في رواية «بروكلين هايتس» لميرال الطحاوي تهاجر «هند» إلى أمريكا ومعها ابنها الصغير؛ لتبدأ حياة جديدة في العالم الجديد، لكن كل شيء يجرها إلى الوراء.. إلى الشيخوخة.. إلى الموت أو إلى انتظاره، فقط تعيش على التذكر والحنين. الرواية تكشف عن كيفية حياة عدد كبير من المهاجرين الذين جاؤوا من كل بلاد العالم إلى دولة الحلم، ليكتشف بعضهم أنهم تروس داخل مفرمة - وفق تعبير نجيب الخليلي أحد شخوص الرواية - وليكتشف بعضهم أن حياتهم والهباء سواء لكنهم لا يستطيعون العودة؛ إما لأن بلادهم لم تعد بلادهم كالفلسطينيين، أو لأن الموت ينتظرهم كالباكستانيين الذين شاركوا مع الأمريكان في حروبهم ضد طالبان، أو أن بلادهم لم تعد كبلادهم التي تربوا فيها.
تبدأ الرواية التي كتبتها ميرال الطحاوي بحصول البطلة على شقة في حي بروكلين، شقة صغيرة في الدور قبل الأخير، تشبه الغرفة الزجاجية، وعبر قيام البطلة بالمشي ومحاولتها حفظ المكان حتى لا تتوه، خصوصاً مع عدم إتقانها الإنجليزية؛ فإنها تذكر الشوارع والمزارات والمتاحف والمركز الإسلامي والكنائس والمعبد اليهودي «بيت ألوهيم».. ومن خلال احتكاك البطلة بالشخصيات الموجودة في هذا الحي تقدم وصفاً تفصيلياً للمكان وللشخصيات ولتفاعلها معهم، سواء من خلال الارتداد إلى حياتها في طفولتها ومراحل تعليمها أو عند زواجها وحدوث خيانات الزوج وفراره وتحركها نحو الهجرة من مصر.
جغرافياً تقع بروكلين إلى الجنوب الغربي من منطقة كوينز، عند الحافة الغربية للونج آيلاند. كانت بروكلين مدينة قائمة بذاتها حتى تم دمجها مع نيويورك عام 1898، وهي أحد أحياء مدينة نيويورك، وقد أخذت اسمها نسبة إلى بلدة Breukelenفي هولندا، وتعتبر أكثر أحياء مدينة نيويورك سكاناً والثانية من حيث المساحة إذ يقطنها نحو 2.5 مليون نسمة وتبلغ مساحتها 183 كم مربعاً. ورغم كونها جزءاً من مدينة نيويورك، إلا أن بروكلين تمتاز بمظهر وعمارة وثقافة خاصة بها، كما ينتشر بها عدد من التجمعات السكانية لأعراق وثقافات بعينها. عام 2000 كان 41% من سكان بروكلين من البيض، و36% من السود و20% من الهسبان (القادمين من أمريكا اللاتينية) و8% من الآسيويين.
وأهم معالمها جسر بروكلين، وهو واحد من أقدم الجسور المعلقة ويصل بين منطقتي مانهاتن وبروكلين بمدينة نيويورك، ويصل الجسر بين مقاطعتي بروكلين ومانهاتن اللتين تتشكل منهما ومن مقاطعات كوينز وبرونكس وستاتن آيلاند مدينة نيويورك. وهو يمتد عبر نهر الشرق الذي يصب في المحيط الأطلسي، ويبلغ طوله 1825 متراً وكان لدى الانتهاء من تشييده أضخم جسر معلق في العالم وأول جسر في العالم تستخدم فيه الحبال الفولاذية. وفي عام 1964 أدرج على قائمة «المعالم التاريخية الوطنية» الأمريكية.
تمتلئ الرواية بالشخصيات القادمة من معظم بلدان العالم التي يضربها الفقر والفساد وتنعدم فيها فرص الحياة؛ فمن الصومال وباكستان ومصر وروسيا والبوسنة وبيرو، ومن طبيبات ومهندسين ورياضيين وعمال وبائعين في محال وسائقين، يتشكل مجتمع اللاجئين الذي يعيش في بروكلين.
بنية النص أشبه برقعة شطرنج معدة بنظام شديد؛ فكلما تحركت هند في المدينة حدثت مجموعة من ردود الأفعال؛ تختلف ظاهراً وإن أمكن ردها إلى: الحنين إلى عالم قاسٍ. فهند حين ترى العمال في أرض المكسيك وهي متجهة إلى باي ريدج، تتذكر منظر عمال اليومية في قريتها، وحين ترى المقبرة الخضراء تتذكر المضيفة وجدتها التي عاشت وماتت تحمل عنوان الضيف رغم أنها هي الوحيدة التي أنجبت لجدها.
يبدأ النص إذن من المنتصف، على وجه الدقة من قرب النهاية، ولنكن أكثر دقة قرب نهاية المنحدر؛ فسفر هند بلا مؤهلات لدولة كأمريكا يجعلها عالة في أواخر العمر، حتى لو لم تكن قد أنهت العقد الرابع من عمرها.
هند تراوح بين ثلاثة عوالم؛ نشأتها في قريتها تلال فرعون (محافظة البحيرة)، وزواجها الغامض والفاشل في القاهرة، ومعيشتها في مدينة بروكلين في أحياء اللاجئين، نحن أمام فتاة جاءت بعد خمسة صبيان إيذاناً بالانحدار في أسرة من عرب الحيط (البدو الأصلاء) إذ يقسم البدو في مصر إلى نوعين، عرب حيط وعرب خيش، عجزت الجارية والست، وبنت العرب وبنت العجم عن إنجاب الولد لجدها فاستجلب قروية صغيرة ومنكمشة، وأنجبت له من حلم به، لكنها رغم ذلك عاشت وماتت تحمل اسم الضيفة، ويأتي أبو هند خريج الحقوق ليتزوج بأم هند وهي من العرب الأصلاء بعد أن ذهبت لمدارس الراهبات وأسقطت ما تعلمته عدا كلمات فرنسية للزوم ومهارات الطبخ؛ لتتحول إلى أرنبة تنجب باستمرار، فيما لا يعمل أبوها بمؤهله، ويظل حتى يموت فجأة وهو في سن الأربعين.
شخصيات الرواية على مستوى القرية والمدينة الأمريكية تسير نحو التطابق حتى تصل إليه في شخصية ليليت المصرية التي هاجرت وتركت ابنها صغيراً حتى كبر ولحق بها.. فما إن تنظر إلى النصوص التي كتبتها ليليت حتى تصرخ: «أشعر أنها أوراقي وأن تلك الخطوط بالفعل خط يدي». أماكن النص رغم مركزية بروكلين، وقيام البطلة بوصفها تفصيلياً بشكل أقرب لخرائط اليد؛ فإن ارتدادها المستمر يجعل من بروكلين مركز الدائرة الثابت أو شاشة سطح المكتب التي يمكن بالضغط على إحدى أيقوناتها الذهاب إلى الملف الأصلي، فكأن الهاربة من الماضي تحمله معها، أو كأنه يظهر في تجليات مطاردة تعيدها إليه.
لا تمثل الرواية محاولة لقراءة العالم الآخر كما فعل سهيل إدريس في الحي اللاتيني، أو كما فعل توفيق الحكيم في عصفور من الشرق، أو كما فعل الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال، وإنما يقدم النص رؤية أشبه بشطر نزار قباني: «كم مبحر وهموم البر تسكنه!» فما يجري في بروكلين لا يدفع هند إلى تبني قيم العالم الجديد أو رفضه، وإنما يدفعها إلى التقوقع وانتظار النهاية، ولا يفلح تطلع ابنها وإتقانه الإنجليزية وتفاعله مع متغيرات المجتمع ورفضه التام للعودة إلى مصر إلى أن تندمج في عالمها الجديد، وحتى حينما تحاول تعلم الرقص أو اللغة تفشل، ذلك أن إرثاً يشدها لعالمه، هذا الإرث الذي يؤثر في كل المهاجرين بنسب مختلفة فيدفع سعيد السائق المسيحي لمحاولة تنصيرها أو هدايتها بحسب تعبيره، ويدفع اليمنيين إلى منع نسائهم من الخروج من بيوتهم.
لغة النص تحاول التجاوب مع عوالمه؛ فالسرد رغم احتفاظه بالفصحى لغة أساسية فإنه يلجأ إلى كتابة الكلمة الإنجليزية بطريقتين بحروف عربية (جرين وود) أو بحروف إنجليزية green woodأو يضمهما معاً وهذا يحدث غالباً في عتبات الفصول. يحمل النص في سلاسة تأريخاً فنياً لما جرى للنساء وللأقليات وللمهاجرين، ويضم قضايا تبدو بعيدة تمام البعد، فمن قضية الفلسطينيين الذين بلا وطن إلى قضايا تزويج البنات الصغيرات، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ضربت مصر عبر عقود القرن العشرين، التي بدأت بالهجرة إلى اليمن ثم الخليج، إلى استحالة إتمام بناء كنيسة في قرية نائية حتى يصبح الوصول إليها - للمفارقة - لا يتم إلا عن طريق مسجد النور الذي بناه ثري كويتي، وصار المسجد الرئيسي للقرية.
بقي أن عنوان «بروكلين هايتس» يترجم إلى مرتفعات بروكلين، ووفق شريف حتاتة فإن بروكلين ليست مدينة مرتفعة، وربما يعود ذلك إلى أن البطلة كانت تنظر إلى ما جرى بعد حدوثه فلا ألم لصفعة، ولا دمعة على مصيبة، وربما لأن هند سكنت شقة في طابق عال، وربما لأن مقام الحنين الذي عاشته وعانته استلزم انعزالاً على مرتفع منعزل في مدينة غريبة كل من فيها غريب.