‮«‬وقال ربكم ادعوني‮ ‬أستجب لكم‮» (‬سورة‮ ‬غافر‮: ‬الآية‮ ‬60‮)‬،‮ ‬فالدعاء‮ ‬يصل الخلق بالخالق،‮ ‬ويعبر عن إيمان عميق بأن هناك إلهاً‮ ‬قديراً‮ ‬على كل شيء،‮ ‬بيده الأمر كله،‮ ‬يقدم المساعدة لمن‮ ‬يطلبها وفى أي‮ ‬وقت‮. ‬بابه مفتوح لا‮ ‬يغلق في‮ ‬وجه أحد مهما عظم أو صغر، ‬نلجأ إليه في‮ ‬كل وقت وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬الشدة‮، ‬ولكن كيف‮ ‬يكون الدعاء؟ فالدعاء له آداب وشروط حتى‮ ‬يتحقق‮، ‬ولن نجد خيراً‮ ‬من الأدعية التي‮ ‬دعا بها الأنبياء،‮ ‬عليهم السلام ربهم،‮ ‬والتي‮ ‬وردت في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬وفي‮ ‬صحيح سنة المصطفى،‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮. ‬ولقد مرّ الأنبياء بمواقف صعبة لم‮ ‬ينقذهم منها إلا صدق دعائهم،‮ ‬حيث كانت لهم في‮ ‬هذه المواقف أنبل الكلمات وأجمل الألفاظ التي‮ ‬تجسّد حسن التوسل ومناجاة الله وحده،‮ ‬ومن خلال هذه الحلقات نتعرف إلى المواقف التي‮ ‬تعرض لها الأنبياء الكرام وإلى الأدعية التي‮ ‬دعوا بها ونتعلم كيف‮ ‬يكون الدعاء‮.‬

‮«‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ‮ ‬آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ‮ ‬وَقُولُوا قَوْلاً‮ ‬سَدِيداً‮ ‬يُصْلِحْ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬أَعْمَالَكُمْ‮ ‬وَيَغْفِرْ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬ذُنُوبَكُمْ‮ ‬وَمَنْ‮ ‬يُطِعِ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬وَرَسُولَهُ‮ ‬فَقَدْ‮ ‬فَازَ‮ ‬فَوْزاً‮ ‬عَظِيماً‮» (‬سورة الأحزاب الآيتان 70-71).

إن القول السديد من دعائم الدعاء،‮ ‬وعن ذلك‮ ‬يقول الدكتور مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر‮: ‬إن القول السديد‮ ‬يشمل الجد لا الهزل،‮ ‬والنصح لا التخلي،‮ ‬وشهادة الحق لا الزور،‮ ‬وألا تأخذه في‮ ‬الله لومة لائم،‮ ‬والعدل والإنصاف،‮ ‬والاختصار ما وجد إليه سبيلا،‮ ‬وقد روي‮ ‬عن عائشة رضي‮ ‬الله عنها أنها قالت‮: «‬ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يسرد كسردكم هذا ولكنه كان‮ ‬يتكلم بكلام بين فضل‮ ‬يحفظه من جلس إليه‮» (‬رواه الشيخان‮).‬

ولقد كانت أحداث‮ ‬غزوة الأحزاب خير دليل على ذلك،‮ ‬ويقول الشيخ صفي‮ ‬الرحمن المباركفوري‮ ‬رحمه الله في كتابه‮ «‬الرحيق المختوم‮»: «‬خرج عشرون رجلاً‮ ‬من زعماء اليهود وسادات بني‮ ‬النضير إلى قريش بمكة،‮ ‬يحرضونهم على‮ ‬غزو المدينة،‮ ‬ويوالونهم،‮ ‬ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم،‮ ‬فأجابتهم قريش،‮ ‬وكانت قريش قد أخلفت موعدها في‮ ‬الخروج إلى بدر مرة أخرى،‮ ‬فرأت في‮ ‬ذلك إنقاذاً‮ ‬لسمعتها والبر بكلمتها ثم خرج هذا الوفد إلى‮ ‬غَطَفَان،‮ ‬فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً‮ ‬فاستجابوا لذلك،‮ ‬ثم طاف الوفد في‮ ‬قبائل العرب‮ ‬يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب،‮ ‬وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في‮ ‬تأليب أحزاب الكفر على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم والمسلمين،‮ ‬وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عَرَمْرَم‮ ‬يبلغ‮ ‬عدده عشرة آلاف مقاتل،‮ ‬جيش ربما‮ ‬يزيد عدده على جميع من في‮ ‬المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ،‮ ‬ولم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت استخبارات المدينة إلى قيادتها خبر هذا الزحف الخطير‮».‬

جوع وحصار

وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري،‮ ‬تناول فيه خطة الدفاع عن كيان المدينة،‮ ‬وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى‮ ‬اتفقوا على اقتراح قدمه الصحابي‮ ‬النبيل سلمان الفارسي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه بحفر خندق حول المدينة،‮ ‬وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الخطة،‮ ‬فوكل إلى كل عشرة رجال أن‮ ‬يحفروا من الخندق أربعين ذراعاً،‮ ‬وقام المسلمون بجد ونشاط‮ ‬يحفرون الخندق،‮ ‬ورسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يحثهم ويشاركهم في‮ ‬الحفر،‮ ‬ففي‮ ‬البخاري‮ ‬عن سهل بن سعد،‮ ‬قال‮: ‬كنا مع رسول الله في‮ ‬الخندق،‮ ‬وهم‮ ‬يحفرون،‮ ‬ونحن ننقل التراب على أكتافنا،‮ ‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬اللهم لا عَيشَ‮ ‬إلا عيشُ‮ ‬الآخرة،‮ ‬فاغفر للأنصار والمهاجرة‮».‬

وقال أبو طلحة‮: «‬شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع،‮ ‬فرفعنا عن بطوننا عن حجر،‮ ‬فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين‮».‬
ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة،‮ ‬وجدوا خندقاً‮ ‬عريضاً‮ ‬يحول بينهم وبينها،‮ ‬فالتجؤوا إلى فرض الحصار على المسلمين،‮ ‬بينما لم‮ ‬يكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم،‮ ‬إذ كانت هذه الخطة كما قالوا مكيدة ما عرفتها العرب،‮ ‬فلم‮ ‬يدخلوها في‮ ‬حسابهم‮».‬
وقد كان أحرج موقف‮ ‬يقفه المسلمون،‮ ‬فلم‮ ‬يكن هناك شيء‮ ‬يمنع من أن‮ ‬يضربهم‮ ‬يهود قريظة من الخلف،‮ ‬بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم‮ ‬يكونوا‮ ‬يستطيعون الانصراف عنه،‮ ‬وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في‮ ‬غير منعة وحفظ،‮ ‬وصاروا كما قال الله تعالى‮: «‬وَإِذْ‮ ‬زَاغَتِ‮ ‬الْأَبْصَارُ‮ ‬وَبَلَغَتِ‮ ‬الْقُلُوبُ‮ ‬الْحَنَاجِرَ‮ ‬وَتَظُنُّونَ‮ ‬بِاللهِ‮ ‬الظُّنُونَا هُنَالِكَ‮ ‬ابْتُلِيَ‮ ‬الْمُؤْمِنُونَ‮ ‬وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً‮ ‬شَدِيداً‮»‬ ‮(‬سورة الأحزاب الآيتان 10 - 11)

نعيم بن مسعود

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه‮ ‬غَدْر قريظة،‮ ‬فاضطجع ومكث طويلاً‮ ‬حتى اشتد على الناس البلاء،‮ ‬ثم نهض مبشراً‮ ‬يقول‮: «‬الله أكبر،‮ ‬أبشروا‮ ‬يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره‮»‬،‮ ‬ثم أخذ‮ ‬يخطط لمجابهة الظرف الراهن،‮ ‬ثم إن الله عز وجل صنع أمراً‮ ‬من عنده خذل به الأعداء وهزم جموعهم،‮ ‬وفَلَّ‮ ‬حدهم،‮ ‬كان مما هيأ ذلك أن رجلاً‮ ‬من‮ ‬غطفان‮ ‬يقال له‮:‬ نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬إني‮ ‬قد أسلمت،‮ ‬وإن قومي‮ ‬لم‮ ‬يعلموا بإسلامي،‮ ‬فمرني‮ ‬ما شئت،‮ ‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ «‬إنما أنت رجل واحد،‮ ‬فَخذِّلْ‮ ‬عنا ما استطعت،‮ ‬فإن الحرب خدعة‮»‬،‮ ‬فذهب نعيم من فوره إلى بني‮ ‬قريظة وكان عشيراً‮ ‬لهم في‮ ‬الجاهلية فدخل عليهم وقال‮: ‬قد عرفتم ودي‮ ‬إياكم،‮ ‬وخاصة ما بيني‮ ‬وبينكم،‮ ‬قالوا‮: ‬صدقت‮. ‬قال‮:‬‮ ‬فإن قريشاً‮ ‬ليسوا مثلكم،‮ ‬البلد بلدكم،‮ ‬فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم،‮ ‬لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى‮ ‬غيره،‮ ‬وإن قريشاً‮ ‬وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه،‮ ‬وقد ظاهرتموهم عليه،‮ ‬وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره،‮ ‬فإن أصابوا فرصة انتهزوها،‮ ‬وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً‮ ‬فانتقم منكم،‮ ‬قالوا‮:‬‮ ‬فما العمل‮ ‬يا نعيم؟ قال‮:‬‮ ‬لا تقاتلوا معهم حتى‮ ‬يعطوكم رهائن‮. ‬قالوا‮:‬ قد أشرت بالرأي‮.‬

ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم‮: ‬تعلمون ودي‮ ‬لكم ونصحي‮ ‬لكم؟ قالوا‮:‬‮ ‬نعم،‮ ‬قال‮: ‬إن‮ ‬يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه،‮ ‬وإنهم قد راسلوه أنهم‮ ‬يأخذون منكم رهائن‮ ‬يدفعونها إليه،‮ ‬ثم‮ ‬يوالونه عليكم،‮ ‬فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم،‮ ‬ثم ذهب إلى‮ ‬غطفان،‮ ‬فقال لهم مثل ذلك‮‬،‮ ‬فلما جاءتهم رسل اليهود بذلك قالت قريش وغطفان‮:‬ صدقكم والله نعيم،‮ ‬فبعثوا إلى قريظة‮: ‬إنا والله لا نرسل إليكم أحداً،‮ ‬فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً،‮ ‬فقالت قريظة‮: ‬صدقكم والله نعيم‮: ‬فتخاذل الفريقان،‮ ‬ودبت الفرقة بين صفوفهم،‮ ‬وخارت عزائمهم‮.‬

جند من الريح والملائكة

وكان المسلمون‮ ‬يدعون الله تعالى‮: «‬اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا‮»‬،‮ ‬ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب،‮ ‬فقال‮: «‬اللهم منزل الكتاب،‮ ‬سريع الحساب،‮ ‬اهزم الأحزاب،‮ ‬اللهم اهزمهم وزلزلهم‮».‬

وقد سمع الله دعاء رسوله والمسلمين،‮ ‬فبعد أن دبت الفرقة في‮ ‬صفوف المشركين وسرى بينهم التخاذل أرسل الله عليهم جنداً‮ ‬من الريح فجعلت تقوض خيامهم،‮ ‬ولا تدع لهم قِدْراً‮ ‬إلا كفأتها،‮ ‬ولا طُنُباً‮ ‬إلا قلعته،‮ ‬ولا‮ ‬يقر لهم قرار،‮ ‬وأرسل جنداً‮ ‬من الملائكة‮ ‬يزلزلونهم،‮ ‬ويلقون في‮ ‬قلوبهم الرعب والخوف‮.‬ وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في‮ ‬تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان‮ ‬يأتيه بخبرهم،‮ ‬فوجدهم على هذه الحالة،‮ ‬وقد تهيؤوا للرحيل،‮ ‬فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فأخبره برحيل القوم،‮ ‬فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد الله أعداءه بغيظهم لم‮ ‬ينالوا خيراً‮ ‬وكفاه الله قتالهم،‮ ‬فصدق وعده،‮ ‬وأعز جنده،‮ ‬ونصر عبده،‮ ‬وهزم الأحزاب وحده،‮ ‬فرجع إلى المدينة‮.‬