د. صبري مسلم حمادي
منذ عنوان رواية «خرجنا من ضلع جبل» للروائية الإماراتية لولوة المنصوري، نحس بأن الروائية تسعى إلى أن تتميز، وأن يشع عنوانها بأكثر من ضوء، إذ تحيل جملة العنوان «خرجنا من ضلع جبل» إلى قصة الخليقة، وفي متن الرواية، وبعد استهلالتها مباشرة، يرد على لسان الساردة داخل النص: «خرجت من ضلع جيس».

تنتقي لولوة حدثاً أساسياً ترتكز إليه الرواية مستمدة إياه من الخرافات الشعبية، التي تُروى على لسان أم الراوية: «تقول أمي إن البلدة مصابة بداء الكهولة، وسببه حجاب طمر بطرفة عين تحت الحائط الطيني لمقبرة الجبل»، وهذه اللعنة مما يرد في الأساطير والملاحم الشعبية، وهي تذكرنا بغضب الآلهة المتعددة في مرحلة ما قبل الأديان، وإغراق البشرية في الطوفان الذي ورد في ملحمة جلجامش، وحسبما ورد في أسطورة جلجامش: «تحطمت البلاد الفسيحة كما تتحطم الجرة، وصار الأخ لا يبصر أخاه، وحتى الآلهة ذعرت من عباب الطوفان، فهربت وعرجوا إلى سماء آنو (وهي السماء السابعة الخاصة برب الأرباب (آنو) عند السومريين)، وصرخت عشتار كما تصرخ المرأة في الولادة: واحسرتاه، لقد عادت الأيام الأولى إلى طين» كما وردت اللعنة في مسرحية «أوديبيوس ملكاً» للكاتب الإغريقي سوفوكليس، حيث تحل اللعنة على طيبة بسبب خطأ غير مقصود اقترفه أوديبيوس حين قتل أباه وتزوج من أمه، وأمّا في الأديان السماوية، فإن الإشارة تتكرر إلى الأقوام الذين عاقبهم الله بالإبادة لأنهم كانوا عصاة خاطئين كقوم عاد وثمود وسواهم.

وتعيد الروائية لولوة صياغة فكرة اللعنة هذه، بما يتناسب مع مضمون روايتها، حيث تكون هند بطلة الرواية مفتاح الخلاص من هذه اللعنة، لأنها هي الوحيدة التي نجت من داء الكهولة، يخاطبها أبوها: «أنت حاملة لواء الجبل وتصحيح النسل»، وتصف الساردة أطفال المكان بأنهم كهول، وأن «كل من يخرج من رحم البلدة يولد كهلاً» مستلهمة الحكايات التي تقوم على فكرة المسخ، وهو مما يرد كثيراً في الحكايات الفولكلورية، وعلى سبيل الاستدلال نذكر أن الروائي فرانز كافكا استفاد من هذه الفكرة في روايته المعروفة «المسخ»، وكان يرمز لانسحاق الإنسان تحت وطأة الاستغلال.
وينفتح الرمز الكامن في مسوخ الرواية على أكثر من تأويل، إذ ربما قصدت الرواية ضعف هذه الأجيال وعدم قدرتها على التطور والنمو، ومن المعروف أن النص الذي يشي بأكثر من مضمون هو نص خصب على وجه العموم. لا سيما أن الخلاص من اللعنة يتحقق على يد هند ابنة المكان، حين تتزوج من هيثم يعقوب الذي ينتمي إلى سلالة خارجة عن جذور البلدة، وهذا شرط من شروط إنقاذ المدينة من لعنة إنجاب أطفال بوجوه كهول، وهنا نقف قليلاً كي نحاول تأويل الرمز القابع خلف هذا الحدث، تُرى هل قصدت لولوة أن إنسان هذه المدينة لا بد له أن ينفتح على أجناس أخرى كي ينتج جيلاً أقوى وأكثر قدرة على تحمل مسؤولية الحياة الجديدة؟ ولكن خاتمة الرواية تشي بخيبة أمل هند بأبنائها السبعة، تأمَّل النص: «أولادي السبعة الذين خرجوا من ضلعي، دخلوا الآن ضدي، استعذت من الشيطان الرجيم، لكنهم غاروا عميقاً في الذاكرة الأولى» ثم إن أولادها غادروا المكان.
وآية ما ذكر أن لولوة المنصوري في روايتها «خرجنا من ضلع جبل» كانت مسكونة بهاجس المغايرة حد المشاكسة أحياناً، وهي تورد أجواء غرائبية وجدت بعضها في عالم الأساطير والفولكلور والتراث عامة، وقد نسجت رموزاً كثيرة، يشف بعضها عما وراءه، بيد أن بعضها لا يبدو كذلك، وهو مما يمكن أن يؤوله القارئ على أكثر من وجه، لقد كان نصها الروائي هذا ميداناً للتصادم والتجريب - كما عبر شعيب حليفي في كتابه (شعرية الرواية الفانتاستيكية) - وعن طريق خلخلة البديهي الهش وتدمير المكرر والمعهود والمتوقع واستثارة أقصى الحيرة والإدهاش معاً، إلا أن قارئ النص قد يتساءل: ترى لو اقتطعنا بعض الأجزاء من الرواية، تلك التي وردت عن الموسيقى ص 115 أو لسعة النحل ص119 أو الدائرة ص125 على سبيل الاستدلال.. هل سيتأثر النص بهذا القطع؟ وهل من الضروري أن تنتظم مفاصل الرواية كلها في محور واحد؟ على أن هذا لا يضير بالرواية القصيرة «خرجنا من ضلع جبل» التي كتبتها لولوة المنصوري، وصاغت جملها السردية صياغة متقنة تشي بموهبتها السردية وقدرتها على أن تتجاوز المألوف والمكرور والرتيب متجهة صوب ابتكار عالمها السردي الخاص.