجد النساء قد جهزن وجبة هي عبارة عن خروف مطبوخ من دون أي توابل، أو مشوي على الرمل، ومن شروط هذا الخروف، أن لا يكون قد أكل العشب بعد، أي أن جسمه تربى بغذاء وحيد هو اللبن، ولحم هذا النوع من الحملان يشبه الزبدة في لينه وطراوته، وعند الانتهاء منه يشعر المرء بالحاجة إلى المصارعة.

التفتيشة

لا يهم من أي مادة تغدى «شرابة اللبن»، ففي المساء سيحتسون مزيجاً من اللبن الرائب والماء والسكر يسمى «التفتيشية»، والمهم أن يستعدوا لدورة جديدة مع «لبن الخريف»، فقد اقترب الغروب، وبدأت النساء تجهيز أواني الحليب، وإشعال النيران لاستخراج الفحم من أجل الطبيخ وصنع الشاي.

قد تَكون من بين هؤلاء النساء فتاة مخطوبة جاءت لتقيم هنا عند أقاربها لشرب «لبن الخريف» وتستجم قبل العرس، تلك حكاية أخرى، ف«حمّو» يكشف لنا جانباً لا نعرفه من تقاليد بعض الأسر هنا، وهي أن الفتاة التي تمضي أربعة أشهر لا تشرب غير اللبن «ولا رشفة ماء»، فإنها «تكتسب أعذب طعم وأطيب رائحة طوال شهر العسل أو حتى طوال العمر».

منظومة ثقافية

من ليلة واحدة إلى أسبوع أو أشهر أو سنين، حسب الرغبة والإمكانات، لا يمكن أن ينسى «شرابة اللبن» تجربة «لبن الخريف»، حين يحدقون في ذلك القدح ليلاً، فيعتقدون أن القمر بين يديهم أو أن غيوم السماء صارت على فراشهم، إنه ليس نظاماً غذائياً استجمامياً فحسب، بل منظومة ثقافية ومعيشية واجتماعية وفنية متكاملة.. كيف لا، وفي الآفاق تعلو أصوات الأغاني البدوية على رقصات «بنجه» (الهوسة).. إنها رقصات الموريتانيات التي رسمتها الفنانة الألمانية «أورسولا اسميث» وتعتبرها أفضل رقصة صحراوية تعبر عن الموسيقى الداخلية للجسد.

يجدر بنا هنا «التحذير» بأن من يشرب «لبن الخريف» الموريتاني، بطعمه الفذ، وأجوائه الأسطورية، لا بدّ أن يعود إليه، لكنه سيعود أيضاً إلى أجواء الطبيعة الساحرة والمواشي السارحة والطيور الصادحة والمياه الرقراقة والهواء الجميل، والخيام البدوية، التي تحفظ ألف عام من عهدها للشعر واللبن طبعاً.

«الحلبة الزرقة» و«الغذاء الميت»

إذاً، من الضروري هنا عند هذا التوقيت (غروب الشمس) شرب نحو ليتر من الحليب الساخن، وكل شخص هنا يشرب حسب طبيعة جسمه، فلبن الإبل مفضل للجميع، ولبن النعاج لذوي «الطبيعة الباردة» وأصحاب انخفاض ضغط الدم ونقص الدم والفيتامينات، والقلة تفضل لبن الماعز وخاصة أصحاب «الطبيعة الحارة»، وهم من لا يتحملون الحرارة، والمواد الدسمة.. وإن كان لبن الماعز يزداد أهمية نظراً لكثرة أمراض الضغط والسمنة.

هناك عشرات الاستخدامات لكل أنواع الحليب، وعشرات التركيبات السرية، التي يتقنها البدو بجدارة. فمثلاً هناك «الحلبة الزرقة»، وتطلق على خليط من حليب النعاج والماعز يحلب بشكل فوري ويخلط ليستفاد من سخونته الطبيعية، على أن تكون الحلائب حديثة الولادة.. «الحلبة الزرقة» هي أسرع الحليب إقواء للجسد، ومعالجة للضعف العام والتعب. وفق «شرّابة اللبن».
هناك «حليب اللقحة» و«حليب المعاليل»، و«حليب أم بكر»، وفق عمر الحلوب يكون العلاج أيضاً.

اللبن الحي

بالنسبة لنا، نحن ضيوف «أهل سيدي عبدالله»، يقرر «حمّو» - باسمنا - أن عشاءنا سيقتصر على اللبن، وذلك حتى يسهل على «لبن الخريف» تنظيف دورتنا الدموية والغذائية من «الأغذية الميتة» التي تنتجها المدن.

«هنا ستشربون اللبن الحيّ.. وليس اللبن الميت، المكفن داخل علب قادمة من جوف المصانع».. حتى لغة «حمّو» المكتسبة من هذا الوسط الريفيّ لا تخلو من تميز.

بعد صلاة العشاء يبدأ حلب المواشي، وسط الظلام الدامس يعلو صوت تلك الموسيقا الحليبية الناتجة عن عزف أصابع الحلاب على ضرع الدابة.. لكل حلاب صوت مميز في استحلاب الحليب من الضروع.. «سيد عبدالله» يميّز بسماع أذنه أي رعاته يحلب في هذا الجانب وأيهم في ذاك من القطيع، وخلال دقائق تمتلئ أواني وأوعية اللبن، ويبدأ تقديمه لكل الحضور.

بالمجان

ينقسم «شرابة لبن الخريف» إلى قسمين، أسر بكامل أفرادها ترحل من المدن باتجاه قطعان الماشية في الريف حيت تسكن مع رعاة تلك القطعان، وبالتالي يتوفر لها «لبن الخريف» طوال مقامها بالمجان، أو بثمن غالباً ما يكون إما 500 أوقية (1.5 دولار) لليتر، أو بمبلغ يتم الاتفاق عليه بين ملاك الماشية و«شرابة لبن الخريف»، وعن مدة معينة، مثلاً 70 ألف أوقية للشهر بالنسبة للعائلة.

أما القسم الثاني فهم الأفراد الذين يسافرون وحيدين بحثاً عن «لبن الخريف»، وهؤلاء نظراً لسهولة تحركهم يتخيرون المكان الأنسب، والقطعان الأكثُر شيوعاً من حيث جودة اللبن.
«شرابة لبن الخريف»، مهمتهم شرب أكبر كميات ممكنة من الحليب ليلاً ونهاراً، في هذا الفصل الاستثنائي في البلاد، بالنسبة للرجال الهدف هو الصحة، وبالنسبة للنساء الهدف هو زيادة الوزن، فالمرأة السمينة في موريتانيا هي المرغوبة للزواج.