بيروت:هناء توبي

انتشرت في أوساط الشباب ظاهرة تداول اللغة العربية بطريقة مغايرة للمألوف، يطلق عليها «العربيزي»، وهي أبجدية غير محددة القواعد تسمح بكتابة الكلمات العربية بالأحرف اللاتينية واستبدال الاختصارات المتعارف عليها والأرقام بالأحرف غير الموجودة في اللغات الأجنبية، مثل الحاء والعين والطاء والظاء وغيرها.
ابتكر تلك الأبجدية المستحدثة، أفراد الجاليات العربية التي تعيش في الغرب، ووجدوا فيها حلاً لافتقار أجهزتهم الإلكترونية إلى لوحات مفاتيح عربية فشرعوا يستخدمونها في الدردشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى اخترقت حياة الشباب في كل البلدان العربية.
وعلى الرغم من توافر لوحات مفاتيح عربية في الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية حالياً، فإن تلك الأبجدية تزداد انتشاراً لأنها تعفي الشباب من الالتزام بقواعد اللغة العربية وتحول دون وقوعهم في الأخطاء الإملائية، إضافة إلى اعتبارها خاصّية تعبر عن انتماء مستخدميها إلى مجموعة شباب تطبع حياتها بطابع لغوي خاص بهم. لكن الأكيد أن هذه «العربيزي» تسيء إلى اللغة العربية وتهدد عرشها وتجعلها لغة غريبة ومعقدة، خصوصاً عندما تستبدل الأحرف بالأرقام مثل استبدال الرقم «3» بالحرف «ع»، فتتحول كلمة «معك» إلى «m3k»، ورقم «8» بالحرف «ق»، و«ط» برقم 6، لتتحول كلمة «طريق» إلى «6ri8»، والحرف «ص» برقم «9» فتصبح «صورة» (9orh) وغيرها من كلمات لا حصر لها، تثير تخوف الجهات المدافعة عن اللغة العربية والغيورة عليها.
الدكتورة سارة ظاهر، رئيسة جمعية «بالعربية»، تشير إلى أن الجمعية تعقد الاجتماعات وتقيم المؤتمرات لدق ناقوس الخطر الذي يهدد اللغة العربية. تقول: «ندرك أن الهجمة الرقمية أثرت سلباً على اللغة العربية لكننا لا نريد أن يستمر الحال على ما هو عليه، لأنه بالإمكان الإفادة من التبادل والتواصل الإلكتروني لتعميم اللغة العربية الفصحى أكثر في البلدان العربية والعالم».
ويعتبر فيصل طالب، مستشار في وزارة الثقافة اللبنانية، أن اللغة العربية تملك جهوزية التحدي بما تمتلك من قدرات ذاتية، ويؤكد أنها ليست أداة للاتصال والتواصل فحسب بل جزء مهم من مقومات الهوية الثقافية التي تتعرض لمخاطر العولمة والتراجع الذي يصيبها ليس منعزلاً عن التراجع العام الذي أصيبت به الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في الدول العربية.
ويطالب الدكتور إسماعيل شاهين، نائب رئيس جامعة الأزهر، بالاحتفاء باللغة العربية على مدار العام، وليس ليوم واحد في السنة (18 ديسمبر/‏‏‏‏ كانون الأول)، فهي لغة القرآن، وتستخدمها شعوب في قارات العالم الخمس، والمتحدثون بها أكثر من 422 مليون نسمة، ومن اللغات الرسمية في العالم (الإنجليزية والعربية الفرنسية والصينية والإسبانية والروسية)، وتحظى بدعم الحكومات ومكرّسة في الأمم المتحدة، مضيفاً: «مع الأسف، الجيل الجديد يعزف عنها ليس قصوراً وعجزاً منها، بل تهرباً منه للتماهي مع مفردات جديدة زائلة».
الشاعر عبدالله واكيم، يعبّر عن عشقه للغة العربية، قائلاً: «من المعيب أن ننهزم أمام الهجمة الإلكترونية، وأن يتخرج طلابنا وهم لا يدركون لغة الضاد، وأن يتوقف إعلامنا الجاد عن الصدور في زمن تهدر فيه الملايين جزافاً على برامج تافهة، ليكن معلوماً أنه لا يمكن للغة العربية أن تعود إلى مجدها وعزها الذي تستحقه إلاّ بالنهل من لغة الأدباء الكبار وتعميمها وتكريسها لدى الصغار».
ويتحدث محمود شحيمي، ناظر مدرسة، عن ملامسته للمتغيرات الحاصلة خلال سنوات، هو الذي يعمل في قطاع التعليم منذ 43 عاماً ولاحظ أن الأجيال تغير تعاملها مع اللغة العربية، واعتبر جيل اليوم ذكياً لكنه غير مثقف، لا يقرأ، وأفسدته التكنولوجيا، التي أخذ منها الألعاب والترفيه عن النفس، وقتل الوقت، بدل أن يكرسها للمعرفة والاطلاع وتوسيع المدارك.
ويشير رامي الحجار، معلم، إلى ضرورة توظيف الجهود العائلية للاهتمام بالعربية، مضيفاً: «طلابنا يحصلون على ساعات تعليمية وافية من اللغة العربية، وتخصص أوقاتاً للمكوث في المكتبة الأدبية لنغذّي ثقافة التلميذ، ونجري مسابقات تنافسية في اللغة والخطابة والأدب، لكن يلزمنا الدعم العائلي».
وترى الدكتورة مهى جرجور، أستاذة وروائية، أن لغة «الشات» أهم أسباب الأزمة التي نعيشها اليوم. وتقول: «الجيل مأخوذ بالكامل نحو مصطلحات ومفردات جديدة عبر الشات، ويعتمد (العربيزي) وكأنها لغة التآنس والتواصل الحقيقي، ووفق دراسات جامعية تبين أن سبب اعتماد الجيل الجديد هذه الطريقة في التحادث هو خوفهم من سخرية الآخرين منهم، واعتبار لغة المحادثات أسهل وأسرع لأنها متفلتة من القيود التي لا يقبلونها، فضلاً عن السرية التي تتمتع بها تلك اللغة الجديدة لأن معظم الأهالي لا يعرفونها».
من جانبها تقول الطالبة ازدهار شحيمي: «الكلام بالعربيزي لا يشكل خطراً على اللغة العربية، فنحن نتواصل معاً عبر أبجدية خاصة بنا أقرب ما تكون إلى العامية، دون أن ينتقص ذلك من اهتمامنا بالعربية كلغة غنية. وأنا أتعلم اللغات كلغات رسمية، لكن وقت الدردشة مع رفاقي لا يمكنني أن ألتزم بقواعدها».
ويرى الطالب علي عزيز، أنه على الرغم من أن وسائل التواصل وأبجديتها الخاصة أبعدتهم نوعاً ما عن اللغة العربية، فإنها قرّبتهم كزمرة واحدة، فأصبح لديهم الآن مصطلحات خاصة يعبّرون من خلالها عما يجول في دواخلهم.
ويروق «العربيزي» الطالبة منى سلحدار، وتعتبر لغة الإنترنت أكثر اختصاراً. تقول: «لا أهتم باللغة العربية لأنها ليست عصرية. نعم أجيدها كما أجيد اللغات الأجنبية لأنها جزء من المسيرة التعليمية، إنما أرتاح أكثر للتعبير عن نفسي بالعامية، وأدردش بالعربيزي لأنها سهلة وسريعة».
وتقول الطالبة نهى حجو: «المنهاج المدرسي ضاغط واللغة العربية بنحوها وصرفها وقواعدها صعبة، لذا أكتفي بالقراءات العلمية، والاطلاع على الأحداث عبر النت الذي يعتمد الاختصار والتواصل مع رفاقي عبر العامية المكتوبة بالأحرف الأجنبية، لأنني لو كتبت بالعربية فلن ألقى تجاوباً من أبناء جيلي».

طمس للهوية

الدكتور محمد أبوعلي، عميد كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، لا يبدي قلقاً أو تخوفاً من اضمحلال اللغة العربية، ويؤكد قائلاً: «إنها لغة القرآن وأصيلة في الوجدان العربي، لكنني متخوف من تشويهها تحت غطاء التماشي مع العصر، فالتكنولوجيا يمكنها أن تكون سبباً إيجابياً في تعزيز العربية إذا أُحسّن توظيفها، ويمكننا التواصل بالعربية، ولنقوم بذلك علينا أن نعي تماماً أن الموضوع يتجاوز اللغة ليصيب الحضارة، فهل نقبل طمس هويتنا وحضارتنا؟ بالتأكيد لا. لذا دعونا نبدأ بالتعبير عن أنفسنا بالعربية صغاراً وكباراً شباناً وشابات لأننا بصون حضارتنا نصون أنفسنا».