هل هناك كواكب صالحة للسكن في هذا الكون غير الأرض؟ تساؤل قديم متجدد ما زال يؤرق علماء الفلك الذين يسعون حثيثا ليكشفوا عن نوع من الحياة أينما كان في هذا الكون الشاسع مستخدمين في سبيل ذلك ترسانة من الأجهزة العلمية والأدوات والآلات ومجسات الفضاء الأكثر تقدما، ومع أنهم يعلمون أن هذا النوع من الحياة ربما يكون بعيدا جدا عن نظامنا الشمسي، إلا أن هذا السبب لا يمكن أن يمنع عقولهم من التجوال هنا وهناك عل الأقل في مجرتنا درب التبانة رغم الأبعاد الشاسعة بين نجومها.
يبدو ان الكوكب بروكسيما سنتوري- ب، الذي تم الكشف عنه حول أقرب نجم للشمس، هو الحلم الذي أصبح حقيقة بالنسبة لكتاب الخيال العلمي بدءا من إسحاق أسيموف إلى فيليب ك ديك مرورا بآرثر سي كلارك أو كتاب سلسلة ستار تريك، الذين توقعوا جميعهم وجوده. وعلى الأرجح حسب رأي العلماء أن يكون هذا الكوكب صخرياً، وله كتلة مماثلة للأرض، ويقع في منطقة معتدلة. ومن الممكن أن تكون المياه على سطحه قد احتفظت بحالتها السائلة ولكن هل يؤوي كائنات حية؟ الواقع أن علماء الفلك لا يستبعدون أن يمتلك هذا الكوكب على الأقل غلافا جويا ومغطى جزئيا أو في مجمله ببحيرات أو المحيطات.
وبروكسيما سينتوري - ب الذي تم اكتشافه في أغسطس 2016 بفضل احد تلسكوبات المرصد الأوروبي الجنوبي (إيزو) في لا سيلا (تشيلي)، ليس فقط جرما جديدا يضاف إلى قائمة طويلة من الكواكب الخارجية التي تم رصدها منذ عشرين عاما بل إنه من الكواكب التي فرضت نفسها في غضون أشهر، على المجتمع الفلكي العالمي باعتباره واحدا من الأهداف ذات الأولوية للبحث عن حياة في الكون. وإذا كانت الحياة قد ظهرت في مكان آخر غير الأرض، فربما اتخذت أشكالا مختلفة جذريا عما نعرفه هنا على الأرض ولذلك فالكشف عنها ربما يكون بالغ التعقيد عبر هذا الكون الشاسع.
ولكن من أين نبدأ؟ لا بد من تركيز الأرصاد على أنظمة مماثلة للأرض ولنسمها بالكواكب الخارجية أو الفائقة لأنها صخرية وبأحجام وكتل مساوية تقريبا للكوكب الأزرق وعلى مسافة من نجومها ليست ساخنة جدا ولا باردة جدا، ما يسمح بوجود الماء السائل على سطحها، وهو العنصر الأساسي في كل كيمياء «تسبق التكوين الجنيني الأولي أي قبل ظهور الحياة على الأرض».
ومنذ العام 1995، وهو تاريخ أول رصد لكوكب يقع خارج المجموعة الشمسية من قبل فريق ميشيل مايور وديدييه كويلوز من مرصد جنيف، اكتشف المتخصصون بالضبط 3633 كوكبا مختلفة الأحجام والكتل والمدارات ودرجات الحرارة من بينها حفنة يتراوح عددها بين عشرة إلى خمسين كوكبا مما تنطبق عليه كل الخصائص المطلوبة للتأهل كي يصبح كوكب فائق أو كوكب نجمي.
ويقول مختص الفيزياء الفلكية جوليان مورين من مختبر مونبلييه لعالم الجسيمات: حتى الآن، لم يتم الكشف كليا عن أي منها بشكل كاف ما يتيح لنا أن نستخلص، مع التقنيات الحالية، معلومات إضافية ملحوظة وبالتالي ثمة آمال هائلة بالكشف عن شيء جديد على بروكسيما سينتوري- ب.
ويقول البروفيسور أوليفيه موسس من مختبر مرسيليا للفيزياء الفلكية: هذا الكوكب النجمي الفائق المعتدل الذي يدور حول نجمه في 11.2 يوم يمكن أن يكون كله من الصخور ونصفه من الماء ومغطى بمحيط سائل يبلغ عمقه 200 كيلومتر كما أنه قريب منا نسبيا (4.2 سنة ضوئية) ولذا ينبغي علينا في غضون أربعة أو خمس سنوات، أن نحدد إذا كان صالحا للسكن.
ولهذا فإن الفلكيين من كل أنحاء العالم جاهزون كي يوجهوا نحوه المعدات الأكثر تقدما حتى اليوم مثل مجموعة «التلسكوبات الكبيرة» التابعة لإيزو والموجودة في صحراء أتاكاما (تشيلي). وفي الغد القريب سيتمكن التلسكوب الفضائي جيمس ويب، التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، وهو الخليفة المتوقع لهابل، الذي سيطلق بدعم من وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) والكندية (CSA) عام 2018 مع صاروخ أريان 5 من كشف المزيد عن هذا الكوكب المهم وسيتمكن العلماء من تحديد ما إذا جوه يتكون من الأكسجين، وغاز الميثان وثاني أكسيد الكربون، والأوزون أو بخار الماء، ومع ذلك، فينبغي الانتظار حتى العام 2024 كي يتم تركيب E-ELT التلسكوب العملاق الأوروبي في شمال تشيلي، للحصول على صورة مفصلة لهذا الجسم السماوي.
والواقع أنه بعد عام تقريبا من تحديد موقع بروكسيما سينتوري-ب فقد هذا الكوكب النجمي بالفعل لقبه «بالعالم الوحيد الذي يمكن أن يكون قابلا للسكن» خاصة اننا تمكنا من رصد قدر باس به من التفاصيل على سطحه. ففي شهري فبراير وأبريل 2017، رصد الفلكيون منظومتين شمسيتين أخريين واعدتين: النظام الأول «ترابيست -1» الذي فاق كل التوقعات الأكثر تفاؤلا فقد حدد فيه الكثير من الأهداف المحتملة للبحث عن حياة خارج كوكب الأرض.
وأظهرت الأرصاد التي أجريت بمساعدة شبكة من تلسكوبين تم تطويرهما من قبل فريق من جامعة لييج (بلجيكا) أنه يخفي ما لا يقل عن سبعة كواكب أقل كثافة من الأرض ولكن بأحجام مماثلة، وكلها تدور حول نجمها الصغير البارد خلال 1.5 يوم إلى 12 يوما وأنها تقع على مسافات قصيرة جدا بالنسبة لبعضها البعض إلى درجة أن المنظومة الكوكبية كلها يمكن أن تكون عند مدار يشبه مدار عطارد بالنسبة للشمس! أما النظام الثاني، المسمى 1140 LHS فيبدو فقيرا جدا مقارنة مع السابق فهو يكتفي حتى الآن بأرض فائقة تستفيد من سطوع شمس مناسب. ويوضح من مرصد شيلي إكزافييه بونفيس، الباحث في معهد علم الكواكب والفيزياء الفلكية في غرونوبل، أن هذا الكوكب الفائق يدور حول نجمه في مدار موجه في الفضاء بطريقة تجعله موات للرصد المستقبلي.
وبغض النظر عن المسافة التي تفصلها عنا فإن جميع الكواكب الخارجية ليست مرجحة أن تقدم لنا نفس الكمية من المعلومات. فالتقنيات المتاحة والتي تسمى بتقنية العبور، والسرعة الشعاعية أو العدسة الجذبوية تقتصر على استكشاف عوالم صغيرة وخفيفة وبعيدة من الكواكب الخارجية أو الأراضي الفائقة.
وحتى يتم إجراء كشف شامل، ينبغي أن ننتظر أجهزة أخرى أكثر تطورا وتعقيدا، مثل المرصد الفضائي أفلاطون، الذي اعتمدته وكالة الفضاء الأوروبية في يونيو الماضي. وبحلول عام 2026، فإن هذا المرصد الفضائي سيقوم بدراسة عبور الكواكب والتذبذبات النجمية لسبر مئات الآلاف من النجوم.
هذه الأنظمة أصغر بكثير من الشمس، وهي أقل حرارة واشتعالا، ما يجعل من السهل على العلماء تحديد كواكب محتملة تحيط بها. وهذه الأنظمة تنتشر كثيرا جدا في المجرة، وتمثل ما يقرب من 85٪ من التجمعات النجمية. وأخيرا وبالقرب من وعلى مسافة لا تزيد عن 50 سنة ضوئية، حصد علماء الفلك حوالي 2000 قزم أحمر. فكم عدد الكواكب الخارجية القابلة للسكنى حولها؟ لا شك أن رحلة تعقب توأم للأرض هي مجرد بداية.
واحد من كواكب رصدت منذ 20 عاماً
«بروكسيما سنتوري».. شبيه الأرض
9 مايو 2018 02:33 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 مايو 02:33 2018
شارك
إعداد: محمد هاني عطوي