دبي: محمد حمدي شاكر

أسواق دبي موجودة منذ قرون ولم ينفرط عقد هذه التجارة الرائجة منذ عقود، لأن التاجر يعرف أن سوقها لن يركد، ولأن المشتري أياً كانت جنسيته يعلم جيداً أن الطعام بلا توابل خاصة الشرقية لا مذاق له، ومن هذه الأسواق سوق التوابل والبهارات بدبي، فبمجرد أن تطأ قدماك المنطقة التراثية بدبي، وتحديداً السوق الكبير بمنطقة الراس، تجد عدة روائح تبدأ تعريف نفسها بنفسها، كالهيل، الزعفران، القرنفل، الفلفل الأسود، المسك، البخور، والعديد من الروائح المميزة لهذا السوق، فإذا كنت تسعى للشراء، فالمساومة على الأسعار أمر معتاد عليه في هذا السوق، وحتى داخل المتاجر الكبرى، وعليك أن تسعى للحصول على السعر الأفضل خصوصاً عندما تدفع نقداً، وهي الوسيلة الأكثر شيوعاً للدفع، مع عدم قبول العديد بالبطاقات الائتمانية، أو الخصم المباشر هناك.

يعد سوق التوابل، الواقع تحديداً في السوق الكبير بمنطقة الراس، من أقدم الأسواق في دبي، يقع على الضفة الشمالية لخور دبي، شيد منذ 160 عاماً، وكان يطلق عليه البعض «سوق الدويات» نسبة إلى الأعشاب الطبيعية، التي كانت تباع فيه إلى جانب البهارات والتوابل، وتستخدم كدواء للمرضى، ويتميز بطريقة تصميمه وبنائه على النظام التراثي القديم، فالمحال كلها من طابق واحد، ومغطاة بالدعائم الخشبية المصنوعة من سعف النخيل.
يطل السوق على شارع بني ياس الواقع على خور دبي، ويمكن الوصول إليه عن طريق المترو باختيار محطة الراس، ويستغرق من 10 إلى 15 دقيقة سيراً على الأقدام من محطة المترو، ويقع خلفه سوق الذهب، وأسواق الجملة في دبي، ويأتي سر وجوده على الخور لعدة أسباب أهمها أن البضائع التي كانت تأتي من مختلف دول العالم إليه، كانت ترسو سفنها في الخور، ومن ثم تنقل تلك البضائع إلى داخل المحال المتواجدة بالسوق الكبير.
تعد التوابل من الأساسيات العامة لإعداد الطعام، وتميز نكهاتها المختلفة المطابخ عن بعضها، فالمطبخ العربي بمختلف جنسياته، يختلف عن الأوروبي أو الآسيوي باختلاف النكهات التي تضيفها هذه التوابل للطعام، ولا يخلو أي منزل من التوابل، وهي الشيء المميز لأي طعام وأي طبخة حول العالم، من تلك النقطة تحديداً يأتي جميع زوار دبي من مختلف بلدان العالم إلى تلك المنطقة، فهناك تجد جميع الجنسيات، منهم المقيمون والسائحون، والذين جاؤوا خصيصاً للزيارة وشراء الهدايا التذكارية، باعتبار هذا المكان أحد معالم دبي التراثية، ومثالاً للتمازج الموجود، حيث يجمع بين القديم والحديث في آن واحد، وهناك مقولة لبعض الخبراء العالميين يوضحون فيها أن هذا السوق يحوي تشكيلات توابل قد يعجز عن معرفتها أشهر المطابخ العالمية، والمنافسة فيه بين التجار على جودة الزعفران تحكى فيها القصص، حتى إنه قد يصل كيلو الزعفران الحر عالي الجودة، إلى 25000 درهم إماراتي.
وإلى جانب توابل الطعام والنكهات المختلفة الموجودة في السوق، التي تضفي طعماً ونكهة مميزة لأي طعام، يضم السوق أيضاً، منتجات عالية الجودة، محلية و أجنبية، من الأرز والتمور والفواكه المجففة والمكسرات، فضلًا عن كل مستلزمات الشيشة والطبخ والأواني الفخارية بنقوشها الرائعة، أضف إلى ذلك وجود العديد من التوابل الغنية بالأملاح المعدنية التي يحتاجها الجسم البشري، وبعضها يحتوي على الكالسيوم اللازم لبناء العظام، كما تحتوي بعضاً من الأنواع المعروضة على العديد من الفيتامينات، مثل الحديد والبيتاكاروتين والكالسيوم وعلاج بعض الأمراض، فعلى سبيل المثال القرفة تستخدم لعلاج الأسنان، إلى جانب أهمية أخرى في الماضي كان يقارنها البعض بأهمية الذهب، إذ استخدمت لأغراض مع خلطها بقليل من الزنجبيل مع غليانها في الماء لعلاج احتقانات الحلق.
ويتميز سوق التوابل بمنطقة الراس باتساعه وتنوع معروضاته، التي لا تقتصر على البهارات فحسب لكنه يضم بعض المحال المتخصصة في بيع السجاد والأقمشة والأواني والهدايا التذكارية، إلى جانب سوق كبير للذهب والمجوهرات وغيرها الكثير.

العربية والهندية ذائعة الصيت

يقول عبيد الله أحسن، أحد تجار سوق التوابل والبهارات الباكستانيين، والمتواجد بالمنطقة منذ أكثر من 20 عاماً: التوابل بشكل عام هي المواد المجففة التي تضيف النكهات المتنوعة إلى الطعام، وتتوافر على عدة أشكال منها بذور النباتات، جذورها، وأوراقها، إضافة إلى هذا لها العديد من الاستخدامات وليست قاصرة فقط على فكرة الطعام وإعطائه نكهات مختلفة، إذ تستخدم العديد من التوابل والبهارات بشكل كبير جداً في عمليات العلاج المختلفة، كتخفيف الألم، علاج الكوليسترول، علاج السمنة، والنحافة، وغيرها من الأشياء الأخرى المفيدة لجسم الإنسان.
ويضيف موضحاً: بالإضافة إلى التوابل والبهارات العربية ذائعة الصيت، هناك أيضاً توابل هندية وإيرانية تحتوي هي الأخرى على نسب عالية جداً من المواد التي يحتاجها جسم الإنسان، وقائمتها كبيرة وتضم العديد من الأسماء التي تحتوي وحدها على العديد من التوابل أيضاً، فتجد على سبيل المثال الكاري، والمعروف بشكل كبير في الأكلات الهندية والباكستانية، فيشمل بداخله الكزبرة، القرفة، الثوم، الكمون، الكركم، والفلفل، وتعتبر الهند أكثر الدول الموجود بها توابل وتزرع فيها على مدار السنة.
ويوضح أحسن: بخصوص فترات الإقبال على السوق، والسبب في هذا الإقبال: السوق طوال العام مزدحم، وبه العديد من الجنسيات من مختلف دول العالم، إضافة إلى أن العديد من الجنسيات تأتي خصيصاً إلى هنا، أثناء زيارتهم للإمارات، لاستنشاق تلك الروائح القوية، وأخذ بعض التوابل، التي لا تتواجد في دولهم نهائياً.
ويقول التاجر عبيد الله، إن هناك العديد من التجار حول العالم يأتون خصيصاً طوال أيام العام لشراء بعض البهارات والتوابل الأصلية من السوق، لبيعها في بلدانهم.