إعداد‮: ‬حمادة السعيد

وردت أحاديث كثيرة‮ ‬تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويا لسعادة من دعا لهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء السعداء ذو النورين، عثمان بن عفان، رضي‮ ‬الله عنه، فقد ظلّ النبي‮ ‬ليلة كاملة‮ ‬يدعو‮ «‬اللهم عثمان رضيتُ‮ ‬عنه فارض عنه‮».‬

يقول عنه الزركلي‮ ‬في‮ «‬الأعلام‮» ‬مترجماً له‮: «‬هو عثمان بن عفان بن أبي‮ ‬العاص بن أمية،‮ ‬من قريش‮: ‬أمير المؤمنين،‮ ‬ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين،‮ ‬وأحد العشرة المبشّرين‮. ‬من كبار الرجال الذين اعتز بهم الإسلام في‮ ‬عهد ظهوره‮. ‬ولد بمكة،‮ ‬وأسلم بعد البعثة بقليل‮. ‬وكان‮ ‬غنياً شريفاً في‮ ‬الجاهلية‮. ‬ومن أعظم أعماله في‮ ‬الإسلام تجهيزه نصف جيش العسرة بماله،‮ ‬فبذل ثلاثمئة بعير بأقتابها وأحلاسها‮ (‬بكل ما تحتاجه‮) ‬وتبرع بألف دينار أخرى لجيش العسرة‮».‬
صارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سنة‮ ‬23‮ ‬ه فافتتحت في‮ ‬أيامه أرمينيا والقوقاز وخراسان وكرمان وسجستان وإفريقيا وقبس،‮ ‬وأتمّ‮ ‬جمع القرآن،‮ ‬وكان أبو بكر جمعه وأبقى ما بأيدي‮ ‬الناس من الرقاع والقراطيس،‮ ‬فلما ولي‮ ‬عثمان طلب مصحف أبي‮ ‬بكر فأمر بالنسخ عنه وأحرق كل ما عداه‮. ‬وهو أول من زاد في‮ ‬المسجد الحرام ومسجد الرسول،‮ ‬وقدم الخطبة في‮ ‬العيد على الصلاة،‮ ‬وأمر بالأذان الأول‮ ‬يوم الجمعة‮. ‬واتخذ الشرطة‮. ‬وأمر بكل أرض جلا أهلها عنها أن‮ ‬يستعمرها العرب المسلمون وتكون لهم‮. ‬واتخذ داراً للقضاء بين الناس،‮ ‬وروى عن النبي،‮ ‬صلّى الله عليه وسلم،‮ ‬146‮ ‬حديثاً‮.
‬جاءته وفود من الكوفة والبصرة ومصر،‮ ‬وطلبوا منه عزل أقاربه،‮ ‬فامتنع،‮ ‬فحاصروه في‮ ‬داره‮ ‬يراودونه على أن‮ ‬يخلع نفسه،‮ ‬فلم‮ ‬يفعل،‮ ‬فحاصروه أربعين‮ ‬يوماً،‮ ‬وتسوّر عليه بعضهم الجدار فقتلوه صبيحة عيد الأضحى وهو‮ ‬يقرأ القرآن في‮ ‬بيته،‮ ‬بالمدينة‮. ‬ولقّب بذي‮ ‬النورين لأنه تزوج بنتي‮ ‬النبي‮، ‬صلى الله عليه وسلم، رقية ثم أم كلثوم‮.‬

إفطار مع الرسول

وجاء في‮ ‬كتاب‮ «‬عثمان بن عفان ذو النورين‮» ‬لمحمد رضا‮: «‬عن عبد اللَّه بن سلام قال‮: ‬أتيت عثمان وهو محصور، أسلّم عليه فقال‮: ‬مرحباً بأخي‮ ‬مرحباً بأخي‮. ‬أفلا أحدثك ما رأيت الليلة في‮ ‬المنام؟ فقلت‮: ‬بلى‮. ‬قال‮: ‬رأيت رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وسلم، في‮ ‬هذه الخَوْخة‮ (‬مكان‮ ‬يدخل منه الضوء إلى البيت‮) ‬فقال‮: ‬أحصروك؟ فقلت‮: ‬نعم‮. ‬فقال‮: ‬عطشوك؟ فقلت‮: ‬نعم‮. ‬فأدلى لي‮ ‬دلواً من ماء فشربت حتى رويت فإني‮ ‬لأجد برداً بين كتفيَّ‮ ‬وبين بدني‮. ‬قال‮: ‬إن شئت نصرت عليهم،‮ ‬وإن شئت أفطرت عندنا‮. ‬قال‮: ‬فاخترت أن أفطر عندهم‮. ‬قال‮: ‬فقتل عثمان في‮ ‬ذلك اليوم‮.‬

وعن قصة فوزه بدعاء النبي‮ ‬جاء في‮ ‬كتاب‮ «الفائزون بدعاء النبي‮» ‬لتوفيق عمر نقلاً عن كتب السيرة‮: «‬عن أبي‮ ‬سعيد رضي‮ ‬الله عنه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‮: «‬اللهم إن عثمان‮ ‬يترضاك فارض عنه‮». ‬وعنه في‮ ‬رواية أخرى‮: ‬قال‮: ‬رأيت رسول الله، صلى اله عليه وسلم، من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا‮ً ‬يديه‮ ‬يدعو لعثمان بن عفان‮ ‬يقول‮: «‬اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه‮».‬

وجاء في‮ «‬تاريخ دمشق‮» ‬لابن عساكر‮: ‬عن ليث بن أبي‮ ‬سليم قال أول من خبص الخبيص‮ (‬الخبص خلطك الشيء بالشيء‮) ‬عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وعمل الخبيص وبعث به إلى منزل أم سلمة، فلم‮ ‬يصادف النبي‮، صلى الله عليه وسلم، فلما جاء وضعته بين‮ ‬يديه فأكله فاستطابه فقال‮: ‬من بعث هذه؟ قالت عثمان بن عفان، فقال النبي‮، صلى الله عليه وسلم «‬اللهم إن عثمان‮ ‬يترضاك فارض عنه‮».‬

عين رومة

وعن بشير الأسلمي‮ ‬عن أبيه قال‮: «‬لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء،‮ ‬وكانت لرجل من بني‮ ‬غفار عين‮ ‬يقال لها‮: ‬رومة،‮ ‬وكان‮ ‬يبيع منها القربة بمد،‮ ‬فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم‮: «‬تبيعها بعين في‮ ‬الجنة؟‮» ‬فقال‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬ليس لي‮ ‬ولا لعيالي‮ ‬عين‮ ‬غيرها،‮ ‬لا أستطيع ذلك‮. ‬فبلغ‮ ‬ذلك عثمان بن عفان،‮ ‬فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم،‮ ‬ثم أتى النبي،‮ ‬صلى الله عليه وسلم، فقال‮: ‬أتجعل لي‮ ‬مثل الذي‮ ‬جعلت له عيناً‮ ‬في‮ ‬الجنة إن اشتريتها؟ قال‮: «‬نعم». ‬قال‮: ‬قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين‮. ‬وعن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال‮: ‬نظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى رومة وكانت لرجل من مزينة‮ ‬يسقي‮ ‬عليها بأجر،‮ ‬فقال‮: «نعم صدقة المسلم هذه،‮ ‬من رجل‮ ‬يبتاعها من المزني‮ ‬فيتصدق بها‮»، ‬فاشتراها عثمان بن عفان بأربعمئة دينار،‮ ‬فتصدق بها،‮ ‬فلما علق عليها العلق مر بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، فأخبر أن عثمان اشتراها وتصدق بها فقال‮: «‬اللهم أوجب له الجنة‮». ‬ودعا بدلو من مائها فشرب منه،‮ ‬وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‮: «‬هذا النقاخ أي‮ ‬الماء العذب أما إن هذا الوادي‮ ‬ستكثر مياهه ويعذبون،‮ ‬وبئر المزني‮ ‬أعذبها‮». ‬وعن أبي‮ ‬هريرة قال‮: ‬اشترى عثمان بن عفان من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الجنة مرتين‮ ‬يوم رومة ويوم جيش العسرة‮.‬

وعن علي‮ ‬بن أبي‮ ‬طالب، رضي‮ ‬الله عنه قال‮: ‬قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم‮: ‬رحم الله عثمان تستحيه الملائكة،‮ ‬وجهز جيش العسرة،‮ ‬وزاد في‮ ‬مسجدنا حتى وسعنا‮.‬
لقد اشترى عثمان بن عفان، رضي‮ ‬الله عنه، الجنة مرتين بمتاع الدنيا الزائل، وهكذا دأب الصالحين وظل‮ ‬يبذل في‮ ‬سبيل الدين حتى بُشر بالجنة وفاز بدعاء سيد الأولين والآخرين، فرضي‮ ‬الله عن الصحابة أجمعين‮.‬