القرآن كتاب الله القويم‮ ‬، وحبله المتين،‮ والذي أعجز العرب وهم سادة البلاغة والفصاحة يتضمن آيات قد تحتار فيها العقول، لما فيها من‮ ‬غموض‮.‬

ومن هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى في سورة المائدة‮ «‬الْيَوْمَ‮ ‬يَئِسَ‮ ‬الَّذِينَ‮ ‬كَفَرُوا مِنْ‮ ‬دِينِكُمْ‮ ‬فَلَا تَخْشَوْهُمْ‮ ‬وَاخْشَوْنِ‮ ‬الْيَوْمَ‮ ‬أَكْمَلْتُ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬دِينَكُمْ‮ ‬وَأَتْمَمْتُ‮ ‬عَلَيْكُمْ‮ ‬نِعْمَتِي‮ ‬وَرَضِيتُ‮ ‬لَكُمُ‮ ‬الْإِسْلَامَ‮ ‬دِينًا‮»..‬ لو كان للأيام ألسنة تتكلم لصرخ ذلك اليوم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في هذه الآية صراخ فرح وسعادة وهو‮ ‬يقول: وهل لي قيمة حتى‮ ‬يذكرني الله في كتابه الذي تولى عنايته ووعد بحفظه؟ فمن أنا حتى‮ ‬يذكرني الله هكذا؟
هذا السؤال أكاد أسمعه من فم اليوم بلا لسان‮ ‬،‮ ‬ولأجيبك أيها اليوم على هذا السؤال حتى تقر عينك ويطمئن قلبك، واسمع إلى ما قاله الإمام السيوطي في كتابه «مفحمات الأقران في مبهمات القرآن‮ » «‬اليوم‮ ‬يئس الذين كفروا»‮: ‬نزلت بعد عصر‮ ‬يوم عرفة عام حجة الوداع،‮ ‬كما في‮ ‬الصحيح‮.‬

«لا نرتضي غيره»

ويقول أبو العباس الأنجري‮ ‬الفاسي‮ ‬في تفسيره المعروف باسم‮ «‬البحر المديد في‮ ‬تفسير القرآن المجيد‮» يقول الحق جل جلاله‮: ‬اليوم الذي‮ ‬أنتم فيه،‮ ‬وهو‮ ‬يوم الجمعة،‮ ‬ويوم عرفة في‮ ‬حجة الوداع،‮ ‬يئس الذين كفروا من دينكم أن‮ ‬يبطلوه،‮ ‬أو‮ ‬يظهروا عليه بحصول المباينة لهم في‮ ‬أمورهم كلها،‮ ‬ولظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين،‮ ‬قيل‮: ‬إنه وقف معه صلى الله عليه وسلم في‮ ‬هذه الحجة‮: ‬مائة ألف وأربعة عشر ألفا،‮ ‬ويحتمل أن‮ ‬يريد باليوم الزمان الحاضر،‮ ‬وما‮ ‬يتصل به من الأزمنة الآتية،‮ ‬فلا تخشوهم أن‮ ‬يظهروا عليكم،‮ ‬واخشون وحدي‮ ‬فأمرهم بيدي‮..‬اليوم أكملت لكم دينكم بالنصر والإظهار على الأديان كلها،‮ ‬أو بالتنصيص على قواعد العقائد،‮ ‬والتوقيف على أحوال الشرائع وقوانين الاجتهاد،‮ ‬وأتممت عليكم نعمتي‮ ‬بالهداية والتوفيق،‮ ‬أو بإكمال الدين،‮ ‬وبالفتح والتمكين،‮ ‬بهدم منار الكفر،‮ ‬ومحو علل الملحدين،‮ ‬ورضيت لكم الإسلام دينا أي‮: ‬اخترته لكم من بين الأديان،‮ ‬الذي‮ ‬لا نرتضي‮ ‬غيره ولا نقبل سواه‮.‬

(إتمام الفرائض والحدود)
ويقول أبو محمد القيسي‮ ‬القيرواني‮ ‬في تفسيره‮ «‬الهداية إلى بلوغ‮ ‬النهاية‮» ‬قوله‮ «‬اليوم‮ ‬يَئِسَ‮ ‬الذين كَفَرُواْ‮ ‬مِن دِينِكُمْ‮» ‬الآية،‮ ‬المعنى‮: ‬الآن‮ ‬يئس الكفار منكم أن تتركوا دينكم وترتدوا إلى دينهم،‮ ‬وذلك اليوم‮ ‬يوم عرفة،‮ ‬عام حج النبي‮ ‬عليه السلام حجة الوداع،‮ ‬بعد دخول العرب في‮ ‬الإسلام‮.
وقيل‮: ‬ذلك‮ ‬يوم جمعة،‮ ‬نظر النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬إلى الناس فلم‮ ‬ير إلا موحداً‮ ‬فحمد الله على ذلك،‮ ‬فنزلت الآية‮..‬وقال الحسن‮: «‬يئسوا أن تستحلوا في‮ ‬دينكم ما استحلوا في‮ ‬دينهم‮».‬
‮«‬فَلاَ‮ ‬تَخْشَوْهُمْ‮» ‬أي‮: ‬لا تخافوهم أن‮ ‬يقهروكم فيردوكم عن دينكم،‮ ‬وخافون أي‮: ‬إن خالفتم أمري‮..‬وروي‮ ‬عن عائشة رضي‮ ‬الله عنها أنها قالت‮: ‬المائدة آخر سورة نزلت،‮ ‬فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه،‮ ‬وما وجدتم فيها من حرام فحرموه‮».‬

وقوله‮ «‬اليوم أَكْمَلْتُ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬دِينَكُمْ‮» ‬أي‮: ‬أتْممتُ‮ ‬فرائضي‮ ‬عليكم وحدودي،‮ ‬ونزل ذلك‮ ‬يوم عرفة في‮ ‬حجة الوداع،‮ ‬ولم‮ ‬يعش النبي‮ ‬عليه السلام‮ - ‬بعد نزول هذه الآية‮ - ‬إلا إحدى وثمانين ليلة،‮ ‬ولم‮ ‬ينزل بعدها حلال ولا حرام،‮ «‬ولما نزلت هذه الآية بكى عمر،‮ ‬فقال له النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬ما‮ ‬يُبْكِيكَ؟ فقال‮: ‬كُنَّا في‮ ‬زيادةٍ‮ ‬من ديننا،‮ ‬فَأَمَّا إِذا كَمُلَ،‮ ‬فإنه لم‮ ‬يكمل شيء إلا نقص‮. ‬فقال له النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬صَدَقْتَ‮».‬

يوم فتح مكة

ويقول أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي‮ ‬في كتابه بحر العلوم‮ «‬الْيَوْمَ‮ ‬يَئِسَ‮ ‬الَّذِينَ‮ ‬كَفَرُوا مِنْ‮ ‬دِينِكُم‮..» ‬يعني:‮ ‬كفار العرب يئسوا من أن تعودوا كفاراً‮ ‬حين حج النبيّ‮ ‬صلّى الله عليه وسلم حجة الوداع وليس معهم مشرك‮. ‬وقال الضحاك‮: ‬«نزلت هذه الآية حين فتح مكة،‮ ‬وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة سبع،‮ ‬ويقال‮: ‬سنة ثمان. ودخلها ونادى منادي‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: ‬ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن،‮ ‬ومن وضع السلاح فهو آمن،‮ ‬ومن أغلق بابه فهو آمن‮. ‬فانقادت قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا‮. ‬قال الله تعالى‮: «‬فَلا تَخْشَوْهُمْ‮» أي: ‬فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم وناصركم وَاخْشَوْنِ‮ ‬في‮ ‬ترك أمري‮. ‬ثم قال‮: «‬الْيَوْمَ‮ ‬أَكْمَلْتُ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬دِينَكُمْ‮» ‬يعني‮ ‬أتممت لكم شرائع دينكم،‮ ‬وذلك أن النبيّ‮ ‬صلّى الله عليه وسلم حيث كان بمكة لم‮ ‬يكن إلا فريضة الصلاة وحدها،‮ ‬فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام،‮ ‬فنزلت هذه الآية‮ «‬الْيَوْمَ‮ ‬أَكْمَلْتُ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬دِينَكُمْ‮» ‬يعني‮ ‬دينكم،‮ ‬حلالكم وحرامكم‮. ‬وروى عن ابن عباس،‮ ‬أنه قرأ الْيَوْمَ‮ ‬أَكْمَلْتُ‮ ‬لَكُمْ‮ ‬دِينَكُمْ‮ ‬فقال له‮ ‬يهودي‮: ‬لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً‮. ‬فقال ابن عباس فإنها نزلت في‮ ‬يوم عيدين‮ ‬يوم الجمعة،‮ ‬ويوم عرفة‮.‬

وجاء في‮ ‬«مختصر ابن كثير» للصابوني‮: ‬ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬إن الشيطان قد‮ ‬يئس أن‮ ‬يعبده المصلون في‮ ‬جزيرة العرب،‮ ‬ولكن بالتحريش بينهم‮». ‬ويحتمل أن‮ ‬يكون المراد أنهم‮ ‬يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله،‮ ‬ولهذا أمر الله عباده المؤمنين أن‮ ‬يصبروا ويثبتوا في‮ ‬مخالفة الكفار ولا‮ ‬يخافوا أحداً إلا الله،‮ ‬وقوله‮: «‬اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي‮ ‬ورضيت لكم الإسلام دينا‮»، أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل الله تعالى لهم دينهم،‮ ‬فلا‮ ‬يحتاجون إلى دين‮ ‬غيره،‮ ‬ولا إلى نبي‮ ‬غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه،‮ ‬ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء،‮ ‬وبعثه إلى الإنس والجن،‮ ‬فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه،‮ ‬ولا دين إلا ما شرعه،‮ ‬وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب، وقال السدي‮: «‬نزلت هذه الآية‮ ‬يوم عرفة،‮ ‬ولم‮ ‬ينزل بعدها حلال ولا حرام‮».