«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً» (سورة الأحزاب الآيتان 70-71).
إن القول السديد من دعائم الدعاء، وعن ذلك يقول الدكتور مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر: إن القول السديد يشمل الجد لا الهزل، والنصح لا التخلي، وشهادة الحق لا الزور، وألا تأخذه في الله لومة لائم، والعدل والإنصاف، والاختصار ما وجد إليه سبيلا، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا ولكنه كان يتكلم بكلام بين فضل يحفظه من جلس إليه» (رواه الشيخان).
ولقد كانت أحداث غزوة الأحزاب خير دليل على ذلك، ويقول الشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله في كتابه «الرحيق المختوم»: «خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة، يحرضونهم على غزو المدينة، ويوالونهم، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، وكانت قريش قد أخلفت موعدها في الخروج إلى بدر مرة أخرى، فرأت في ذلك إنقاذاً لسمعتها والبر بكلمتها ثم خرج هذا الوفد إلى غَطَفَان، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً فاستجابوا لذلك، ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب، وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عَرَمْرَم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل، جيش ربما يزيد عدده على جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ، ولم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت استخبارات المدينة إلى قيادتها خبر هذا الزحف الخطير».
جوع وحصار
وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري، تناول فيه خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على اقتراح قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الخطة، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعاً، وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم ويشاركهم في الحفر، ففي البخاري عن سهل بن سعد، قال: كنا مع رسول الله في الخندق، وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا عَيشَ إلا عيشُ الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة».
وقال أبو طلحة: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين».
ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة، وجدوا خندقاً عريضاً يحول بينهم وبينها، فالتجؤوا إلى فرض الحصار على المسلمين، بينما لم يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم، إذ كانت هذه الخطة كما قالوا مكيدة ما عرفتها العرب، فلم يدخلوها في حسابهم».
وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن هناك شيء يمنع من أن يضربهم يهود قريظة من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما قال الله تعالى: «وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً» (سورة الأحزاب الآيتان 10 - 11)
نعيم بن مسعود
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غَدْر قريظة، فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض مبشراً يقول: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره»، ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن، ثم إن الله عز وجل صنع أمراً من عنده خذل به الأعداء وهزم جموعهم، وفَلَّ حدهم، كان مما هيأ ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي رضي الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما أنت رجل واحد، فَخذِّلْ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة»، فذهب نعيم من فوره إلى بني قريظة وكان عشيراً لهم في الجاهلية فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت. قال: فإن قريشاً ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: قد أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم؟ قالوا: نعم، قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك، فلما جاءتهم رسل اليهود بذلك قالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى قريظة: إنا والله لا نرسل إليكم أحداً، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم: فتخاذل الفريقان، ودبت الفرقة بين صفوفهم، وخارت عزائمهم.
جند من الريح والملائكة
وكان المسلمون يدعون الله تعالى: «اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا»، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب، فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم».
وقد سمع الله دعاء رسوله والمسلمين، فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين وسرى بينهم التخاذل أرسل الله عليهم جنداً من الريح فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قِدْراً إلا كفأتها، ولا طُنُباً إلا قلعته، ولا يقر لهم قرار، وأرسل جنداً من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف. وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحالة، وقد تهيؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفاه الله قتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فرجع إلى المدينة.