عمّان: «الخليج»

يستعيد «بيت يعيش» مكانته بوصفه واجهة عمّان المعمارية، من خلال تحويله إلى مركز تراثي ثقافي تابع للجمعية الوطنية الأردنية للمحافظة على البتراء، وذلك بعد سنوات طويلة أبقته خاوياً، رغم قيمته التاريخية والاجتماعية، وما شهدته أروقته الفخمة من لقاءات فكرية وسياسية في مراحل سابقة.
وأنهت الجمعية مؤخراً مراحل ترميم البيت الكائن في منطقة جبل اللويبدة، المعروفة بأنها منبع الحراك الثقافي والفني والسياسي والفكري في عقود خلت، وتُعد بيوتها عموماً الأكثر حفاظاً على عراقة البناء القديم مع لمسات متطورة، وكانت شهدت ملتقيات الرعيل الأول في الأردن.
ويفرض «بيت يعيش» حضوراً فريداً في المنطقة، بشكله المعماري الفخم، والذي يسترجع من خلاله المارة ذكريات «فلل الباشوات»، ورموز مراحل «الزمن الجميل»، ابتداء من مدخله الرفيع، حتى ولوج حديقته المملوءة بأشجار ونباتات تحيط بجلسات مفتوحة وسط باحة واسعة إلى مجموعة غرف موزّعة على طابقين بُنيت على الطريقة الكلاسيكية المُشيَّدة على أعمدة عريضة وقاعات رحبة.
ويرتبط البيت بصاحبه الراحل بديع حافظ يعيش، الذي يُعد أحد رجالات الاقتصاد من الرعيل الأول في الأردن، وكان مقراً لعائلته، ومقصداً لاستقبال العديد من الشخصيات المعروفة حينها، ضمن احتفالات ولقاءات راقية، واعتبره بحثٌ توثيقي في الجامعة الأردنية الواجهة الفريدة للمعمار في عمّان.
ورغم أن موقع بناء البيت في منطقة تعج بالعراقة أساساً، إلاّ أن تشييده عام 1952 ترك دهشة واسعة للقاطنين وسكّان عمّان عموماً؛ بسبب اعتماده على طراز معماري فريد من الحجر المقدسي الأصفر الموشّح بالوردي والمزين بالنقوش المتميزة، وإطلالته الوارفة والفارقة على امتداد شارع يقود إلى كلية علمية تعاقب السكن على أطرافه رجال أعمال وسياسيون ومثقفون.
وذكر المهندس عمار خماش، المصمم المعماري الذي أشرف على عمليات الترميم الجديدة، أن هذا البيت تحديداً ربما يكون أحد بيوت عمّان تأثيراً في سكّان العاصمة القديمة. وقال: في بدايات أعمال الترميم كان يأتي للموقع العديد من الأشخاص ويتوسلون للمهندسين المتواجدين بأخذ الحذر والاهتمام، وعدم تغيير المكان سلباً، ووصل تعلّق بعض الناس إلى البكاء.
وأكد أن أعمال الترميم ركزت على عدم التدخل في أساسات البناء، وعدم تعريض البيت لمعالجات جائرة وعنيفة، خاصة في تفاصيل الواجهات الحجرية التي لم تُمسّ.
ووجد خماش من مميزات «بيت يعيش» الحجر الوردي الذي نُقل عند البناء من مدينة رام الله الفلسطينية، وهو حجر ترسبي من عمر العصر «الكريتاسي»، تعرض إلى عوامل جيولوجية أكسبته لوناً ذهبياً.
وأوضح أن العائلة كانت أحضرت هذا الحجر بكميات كبيرة إلى عمّان مطلع خمسينات القرن الماضي، جزء منها استعمل كذلك في بناء جامع تابع لكلية الشريعة في الشارع نفسه، والذي يتشابه في عناصره المعمارية مع البيت. ووصف خماش الواجهات بأنها في غاية الرونق والإبهار، وفيها تقاطع فريد بين العمارة الكلاسيكية الأوروبية القديمة والرومانية والنبطية، وبين عناصر عمارة شرقية تميل إلى الأرابيسك، وابتكار شخصي من «الحجّار» يدل على ذكاء.
وأضاف: يقدم هذا البيت رسالة واضحة تقوم على تحدٍّ وإعادة الاعتبار للحرفية و«لغة الحجر» التقليدية شبه المقدّسة لدى أهل فلسطين في النصف الأول من القرن الماضي، وذلك أمام موجة عمارة الحداثة المبكرة حينها، والتي اجتاحت عمّان في الفترة ذاتها.
وحسب الجمعية الوطنية للمحافظة على البتراء، المعنية بحماية وصيانة التراث الأثري والبيئي والثقافي، فإن الموقع بصدد احتضان مجموعة فعاليات وملتقيات تنسجم مع مكانته.