القرآن كتاب الله القويم، وحبله المتين، ‮الذي أعجز العرب وهم سادة البلاغة والفصاحة يتضمن آيات قد تحتار فيها العقول، لما فيها من‮ ‬غموض‮.‬
ومن هذه الآيات قول الله -تبارك وتعالى- في سورة البقرة‮ «‬الْحَجُّ‮ ‬أَشْهُرٌ‮ ‬مَعْلُومَاتٌ‮ ‬فَمَنْ‮ ‬فَرَضَ‮ ‬فِيهِنَّ‮ ‬الْحَجَّ‮ ‬فَلَا رَفَثَ‮ ‬وَلَا فُسُوقَ‮ ‬وَلَا جِدَالَ‮ ‬فِي‮ ‬الْحَجِّ‮ ‬وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ‮ ‬خَيْرٍ‮ ‬يَعْلَمْهُ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ‮ ‬خَيْرَ‮ ‬الزَّادِ‮ ‬التَّقْوَى وَاتَّقُونِ‮ ‬يَا أُولِي‮ ‬الْأَلْبَابِ‮ »‬‮، (٧٩١).
والسؤال الذي ‬يطرح نفسه ما هي هذه الأشهر؟ ولماذا هي معلومات؟ يجيبنا الإمام جلال الدين السيوطى في كتابه‮ «‬مفحمات الأقران في‮ ‬مبهمات القرآن‮» ‬فيقول‮: «‬الحج أشهر معلومات‮»: ‬هي‮ ‬شوال وذو القعدة وعشرة من ذي‮ ‬الحجة‮. ‬كما أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عمر، ‮ ‬وسعيد بن منصور عن ابن مسعود، ‮ ‬والطبراني‮ ‬وغيره عن ابن عباس، ‮ ‬وابن المنذر عن ابن الزبير‮.‬
ويقول الشعراوي‮ ‬-رحمه الله- في تفسيره‮ ‬«الخواطر‮»: ‬ولنا أن نلحظ أن الحق قال في‮ ‬الصوم‮: ‬«شَهْرُ‮ ‬رَمَضَانَ‮ ‬الَّذِي‮ ‬أُنْزِلَ‮ ‬فِيهِ‮ ‬الْقُرْآنُ‮» ولم‮ ‬يذكر شهور الحج‮: ‬شوالاً‮ ‬وذا القعدة وعشرة من ذي‮ ‬الحجة كما ذكر رمضان؛ ‮لأن التشريع في‮ ‬رمضان خاص به فلا بد أن‮ ‬يعين زمنه، لكن الحج كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، ‬ويعلمون شهوره وكل شيء عنه، فالأمر‮ ‬غير محتاج لذكر أسماء الشهور الخاصة به، ‮ ‬والشهور المعلومة هي‮: ‬شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي‮ ‬الحجة، وتنتهي‮ ‬بوقفة عرفات وبأيام منى، ‮وشهر الحج لا‮ ‬يستغرق منه سوى عشرة أيام، ‮ ‬ومع ذلك ضمه لشوال وذي‮ ‬القعدة؛ ‬لأن بعض الشهر‮ ‬يدخل في‮ ‬الشهر‮.‬
تفصيل المناسك
وكلمة‮ «‬مَّعْلُومَاتٌ‮» ‬تعطينا الحكمة من عدم ذكر أسماء شهور الحج‬؛ لأنها كانت معلومة عندهم‮.‬ وتتضح المعالم أكثر من خلال الطاهر بن عاشور التونسي‮ ‬في تفسيره المعروف باسم‮ «‬تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد‮» ‬فيقول‮: «‬الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في‮ ‬الحج»، استئناف ابتدائي‮ ‬للإعلام بتفصيل مناسك الحج، ‮‬الذي‮ ‬أراه أن هذه الآيات نزلت بعد نزول قوله تعالى‮: «‬ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً‮» ‬في‮ ‬سورة آل عمران‮: ‬97‮ ‬فإن تلك الآية نزلت بفرض الحج إجمالاً، ‬وهذه الآية فيها بيان أعماله، ‬وهو بيان مؤخر عن المبين، ‮ ‬وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع‮ ‬غير مرة، ‬فيظهر أن هذه الآية نزلت في‮ ‬سنة تسع، ‮ ‬تهيئة لحج المسلمين مع أبي‮ ‬بكر الصديق‮.‬
وبين نزول هذه الآية ونزول آية‮ «‬وأتموا الحج والعمرة لله»، (البقرة‮) ‬196‮: ‬نحو من ثلاث سنين فتكون فيما نرى من الآيات التي‮ ‬أمر الرسول -عليه السلام- بوضعها في‮ ‬هذا الموضع من هذه السورة للجمع بين أعمال الحج وأعمال العمرة‮.‬ وهي‮ ‬وصاية بفرائض الحج وسننه ومما‮ ‬يحق أن‮ ‬يراعى في‮ ‬أدائه، ‮ ‬وذكر ما أراد الله الوصاية به من أركانه وشعائره‮. ‬وقد ظهرت عناية الله -تعالى- بهذه العبادة العظيمة؛ ‬إذ بسط تفاصيلها وأحوالها مع تغيير ما أدخله أهل الجاهلية فيها‮.‬
الأشهر الحرم
«ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل، ‬فهي‮ ‬من الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم، ‬وهي‮ ‬من مبدأ شوال إلى نهاية أيام النحر، ‬وبعضها بعض الأشهر الحرم؛ ‬لأنهم حرموا قبل‮ ‬يوم الحج شهراً وأياماً، وحرموا بعده بقية ذي‮ ‬الحجة والحرام كله؛ ‬لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع الحجيج إلى آفاقهم، ‬وأما رجب فإنما حرمته مضر لأنه شهر العمرة‮».‬
فقوله‮: ‬«الحج أشهر معلومات» أي‮: ‬في‮ ‬أشهر؛ ‬لقوله بعده‮: ‬«فمن فرض فيهن الحج» ولك أن تقدر‮: ‬مدة الحج أشهر، ‮ ‬وهو كقول العرب‮ «‬الرطب شهرا ربيع‮».‬
والمقصود من قوله‮: ‬الحج أشهر،‮ ‬يحتمل أن‮ ‬يكون تمهيداً لقوله‮: ‬فلا رفث ولا فسوق، تهويناً لمدة ترك الرفث والفسوق والجدال؛ ‬لصعوبة ترك ذلك على الناس؛ ‬ولذلك قللت بجمع القلة، ‮‬فهو نظير ما روى مالك في‮ «‬الموطأ‮»: ‬أن عائشة قالت لعروة بن الزبير‮ ‬يا ابن أختي‮ ‬إنما هي‮ ‬عشر ليال فإن تخلج في‮ ‬نفسك شيء فدعه، تعني‮ ‬أكل لحم الصيد، ‮ويحتمل أن‮ ‬يكون تقريراً لما كانوا عليه في‮ ‬الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله‮: ‬«إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً»،‮ (‬التوبة‮: 63).
خلاف فقهي
والأشهر المقصودة هي‮ ‬شوال وذو القعدة وذو الحجة لا‮ ‬غير، ‮ ‬وإنما اختلفوا في‮ ‬أن ذا الحجة كله شهر أو العشر الأوائل منه أو التسع فقط، ‮‬أو ثلاثة عشر‮ ‬يوماً منه، ‬فقال بالأول ابن مسعود وابن عمر والزهري‮ ‬وعروة بن الزبير وهو رواية ابن المنذر عن مالك، ‬وقال بالثاني‮ ‬ابن عباس والسدي‮ ‬وأبو حنيفة وهو رواية ابن حبيب عن مالك‮. ‬وقال بالثالث الشافعي، ‮ ‬والرابع قول في‮ ‬مذهب مالك ذكره ابن الحاجب في‮ «‬المختصر».‬
وإطلاق الأشهر على الشهرين وبعض الشهر عند أصحاب القولين الثالث والرابع مخرج على إطلاق الجمع على الاثنين أو على اعتبار العرب الدخول في‮ ‬الشهر أو العام كاستكماله، ‮ ‬كما قالوا‮: ‬ابن سنتين لمن دخل في‮ ‬الثانية، ‬وكثرة هذا الخلاف تظهر فيمن أوقع بعض أعمال الحج مما‮ ‬يصح تأخيره كطواف الزيارة بعد عاشر ذي‮ ‬الحجة، ‮‬فمن‮ ‬يراه أوقعه في‮ ‬أيام الحج لم‮ ‬ير عليه دماً ومن‮ ‬يرى خلافه‮ ‬يرى خلاف هذا الرأي‮.‬