محمد وردي

يكتب قاسم حول في روايته الجديدة «على أبواب بغداد»، فصلاً جديداً من التراجيديا العراقية، الممتدة في التاريخ الحديث على مدى ثلاثة عقود ونصف، ولم تتوقف فصولها حتى اللحظة، رغم تداعياتها الخطرة، التي تنبئ بضياع البلاد وتقطيع العباد إلى شظايا ومِزَق مذهبية وطائفية وإثنيات عرقية وقومية متطاحنة، تنهش بعضها بعضا بوحشية أين منها همجية العصور الوسطى؟.
مع ذلك فإن أحداث الرواية لا تدور حول مواجهات دامية، أو بطولات قتالية معينة، لأن ما سميت حرب «تحرير العراق» في الواقع لم تكن حرباً بالمعنى الكلاسيكي الشائع أو المعروف، وإنما كانت تعتمد بالدرجة الأولى على القوة النارية الجوية، وبالدرجة الثانية على الدسائس وشراء القادة وتجنيد الأعوان سواء من المعارضة في الخارج أو في الداخل، الذين لعبوا دوراً كبيراً في تقويض بنية الجيش العراقي، وما تبقى من هياكل عسكرية، كانت قد صارت نخرة بتأثير الحروب السابقة، وما تلاها من حصار بدأ في مطالع التسعينات الماضية، فطالت عواقبه اللأخلاقية واللإنسانية الحجر والبشر، وراح ضحيته أكثر من نصف مليون عراقي بسبب نقص الدواء والغذاء، أحدهم والد بطل الرواية، الذي مات بسبب «مرض غريب انتشر في سماء العراق من شدة التلوث».

هذا ما يشي به العنوان، «على أبواب بغداد»، كونه عتبة رئيسة لفهم النص. ما يعني أن الحرب برمتها - بالمعنى الروائي- تدور على أبواب المدينة كرؤية مشهدية، وللمفارقة أن بغداد سقطت بدبابتين لم تُطلق عليهما طلقة واحدة من قبل المدافعين عن المدينة، كما تفترض الحروب، لأن القيادة كانت قد اختفت، والجيش العراقي كان قد انهار تماماً قبل دخول الدبابتين من الباب الشرقي وتوقفهما على جسر الوثبة. وكأن النص يستعيد التاريخ ويستحضر سقوط عاصمة الرشيد بتآمر ابن العلقمي التي سلمها إلى هولاكو في القرن السادس الهجري «طُعمة باردة» كما تقول العرب، وحفظ التاريخ تلك الخيانة بكامل حذافيرها. ولذلك «قيل إذا تكررت الحادثة في التاريخ مرتين، فإنها تأتي في الأولى على شكل مأساة، وفي الثانية على شكل مهزلة». ومع ذلك فإن نص «على أبواب بغداد» لا يكشف عن تفاصيل الخيانة أو الصفقات التي جرى تدبيرها بليل، حسبما يفترض منطق المؤامرات والدسائس، وإنما يستخدم قاسم حول مخزونه السينمائي في التركيز على ما يمكن أن نسميه لقطات أو مشاهدات إنسانية، تختزل حكاية سقوط بغداد والعراق بقضه وقضيضه في قبضة الغزاة بساعات قليلة، كما تكشف عن ذلك البنية الدلالية في النص.

الرواية تحكي قصة المصور عبد الله الأحمد، الذي عُرف وذاعت شهرته باسم «عبد الله الكتفي» نسبة إلى احترافه التصوير برهافة الفنانين المبدعين وعزيمة المحاربين المخلصين كُرمى عيون العراق، حيث كانت لقطاته الخاطفة تدهش النقاد المحترفين ببراعتها، و«تستقطب العروض من وكالات الأنباء والفضائيات»، التي كان يرفضها جميعاً تعلقاً بوطنه وأهله وناسه، وخاصة حينما كان يقتنص مشاهده بمهارة عالية، وهو يركض على جبهات القتال، حاملاً كاميرته التلفزيونية على كتفه، بدءاً من الحرب العراقية - الإيرانية مطلع الثمانينات الماضية، وصولاً إلى الحرب المسماة «تحرير العراق»، وما بينهما من حروب شنها النظام على الجيران وعلى البيت العراقي في الجنوب والشمال.
بطل الرواية عبد الله صار وحيد والدته بعد رحيل الوالد وغياب الشقيق في الحرب مع إيران، ومع ذلك أوفدته مؤسسة التلفزيون الرسمية لتغطية الحرب على الجنوب، أو ميناء أم قصر بالتحديد، فوجد نفسه مع حفنة جنود، معهم العريف عبد القادر المتقاعد، الذي التحق بهم بوازع من شرفه العسكري وضميره الموجوع، بعد أن شاهد معسكر الزبير الذي أمضى به جُلَّ خدمته العسكرية تصفر به الرياح، من دون جندي واحد، ما خلا الأسلحة المبعثرة هنا وهناك. عشرة أنفار عَزّت عليهم كرامتهم، فآثروا تراب الوطن على الفرار، وهم يدركون عبثية ما يقومون به، وشاركهم عبد الله العبث والقرار بذات الدوافع، وسجل بكاميرته مشاهد المدن الخاوية وعلامات الخراب الكبير التي تلوح بالأفق، و«حرب الماعز» و«دموع العريف عبد القادر» والقوات الأمريكية وهي تتجاوز مدن الجنوب في طريقها إلى بغداد وسط الصمت والترقب. ولأنهم من دون قادة أو قيادة أو اتصال مع أحد، نفدت مؤنهم، وزادت حاجتهم للضمادات والمعقمات وبعض المسكنات في حال أصيب أحدهم، فطلبوا من عبد الله التوجه إلى العاصمة لعله يعود بشيء منها، ويستطلع الأمر في بغداد عساهم يطمئنون على أحوال البلاد. ولبى عبد الله الطلب، وفي الطريق أخذت الصورة تنجلي وتتكشف ملامح النهايات الدامية، حينما انتشرت حواجز الميليشيات واللصوص في كل مكان. وعندما وصل معسكر الرشيد أوجعه ذاك الخواء المطبق على بوابات العاصمة، فنزل من سيارته يبكي، وصاح بأعلى صوته.. بغداد..

وجاءه الصدى من اللامكان.. بغداااااااد.. داااد... ددد وصرخ ثانية.. بغداد...

لقد خلت بغداد من الناس، فتوجه إلى التلفزيون ليدفع لهم ما صوره، ولم يجده أفضل حالاً. ومع ذلك اطمأن على أمه الوحيدة، وجمع ما أمكنه من إسعافات، وفي اليوم التالي قفل عائداً إلى المدافعين العشرة عن الجنوب. كانت حينها قوات الغزو بدأت تتقدم، وأذهله أنها كانت تتجاوز المدن، متوجهة إلى العاصمة مباشرة. وفي أم قصر أخذت الزوارق الحربية تقترب من الميناء بتوجس، حينذاك قرر العريف عبد القادر أن يقاتلهم بطريقة غير معهودة، فجمع بعض الماعز وعلق برقابها فوانيس، وأطلقها ليلاً بإحدى جهات الميناء، وكان هو مع رفاقه في الجهة الأخرى يصطادون مصادر النيران. وصور عبد الله تلك المشاهد بنشوة غير عادية، رغم معرفته أنها لن تعرف طريقها للبث، ولكن الكاميرا هي سلاحه الوحيد، ولا بد أن يوثق بعض مشاهد الوطن. في الصباح التالي استجاب لطلب رفاقه بمغادرة المكان والعودة إلى أمه العجوز. فعاد ولكنه لم يجدها، لأنها بعد تعرض المنزل للقصف حملت «حقيبة زرقاء صغيرة فيها بعض الخبز والبطاطا والبيض المسلوق وقنينة ماء ومضت». وقيل في غيابها الكثير، وتناقل الناس موتها بغارة جوية مرة، وأخرى دهساً بمجنزرة، وثالثة برصاص جنود الاحتلال.. وتعددت الروايات، و«سرت إشاعة بين الناس أن طفلة توقفت عن الكلام بسبب الفزع من شدة الانفجارات وأصوات الطيران في حارة الدورة في بغداد، وهي في سن التاسعة، وقد حاول الكثير من علماء النفس والأطباء معالجتها، لكنها بقيت غير قادرة على الكلام (...) وذات يوم صحت من النوم ونادت على أمها طالبة تناول طعام الفطور، فزغردت الأم، وسمع الجيران الزغرودة وجاءوا إلى الدار، فأخبرتهم أن ابنتها عادت تتحدث، وعندما سألوها قالت لهم جاءتني امرأة بالعباءة السوداء وبيدها حقيبتها الصغيرة الزرقاء وقالت لي لا تخافي أنا أم عبد الله.

ينهض السرد في النص على الصورة - إن صح التعبير-، كونها محتوى بصرياً، بمعنى أن الوقوف على الأبواب ما هو إلا إطلالة على المشهد من بعيد أو من الخارج، إذ إن الصورة بطبيعتها تعكس رؤية العين، ولكن لا يمكن للعين أن تعزل الصورة عن سياقها في الواقع، كما تفعل الصورة. وبهذا المعنى تكاد الصورة أن تكون الثيمة الأدبية الناظمة للحكاية، ولكنها في النص ليست الصورة الفوتوغرافية بعينها، باعتبار أن البطل مصور تلفزيوني، وإنما هي الصورة الأدبية، التي تختزل المقول بما قل ودل من الكلام، إلى جانب تكثيف المعنى المفتوح على احتمالات شتى ومستويات متعددة من القراءة والتأويل. وهنا تبرز أهمية توظيف الخبرات السينمائية للكاتب في إبداع سرد أدبي ماتع، يتميز بمشهدية تصويرية تضيف إلى الصورة الأدبية رقة بالرمزية وشفافية مرهفة بالدلالة والتعبير، الذي يعزف على شغاف القلب قبل أوتار العقل. «ها أنت ترى بعينيك يا عبد الله فقراء الناس يركضون كما في يوم القيامة، ها أنت ترى هذه المرأة المسنة وهي تحمل على كتفها مروحة كهربائية (...) دخلت مؤسسة حكومية وسرقت مروحة (...) لأنها حرمت من الهواء طوال حياتها، (...) فركضت مع الراكضين، لا تدري إن كان ما يحصل حراماً أم حلالاً؟ قالوا لها إن هؤلاء الذين حكموا سرقوا ثروات الوطن، أخذوا حقك في الحياة، فاستعيدي بعضه». إذاً الصورة لا تحكي حكاية إفقار العراق، سواء بالفساد الحكومي المتقادم أو بالحصار فقط، وإنما تتجاوزه إلى ذلك الإفقار الذي ضرب الناموس أو الوجدان، الذي أصاب إنسانية العراقيين بالعطب، لأنه ما كان للعَوَز أن يفتك بأهل الرافدين بلاد الخيرات على مر التاريخ، ويصل بأعطابه إلى المسنين من دون ذلك الجبروت والطغيان الأعمى الذي أحال خير البلاد إلى محل وفاقة. كذلك الأمر بالنسبة إلى تحلل مؤسسات الدولة وانهيار الجيش السريع والمريع من دون نأمة دفاع، «حتى جنودك رفضوا أن يطلقوا طلقة واحدة دفاعاً عن شرف الأمة لأنك جمعت شرف الأمة في شرفك الشخصي، وكرامة الأمة في كرامتك الشخصية». أما الدرك الأسفل الذي وصلته الثقافة بسطوة الظلم ووطأة الطغيان، فتختزله الصورة بمشهد على حاجز ميليشياوي أكثر بلاغة وبياناً من الخطب المنبرية، «أمسك المسلح الكتاب ورماه في جدول من الماء الآسن إلى جانب الطريق، وقال له: غادر فوراً ومرة ثانية لا تحمل معك كتباً تُفسد أخلاق الناس». أما المنزلق الذي انحدر به الواقع العراقي باتجاه الهاوية من دون كوابح، فيصوره بمشهد آخر على الحاجز الميليشياوي عينه، «ثم لماذا أنت من دون لحية؟ عليك أن تطلق لحيتك، فلقد ولى العصر الذي يعاقب فيه أصحاب اللحى»، في إشارة دالة بسطوع على وقوع البلاد في براثن التعصب الديني، مفرخة العنف والحقد الأسود والكراهية المقيتة، فضلاً عن دلالته على حالة الجهل أو الأمية المطبقة، التي تجعله غير قادر على فك الحرف كما يقال.

وهذا التماهي بين الصورة السينمائية، والصورة الأدبية، هو ما يجعل النص أقرب إلى ما يمكن أن نسميه «أدب الصورة» أو «سينما الحكاية»، وليس العكس.
يعتمد الكاتب في رواية «على أبواب بغداد» أسلوب التقطيع المشهدي، كبؤر مركزية في أسلوب السرد، كما أشرنا سابقاً بحيث يبدو النص وكأنه «ريبورتاج» أقرب إلى السيناريو والحوار في الأفلام السينمائية، بحيث يحرص الكاتب على تقديم المشاهد الناظمة لبنية النص من خلال التوصيف بإسهاب للإطار العام، سواء على مستوى الشخصيات أم على مستوى الوقائع أو الأحداث، مشفوعاً بالإحالات التأويلية بالمعنى السياسي أكثر منها بالمعنى الثقافي. ما يجعل الإيقاع رتيباً، ولا تخلو القراءة من الصعوبة، خاصة في الفصول الأولى، بعكس ما هو عليه الأمر في الفصول اللاحقة، وبخاصة الثلاثة الأخيرة، حيث تصبح اللغة أكثر رقة وجزالة، وأكثر تشويقاً وإمتاعاً، وفي الوقت عينه مطرزة بالمحمولات الرمزية والدلالية.