وردت أحاديث كثيرة تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويا لسعادة من دعا لهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء السعداء ذو النورين، عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فقد ظلّ النبي ليلة كاملة يدعو «اللهم عثمان رضيتُ عنه فارض عنه».
يقول عنه الزركلي في «الأعلام» مترجماً له: «هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، من قريش: أمير المؤمنين، ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين. من كبار الرجال الذين اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره. ولد بمكة، وأسلم بعد البعثة بقليل. وكان غنياً شريفاً في الجاهلية. ومن أعظم أعماله في الإسلام تجهيزه نصف جيش العسرة بماله، فبذل ثلاثمئة بعير بأقتابها وأحلاسها (بكل ما تحتاجه) وتبرع بألف دينار أخرى لجيش العسرة».
صارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سنة 23 ه فافتتحت في أيامه أرمينيا والقوقاز وخراسان وكرمان وسجستان وإفريقيا وقبس، وأتمّ جمع القرآن، وكان أبو بكر جمعه وأبقى ما بأيدي الناس من الرقاع والقراطيس، فلما ولي عثمان طلب مصحف أبي بكر فأمر بالنسخ عنه وأحرق كل ما عداه. وهو أول من زاد في المسجد الحرام ومسجد الرسول، وقدم الخطبة في العيد على الصلاة، وأمر بالأذان الأول يوم الجمعة. واتخذ الشرطة. وأمر بكل أرض جلا أهلها عنها أن يستعمرها العرب المسلمون وتكون لهم. واتخذ داراً للقضاء بين الناس، وروى عن النبي، صلّى الله عليه وسلم، 146 حديثاً.
جاءته وفود من الكوفة والبصرة ومصر، وطلبوا منه عزل أقاربه، فامتنع، فحاصروه في داره يراودونه على أن يخلع نفسه، فلم يفعل، فحاصروه أربعين يوماً، وتسوّر عليه بعضهم الجدار فقتلوه صبيحة عيد الأضحى وهو يقرأ القرآن في بيته، بالمدينة. ولقّب بذي النورين لأنه تزوج بنتي النبي، صلى الله عليه وسلم، رقية ثم أم كلثوم.
إفطار مع الرسول
وجاء في كتاب «عثمان بن عفان ذو النورين» لمحمد رضا: «عن عبد اللَّه بن سلام قال: أتيت عثمان وهو محصور، أسلّم عليه فقال: مرحباً بأخي مرحباً بأخي. أفلا أحدثك ما رأيت الليلة في المنام؟ فقلت: بلى. قال: رأيت رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وسلم، في هذه الخَوْخة (مكان يدخل منه الضوء إلى البيت) فقال: أحصروك؟ فقلت: نعم. فقال: عطشوك؟ فقلت: نعم. فأدلى لي دلواً من ماء فشربت حتى رويت فإني لأجد برداً بين كتفيَّ وبين بدني. قال: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا. قال: فاخترت أن أفطر عندهم. قال: فقتل عثمان في ذلك اليوم.
وعن قصة فوزه بدعاء النبي جاء في كتاب «الفائزون بدعاء النبي» لتوفيق عمر نقلاً عن كتب السيرة: «عن أبي سعيد رضي الله عنه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن عثمان يترضاك فارض عنه». وعنه في رواية أخرى: قال: رأيت رسول الله، صلى اله عليه وسلم، من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعاً يديه يدعو لعثمان بن عفان يقول: «اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه».
وجاء في «تاريخ دمشق» لابن عساكر: عن ليث بن أبي سليم قال أول من خبص الخبيص (الخبص خلطك الشيء بالشيء) عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وعمل الخبيص وبعث به إلى منزل أم سلمة، فلم يصادف النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما جاء وضعته بين يديه فأكله فاستطابه فقال: من بعث هذه؟ قالت عثمان بن عفان، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم «اللهم إن عثمان يترضاك فارض عنه».
عين رومة
وعن بشير الأسلمي عن أبيه قال: «لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تبيعها بعين في الجنة؟» فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي عين غيرها، لا أستطيع ذلك. فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عيناً في الجنة إن اشتريتها؟ قال: «نعم». قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين. وعن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: نظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى رومة وكانت لرجل من مزينة يسقي عليها بأجر، فقال: «نعم صدقة المسلم هذه، من رجل يبتاعها من المزني فيتصدق بها»، فاشتراها عثمان بن عفان بأربعمئة دينار، فتصدق بها، فلما علق عليها العلق مر بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، فأخبر أن عثمان اشتراها وتصدق بها فقال: «اللهم أوجب له الجنة». ودعا بدلو من مائها فشرب منه، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «هذا النقاخ أي الماء العذب أما إن هذا الوادي ستكثر مياهه ويعذبون، وبئر المزني أعذبها». وعن أبي هريرة قال: اشترى عثمان بن عفان من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الجنة مرتين يوم رومة ويوم جيش العسرة.
وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رحم الله عثمان تستحيه الملائكة، وجهز جيش العسرة، وزاد في مسجدنا حتى وسعنا.
لقد اشترى عثمان بن عفان، رضي الله عنه، الجنة مرتين بمتاع الدنيا الزائل، وهكذا دأب الصالحين وظل يبذل في سبيل الدين حتى بُشر بالجنة وفاز بدعاء سيد الأولين والآخرين، فرضي الله عن الصحابة أجمعين.