وردت أحاديث كثيرة،‮ ‬تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ويا سعادة من دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء عبد الرحمن بن عوف رضي‮ ‬الله عنه والذي‮ ‬دعا له النبي‮ ‬بالبركة في‮ ‬المال وأن‮ ‬يسقيه الله من سلسبيل الجنة‮.‬
جاء في‮ «‬شجرة النور الزكية في‮ ‬طبقات المالكية» لمحمد مخلوف‮ ‬مترجماً له‮: ‬هو أبومحمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف القرشي‮ ‬الزهري‮ ‬كان اسمه عبد الكعبة ويقال عبد عمرو فغيّر النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسم اسمه وسماه عبد الرحمن وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد ستة الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم من بعده وهم عبد الرحمن بن عوف،‮ ‬وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام،‮ ‬وسعد بن أبي‮ ‬وقاص،‮ ‬وعلي‮ ‬بن أبي‮ ‬طالب،‮ ‬وعثمان بن عفان،‮ ‬ هاجر الهجرتين وشهد بدراً فما بعدها ولاه النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬بعثة دومة الجندل (‬غزوة كانت في‮ ‬السنة الخامسة للهجرة) وهو الأمين على أزواج النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬في‮ ‬حجهن،‮ ‬ولاه عمر ذلك وقال فيه‮: ‬هو سيد من سادات المسلمين ذو رأي‮ ‬مسدد،‮ ‬وهو الذي‮ ‬رجع عمر بجيشه من سرغ‮ (مدينة بالشام،‮ ‬افتتحها أبو عبيدة بن الجرّاح) ولم‮ ‬يدخل الشام من أجل الطاعون‮ ‬،‮ ‬وهو أحد المشهورين بالثروة في‮ ‬الإسلام ،كان محظوظا في‮ ‬التجارة والعقل والعلم،‮ ‬له إعانات مالية شهيرة وصدقات وأعمال بر كبرى‮. ‬في‮ ‬«الإصابة» قال جعفر بن برقان‮: «‬بلغني‮ ‬أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة‮». (‬أخرجه أبو نعيم في‮ ‬الحلية)، وكان حرّم الخمر في‮ ‬الجاهلية وذكر البخاري‮ ‬في‮ ‬تاريخه من طريق الزهري‮ ‬قال‮: «‬أوصى عبد الرحمن بن عوف لكل من شهد بدراً بأربعمئة دينار فكانوا مئة رجل‮». ‬مات سنة‮ ‬32‮ ‬ه على الأشهر وعاش‮ ‬72‮ ‬سنة على أحد الأقوال‮.‬

نفس عفيفة

أما عما ورد في‮ ‬فوزه رضي‮ ‬الله عنه بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ما جمعه توفيق عمر في‮ ‬كتابه‮ «‬الفائزون بدعاء النبي‮» ‬نقلاً عن أهل التراجم والسير‮: ‬عن أنس بن مالك رضي‮ ‬الله عنه قال‮: ‬قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة،‮ ‬فآخى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري‮. ‬وعند الأنصاري‮ ‬امرأتان،‮ ‬فعرض عليه أن‮ ‬يناصفه أهله وماله،‮ ‬فقال له‮: ‬بارك الله لك في‮ ‬أهلك ومالك،‮ ‬دُلّوني‮ ‬على السوق،‮ ‬فأتى السوق،‮ ‬فربح شيئا من أقط (الأقط هو طعام من اللبن المخيض،‮ ‬يطبخ ثم‮ ‬يترك) أو شيئاً من سمن،‮ ‬فرآه النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم بعد أيام،‮ ‬وعليه وضر من صفرة‮ ‬،‮ ‬فقال‮: «‬مهيم‮ ‬،‮ ‬يا عبد الرحمن؟‮» ‬قال‮: ‬تزوجت أنصارية‮،‮ ‬قال‮: «‬فما سقت؟‮» ‬ أي‮ ‬ما قدمت من مهر قال‮: ‬وزن نواة من ذهب،‮ ‬فقال‮: «‬أولم ولو بشاة‮».‬ وفي‮ ‬رواية‮ «‬فبارك الله لك،‮ ‬أولم ولو بشاة‮».‬

وهذا‮ ‬يدل على عفة نفس عبدالرحمن بن عوف وحرصه على مال إخوانه من المسلمين فكان من السهل أن‮ ‬يأخذ من مال سعد بن الربيع ولكنه أبى وفضل أن‮ ‬ينزل السوق ليتاجر ويكسب قوت‮ ‬يومه من كده وتعبه ودعا لسعد بن الربيع كما سبق القول: «‬بارك الله لك في‮ ‬أهلك ومالك‮» ‬ولما تزوج عبدالرحمن بن عوف نال من دعاء النبي‮ ‬له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :‮ «‬فبارك الله لك‮» ‬وهذا شأن كل من‮ ‬يكون حريصاً على الخير للناس ومن تمنى الخير في‮ ‬بيت أخيه رزقه الله الخير في‮ ‬بيته‮.‬

الصادق البار

‮ ‬وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه‮: «‬إن الذي‮ ‬يحنو عليكن بعدي‮ ‬لهو الصادق البار،‮ ‬اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة‮».‬ وعن أبي‮ ‬سلمة،‮ ‬عن أبيه،‮ ‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮:«‬تصدقوا فإني‮ ‬أريد أن أبعث بعثاً‮». ‬قال‮: ‬فقال عبد الرحمن بن عوف‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬إن عندي‮ ‬أربعة آلاف‮:‬ ألفان أقرضهما الله،‮ ‬وألفان لعيالي‮. ‬قال‮: ‬فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‮:«‬بارك الله لك فيما أعطيت،‮ ‬وبارك لك فيما أمسكت‮». ‬فقال رجل من الأنصار‮: ‬وإن عندي‮ ‬صاعين من تمر،‮ ‬صاعاً لربي،‮ ‬وصاعاً لعيالي‮. ‬قال‮: ‬فلمز المنافقون،‮ ‬وقالوا‮: ‬ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياء،‮ ‬وقالوا‮: ‬أو لم‮ ‬يكن الله‮ ‬غنياً عن صاع هذا،‮ ‬فأنزل الله «‬الَّذِينَ‮ ‬يَلْمِزُونَ‮ ‬الْمُطَّوِّعِينَ‮ ‬مِنَ‮ ‬الْمُؤْمِنِينَ‮ ‬فِي‮ ‬الصَّدَقاتِ‮ ‬وَالَّذِينَ‮ ‬لا‮ ‬يَجِدُونَ‮ ‬إِلاَّ‮ ‬جُهْدَهُمْ‮ ‬فَيَسْخَرُونَ‮ ‬مِنْهُمْ‮ ‬سَخِرَ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬مِنْهُمْ‮ ‬وَلَهُمْ‮ ‬عَذابٌ‮ ‬أَلِيمٌ‬79‮»، (‬سورة التوبة). وجاء عن‮ ‬يحيى بن أبي‮ ‬كثير اليمامي،‮ ‬نحو حديث أبي‮ ‬سلمة،‮ ‬وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أيضاً لصاحب الصاع بمثل ما دعا لابن عوف‮.‬

لقد فاز عبدالرحمن بن عوف بدعويين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى في‮ ‬الآخرة وهي‮ ‬أن‮ ‬يسقيه الله من سلسبيل الجنة ويا لها من نعمة ودعاء جميل،‮ ‬والثانية وهي‮ ‬البركة في‮ ‬المال وهذه البركة ليست فيما‮ ‬ينفقه في‮ ‬سبيل الله فحسب بل وحتى ما‮ ‬يمسكه لأنه عاجلاً أو آجلاً سيقدم منه لله.
ولقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه وربح عبدالرحمن بن عوف وعمت البركة داره فصار من أغنياء المدينة ببركة دعاء النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮..‬اللهم بارك لنا فيما رزقتنا واسقنا من سلسبيل الجنة‮.‬