ماذا بعد مسلسل «خيانة وطن»؟ فالنجاح الذي حققه مكسب يجب الحفاظ والبناء عليه، لتقديم أعمال لها نفس الثقل والمستوى إن لم يكن أفضل، خصوصاً بعد أن كسب العمل رهان تناوله قضية وطنية تلامس كل من يعيش على أرض الإمارات، وأثبت أن للنجاح الدرامي وصفة بعيدة عن التكرار والاستعجال والأفكار التي لا تهم إلا كاتبها ومنتجها وحدهما. إلى ذلك وضع هذا النجاح الجميع أمام تحد، مفاده أن جمهور المشاهدين لن يقبل بعد ذلك بعمل أقل مستوى. كيف يمكن أن يكون نجاح «خيانة وطن» البداية لتطور الدراما الإماراتية؟ عن هذا السؤال يجيب عدد من أهل الفن في الإمارات.
د. حبيب غلوم، المنتج المنفذ لمسلسل «خيانة وطن»، من خلال شركة «سبوت لايت» للإنتاج الفني، وأحد أبطاله، يقول: إن الدراما الإماراتية بدأت بالفعل تشهد تغيراً منذ اللحظة الأولى التي حظي بها المسلسل بالنجاح، والتساؤل اليوم هو: كيفية الحفاظ على المكتسبات التي حققها العمل للدراما الإماراتية، والمكانة التي وصل إليها في قلوب الجمهور، والدفع بالتغيير الذي أحدثه إلى الأمام؟ فالفنان والمنتج الإماراتيان باتا مطالبين بإثبات أن الدراما الإماراتية يمكن أن تنافس بقوة، بفضل اقترابها من الواقع أو تجسيدها له، من خلال تناول قضايا الوطن والمجتمع.
ويحدد د. غلوم أبرز عناصر نجاح هذا العمل، ونجاح غيره مستقبلاً، بالقول: أولاً القضية التي تناولها، وهي قضية «التنظيم السري للإخوان المسلمين» وتهديده لأمن الدولة، كان لها الأثر الكبير في النجاح، واستقطب هذا التناول مشاهدة المسلسل بكثافة. أما العنصر الثاني والذي أراه، كمنتج، من أبرز العناصر، فهو وضع الإنتاج نصب عيني القضية التي يتناولها العمل، وإبرازها بالشكل السليم، ومنحها كل ما تحتاج إليه من وقت ومن كادر فني، للخروج بعمل ناجح يرضي الجمهور.
ولأن المسلسل مأخوذ عن العمل الروائي «ريتاج» لصاحبه الدكتور حمد الحمادي، فهل يمكن المراهنة على الكاتب الإماراتي لتحقيق النجاح والتطور المأمولين للدراما الإماراتية؟ يجيب د. غلوم: لدينا عدد من الكتاب الذين أراهن على قدرتهم على تقديم كتابات درامية تتعلق بقضايا وطنية، ما يشكل إضافة حقيقية إلى الدراما الإماراتية، ومن هؤلاء جمال سالم، ومرعي الحليان، وناجي الحاي، والذين لو جاءتهم الفرصة سيضيفون إبداعاً إلى إبداعاتهم. مضيفاً: تناول القضايا الإنسانية التي ابتعدنا عنها، والتي لمس «خيانة وطن» كثيراً منها، ويعتبرها الكثيرون قضايا قديمة، سيكون رهاناً رابحاً للانتقال بالدراما الإماراتية من حال إلى حال أفضل، وليس بالضرورة تحويل العمل الأدبي إلى درامي لضمان نجاح المسلسل.
ويختم د. غلوم حديثه بدعوة نفسه وزملائه إلى تغليب المصلحة الوطنية والاجتماعية على المصلحة الشخصية، في إنتاج الدراما الإماراتية، وعدم التفكير في الربح المادي على حساب المضمون، وكذلك عدم الاستسهال في الكتابة، وضمان وجود نخبة من الكوادر الفنية التي يمكنها تحمل المسؤولية، إذ سيكون كل ذلك مفتاح النجاح ونقلة للدراما الإماراتية.
عوامل جذب
المنتج والفنان الإماراتي سلطان النيادي، مؤسس شركة «ظبيان للإنتاج الفني»، يعد من أوائل المنتجين الذين تناولوا القضايا الاجتماعية والوطنية في مسلسلاتهم، من ذلك مسلسل «طماشة» و«حاير طاير» وغيرهما، يقول: القضية الوطنية التي تناولها «خيانة وطن»، كانت الورقة الرابحة التي جذبت الجمهور، بغض النظر عن طريقة معالجته الدرامية، فهو عمل وطني بامتياز، والجمهور متعطش لمشاهدة قضاياه الوطنية على الشاشة. كما أن الإعلان المكثف عن العمل قبل عرضه، ولد لدى الجمهور الشغف لمشاهدته، ولو من باب الفضول.
ويضيف: أعتقد أن كل منتج يحلم بفرصة إنتاج عمل وطني في قيمة «خيانة وطن»، لأن نوع القضية التي يتبناها العمل تضمن نجاحه. مشيراً إلى أن الموضوعات التي تمس القضايا الوطنية والأمنية والاجتماعية، ذات المساس المباشر بحياة المواطنين، من أكثر العوامل الجاذبة للمشاهدة. وذكر مثالاً على هذا حلقة مسلسل «حاير طاير» عن المجلس الوطني، وحلقة «إخوان شما» في مسلسل «طماشة»، إذ حققت الحلقتان أعلى نسب مشاهدة للمسلسلين، لتناولهما قضايا حساسة.
أزمة النص
تشير الكاتبة الإماراتية وفاء العميمي، التي تتجه إلى الدخول إلى عالم الدراما الإماراتية، إلى أنها قرأت رواية «ريتاج» قبل تحويلها إلى مسلسل ، وجذبتها طريقة تناول كاتبها للأحداث. وترى أن تحويل الرواية إلى مسلسل كان لمصلحتها، لثرائها وأهمية الموضوع الذي تتناوله، ذلك أن قضية «التنظيم السري»، التي كانت هي أحد المغردين ضده على «تويتر»، قضية في غاية الأهمية، كشف تناولها العديد من التفاصيل التي لن يدركها من يكتفي بالاطلاع على الأخبار الصحفية، دون معايشتها، وهو ما أتاحه العمل الدرامي «خيانة وطن».
وعن أهم أسباب نجاح المسلسل تقول العميمي: كانت لدينا دائماً أزمة «كاتب النص الدرامي»، وكنت أطلع بشكل كبير على آراء المنتجين بهذا الخصوص، وتأكيدهم أن أزمة النص مشكلة حقيقية، تجعلهم يستعينون بكتاب من خارج الإمارات، ومن ثم فهم بعيدون عن الواقع الإماراتي، ولا يستطيعون ترجمة مشكلات هذا الواقع. أما ما يميز «خيانة وطن» فهو أن كاتب الرواية وكاتب النص التلفزيوني، وعدد كبير من الطاقم الفني، من الإماراتيين الذين عايشوا الأحداث، ما خلق حالة تفاعل مع هذه الأحداث من قبلهم ومن قبل المشاهدين.
وتؤكد العميمي أن المسلسل وضع على الكتاب والمنتجين مسؤولية الارتقاء بالدراما الإماراتية، ووضعهم أمام تحدي إخراج عمل درامي إماراتي، بمستوى أعلى إن لم يكن بنفس المستوى، على ألا يتكرر الموضوع، بل يتم التطرق إلى قضايا أخرى بشرط اقترابها من الواقع، والقضايا في هذا الخصوص كثيرة، من أبرزها الأوضاع الأمنية الراهنة خليجياً وإقليمياً، والحرب ضد الإرهاب، وجنودنا في اليمن، وغيرها.
نقلة متميزة
يرى الفنان الشاب ياسر النيادي أن «خيانة وطن» شكل نقلة متميزة للدراما الإماراتية، كونه يحمل هدفاً واضحاً ويناقش قضية ساخنة، يقول: سيفتح «خيانة وطن» الباب أمام تناول القضايا الوطنية، ولكن ما نتمناه هو التناول والمعالجة الفنية التي يجب أن ترقى إلى تلك الموضوعات، فمن يُقبل اليوم على طرح عمل درامي إماراتي راقٍ، لا بد أن يستعد له بجميع الإمكانيات المادية والفنية، وأن يتم التحضير للعمل قبل فترة كافية، وأن تتكاتف الجهود لإخراجه بالشكل الأمثل، فنحن نشهد في الدولة تطوراً وطفرات لافتة في حياتنا اليومية، تنشأ عن تكاتف جميع القطاعات، فلم لا نشهد الأمر ذاته في الدراما؟
يضيف: نحن نملك الإمكانيات المادية والفنية، ومن يقول إنه تنقصنا الإمكانيات الفنية، فلا بأس من الاعتماد على بعض الكوادر الفنية من الخارج، ليتم تناول قضايانا بالشكل الأمثل، إذ بات المشاهد مترقباً لعمل يفوق «خيانة وطن»، ولن يقبل الثغرات أو المستوى الأقل. فاستخدام القضايا الوطنية والاجتماعية في الدراما بالفعل ورقة رابحة، لكن على أن يكون بطريقة تشعر المشاهد بالجهد المبذول، لجهة ضخامة الإنتاج، والصناعة الدرامية، ومنحها الوقت لتظهر بالشكل المطلوب.
البعد عن التكرار
للحفاظ على مكتسبات نجاح «خيانة وطن»، يراهن الفنان عمر إبراهيم، الذي شارك هذا العام للمرة الأولى كممثل في مسلسل «غمز البارود»، على قدرة المؤلف الإماراتي على تناول موضوعات ذات سياقات مختلفة، تبتعد عن الموضوعات التي يتم تكرارها في الدراما الخليجية والإماراتية، كالزواج والطلاق والحب والمخدرات. يقول: على المؤلفين أن يستفيدوا من نجاح «خيانة وطن»، في عنصر الحركة «الأكشن» الذي كان أحد عوامل نجاح المسلسل. مؤكداً أن تناول أفكار غير مكررة، وإدخال عنصر التشويق، هو ما سيأخذ الدراما الإماراتية إلى محل آخر، تتفوق فيه على نفسها وعلى الدراما الخليجية.
وعن أبرز عناصر نجاح المسلسل، يقول إبراهيم: جرأة الفكرة التي خرجت عن سياق المألوف في الدراما المحلية، وكذلك الموضوع الوطني الحساس الذي استند إليه، فلم نكن نشاهد تلك الموضوعات إلا في المسلسلات المصرية والسورية والأجنبية، وهذا ما جذب المشاهدين إلى المسلسل منذ الحلقة الأولى، لكن هذا النجاح لا يعني أن تعتمده الدراما الإماراتية كخط ينتهج، بل هناك العديد من الأفكار التي يمكن استثمارها لإنتاج دراما إماراتية متميزة دون تكرار، سواء لفكرة «خيانة وطن» أو ما سبقه.
إرادة المواطن الإماراتي
تناول المخرج إياد الخزوز في مسلسليه «دعاة على أبواب جهنم» و«سمرقند» قضية الإرهاب، وهذا الأخير يتقاطع فكرياً مع «خيانة وطن»، وفق الخزوز، من حيث مصدر الحركات الدينية المتطرفة، وارتكازها على نفس الأدبيات والأدوات، مع بعض التطورات التقنية.
ويقول الخزوز إن نجاح «خيانة وطن» يحسب لإرادة المواطن الإماراتي، الذي رفض أي تدخل ومساس بأمن دولته، معتبراً إياه نجاحاً للفكر المستنير الرافض للأفكار الغريبة، التي لا تناسب تسامح المجتمع الإماراتي وثقافته وأصالته، فجاء المسلسل ليعبر القائمون عليه والجمهور المشاهد عن وقوفهم صفاً واحداً في مواجهة «التنظيم السري». مضيفاً أن هذا النجاح يضع المنتجين وإدارات التلفزيون أمام تحد، هو الاختيار الجيد للموضوعات التي يتم إنتاجها، باختيار قضايا وطنية تلامس المواطن بشكل مباشر، وفي الوقت نفسه تستقطب الروائيين الذين يكتبون في هذه الموضوعات للدراما الإماراتية، لضمان الاستمرارية.
أما أبرز العناصر التي تضمن تحقيق الدراما الإماراتية نجاحاً يماثل نجاح «خيانة وطن»، فهي من وجهة نظره: اختيار النصوص المتميزة، كما هي الحال مع رواية «ريتاج» للدكتور حمد الحمادي، وتناول القضايا الوطنية التي تعزز الانتماء والولاء للوطن، وتحارب الإرهاب والتطرف وتكون قريبة من الشارع الإماراتي، مع تناول التطور والازدهار في الدولة، والنمو المطرد باتجاه المستقبل بما يتماشى مع جهود الدولة ومكتسباتها، بعيداً عن القوالب الميلودرامية غير ذات الجدوى، والدراما التي تمثل كاتبها ومنتجها ولا تمثل المجتمع.