مارلين سلوم

هل عليك أن تُشفى منه؟ كثيرة هي الأشياء التي يتعلق بها الإنسان فيدمنها بإرادته أو رغماً عنه، ومن تلك الأشياء ما هو إيجابي و«إدمانه» ليس مضراً بل قد ينعكس خيراً عليك.

مشاهدة مسلسل مملوء بالإبداع، هو من هذه الأشياء الإيجابية التي تقودك إلى «إدمان» مشاهدة العمل بملء إرادتك.
يشدك لتكون أسيره بكل حواسك، لدرجة أنك تصبح تحت سيطرته يومياً ولا ترغب في الإقلاع عنه، كما كانت حال كل من شاهد مسلسل «تحت السيطرة»، وأصبح أسيره طوال 30 ليلة في رمضان.
قبل أن تشاهده تتردد، لأن فكرة ارتباط مسلسل بموضوع «المخدرات» تثير فيك الاشمئزاز مسبقاً، إذ لطالما عودتنا السينما والدراما على المَشاهد المقززة والابتذال والسوقية والعنف أثناء تناولها لهذا «المرض» المتفشي في العالم، إضافة إلى السطحية في المعالجة.

غالباً ما نخاف على الصغار والمراهقين من المشاهدة، لأن الشاشة قدمت المدمن باعتباره منبوذاً من المحيطين به، والشباب يدخلون في حالات غيبوبة أو ضياع أو إجرام دون أن تظهر السلبيات الحقيقية للإدمان، ودون أن يفهم الصغار ما الضرر من تعاطي المخدرات، ولماذا كل هذه السلبية في نبذ الأهل والمجتمع للمدمنين؟ لذا لم يكن من السهل اتخاذ قرار مشاهدة «تحت السيطرة» لولا ثقتنا المسبقة بكاتبته مريم نعوم وشريكتها في النجاح المتواصل النجمة نيللي كريم، ومعهما اسم نضيفه إلى مثلث الإبداع المخرج تامر محسن.

مريم نعوم حفرت اسمها في عقل المشاهد منذ مسلسلات «ذات»، و«موجة حارة» و«سجن النسا»، وفي كل خطوة تتقدم أشواطاً لتؤكد أنها لا تقل إبداعاً عن كبار كتّاب الدراما العربية الراحلين والحاضرين، بل هي قادرة على أخذ الدراما إلى مناطق جديدة لم نعهدها سابقاً، بجرأتها في الطرح، وبراعتها في حياكة الشخصيات والأدوار والحرفية في السيناريو والحوار.
تكتب وكأنها تفكر في الممثل وتريده أن يتقمص الدور ملياً، كما هو مكتوب كي تصل رسالتها كاملة غير منقوصة أو مشوهة إلى الجمهور.
تخاف على فكرتها وقصصها وأبطالها فتكتب بكل عناية أعمالها، ما يسهل على الممثل أن يرتدي الدور ويخرج كل طاقاته ويتحرر من قيود القوالب التقليدية والنمطية.
يخرج مع ورق مريم نعوم إلى مناطق الخطر، فإما أن يجيد فهم الشخصية وأبعادها، وإما أن يكتب فشله بنفسه ويخرج خارج إطار العمل ككل.
وهذا الورق يسهل عمل المخرج أيضاً، علماً بأن «تحت السيطرة» كان صعباً بكل تفاصيله، لأنه يتناول موضوعاً دقيقاً وحساساً، لا مناطق وسطية فيه، فإما أن ينجح بقوة وإما أن يفشل ويسقط معه كل العاملين فيه وبقوة أيضاً، لأنه سيواجه نقمة الجمهور والنقاد وانتقاداتهم اللاذعة له.

تامر محسن مخرج أكثر من جيد، فيكفي أنه قدم لنا المدمنين والمخدرات، وكل تلك الصور البشعة والمؤلمة، بعين جميلة، أي أنه ارتفع بنظرته لهذه المواضيع والفئة من المجتمع إلى مستوى راق في التعامل معها، ولم ينزل إلى الحضيض، وهذا نراه فعلياً بجمال الصورة والمناطق والأماكن التي تم التصوير فيها، فهي تريح النظر وتشع نوراً حتى في أحلك الأوقات، وفي البؤر التي يؤوي إليها المدمنون.

نظرة متفائلة، تريح عين المشاهد فيقبل على المتابعة بلا انزعاج أو نفور، كما ترتقي بذوقه.

ومن ذكاء المخرج وزوجته الكاتبة مريم نعوم أنهما تناولا معاناة المدمنين وتدهور حياتهم وكثيراً من التفاصيل الحقيقية، دون أن نضطر إلى رفع راية «للكبار فقط»، ونخاف على الأبناء من مشاهدته، بل على العكس، من الضروري أن تشاهده العائلات كي يسهم أولياء الأمور في توعية أبنائهم من مخاطر هذه الآفة بشكل منطقي وقريب جداً من الواقع.
كل من شارك في «تحت السيطرة» هو بطل يؤكد نجوميته أو يسجل اسمه لأول مرة في سجل نجوم الشاشة العربية.
سرد الأسماء لن يكفي، فلكل منهم مميزاته، وكل أجاد تقديم الشخصية كما يجب، بدءاً من نيللي كريم إلى ظافر العابدين، ومحمد فراج، وأحمد وفيق، وهاني عادل، ورانيا شاهين، وماجدة منير.
وحتى الوجوه الجديدة وأبرزها جميلة عوض التي أصبحت نجمة مع ظهورها الأول على الشاشة.
مجموعة أبطال تشاركوا في تقديم شخصيات أحببناهم وخفنا عليهم ووددنا إنقاذهم، حتى من ذهب للشيطان برجله، وتعمق في الإدمان أشفقنا عليه، وانتظرنا لحظة خروجه من تحت سيطرة المخدرات.
وهنا لابد أن نتوقف عند نيللي كريم التي تفاجئنا بإبداعها في كل عمل، وكأننا نكتشفها من جديد.
في كل عمل نشعر بأنها تخبئ ما هو أكثر مما قدمته سابقاً، وفي كل مرة نحسب أنها أعطت كل ما لديها.
كيف تلبس الشخصية؟ كيف تقنعنا بأنها مريم المتعافية من الإدمان والعائدة إليه رغماً عنها، والمتعافية مرة ثانية بكامل إرادتها؟ نصدقها لأنها طبيعية وحقيقية لا تتصنع في أي مفردة من أدائها.
تتشنج وتتغير كل ملامحها بين كل حالة وأخرى: الحزن والغضب والفرح والألم والحنان. حتى عينيها تعبران عن حالات الانخطاف، ومعاناة الروح.
هذه الممثلة تستحق أن تتربع على عرش نجمات الدراما العربية كل عام وبلا منازع.
أهم ما في «تحت السيطرة» أنه يكشف بوضوح أن طريق إدمان المخدرات مسدود، وإن لم يكن مظلماً، أي أنه يأخذ المدمن إلى قاع اللا آدمية، فيصبح أسيره بفكره وجسده ومشاعره، يبيع من أجله أي شيء وكل شيء.
مشاهد السرقة تكررت، هانيا، علي، طارق، إنجي، ميزو..
كلهم يسرقون من أجل شراء المخدرات، بل يسرقون أهليهم، وبيوتهم، ويبيعون أجسادهم ويضحون بأغلى الناس إلى قلوبهم من أجل جرعة من السموم. ومصيرهم جميعاً الهلاك إلّا من شاء العودة والعلاج.
كل منهم دفع ثمن الإدمان بطريقة ما، مريم (نيللي كريم) طاردها ماضيها فعكر عليها صفو حياتها الزوجية، وتسبب بطلاقها وحرمانها (ولو مؤقتاً) من ابنتها.
هانيا أصيبت بشلل، إنجي وميزو أصيبا بالإيدز، طارق قتل أخاه الأصغر عن غير قصد..
مريم نعوم دقيقة وصادقة فيما تكتبه، فهي انتقت الألفاظ والمصطلحات فأصبحنا نعرف قاموس المدمنين: الضرب، التبطيل، وغيرهما..
فهمنا كل المراحل التي يمرون بها منذ الإغراء الأول، وكل مسيرتهم مع العلاج..
التقت 50 مدمناً أثناء كتابتها للمسلسل، منهم من «تعافى» ومنهم من يرفض التعافي. أخذتنا إلى عالمهم الحقيقي، فرأيناهم، ورأوا أنفسهم أمام مرآة صادقة.
قدمت النوعين المتشائم والمتفائل، من يصدق أن التعافي ممكن، ومن لا يؤمن بوجوده، وهو السؤال الذي يدور في ذهن كل مشاهد: هل الشفاء من المخدرات ممكن طول العمر، أم أن المدمن مهدد «بانتكاسة ما قد تعيده إلى المخدرات مع أي أزمة أو صدمة يمر بها؟» الجواب يأتي مرتين، مرة على لسان علي (محمد فراج) الذي يقول لهانيا (جميلة عوض): «التبطيل مش موجود، مجرد وهم يضحكون به عليك»، لقناعته بأن التخلص من الإدمان مستحيل، ونرى طارق (أحمد وفيق) المتذبذب طوال الوقت بين الاستسلام للمخدرات، والرغبة في مقاومتها والتطهر منها.
لكن المشهد القوي والرد الحاسم القاطع يأتي في الحلقة الأخيرة، والذي يعتبر نقطة الذروة الدرامية، في مشهد الرجل رؤوف الذي جاء إلى مركز العلاج ليحكي قصته مع الإدمان.
ماجد الكدواني كان أيضاً في قمة أدائه، كان بطلاً للعمل، وليس مجرد ضيف شرف، تحدث مدة قاربت ربع الساعة، فأبكانا جميعاً، وأقنعنا ببشاعة المخدرات وبأهمية العلاج.
اختصر المسلسل بحكاية رسالة مهمة جداً وهو يبث الحزن والألم والأمل في الوقت نفسه قائلاً إن «التبطيل» حقيقي وممكن إذا أراد الإنسان.
نجم ظهر في دقائق ليترك علامة فارقة في الأداء وفي المسلسل.
«تحت السيطرة» مسلسل تدمنه وترغب بكل عقلك وإرادتك ألّا تشفى منه، كي تنهض الدراما العربية بأكملها، وتأتيك بأعمال بنفس المستوى، فيها الكثير من الجرأة بلا وقاحة، ورسالة واضحة تأثيرها إيجابي على الناس.
وهو أول عمل سواء في السينما أو التلفزيون يكشف لنا كيفية العلاج من المخدرات، وما المراحل التي يمر بها المدمنون دون أن يقدمهم كمنبوذين وفئة ضالة وكفى.

[email protected]