القرآن كتاب الله القويم، وحبله المتين، ‮ والذي أعجز العرب وهم سادة البلاغة والفصاحة يتضمن آيات قد تحتار فيها العقول، لما فيها من‮ ‬غموض‮.‬ ومن هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى‮ «‬فَأَذَنَ‮ ‬مؤَذنٌ‮ ‬بَينَهم‮ ‬أَن‮ ‬لَعنَةُ‮ ‬اللَه‮ ‬عَلَى الظَالمينَ‮»، (الأعراف: 44).. ‬فمن هو المؤذن؟ ومتى كان الأذان؟ ومن هم القوم الذين أذن بينهم؟‮ ‬
يقول جلال الدين السيوطي‮: «‬فأذن مؤذن‮»: ‬قيل‮: ‬هو اسرافيل، ‮ ‬وقيل‮: ‬جبريل وقيل‮: ‬ملك‮ ‬غير معين‮».‬
ويقول أصحاب‮ «‬التفسير الوسيط للقرآن الكريم» بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر‮: ‬«فأذن مؤذن أي‮ ‬فنادى منادٍ‮ - ‬بين أهل الجنة وأهل النار‮ - ‬قائلاً‮: ‬لعنة الله تعالى، ‮ ‬واقعة على الظالمين لأنفسهم بكفرهم، ‮ ‬وطَردُه‮ُ - ‬سبحانه وتعالى‮ - ‬إيَاهم من رحمته، ‮ ‬بسبب تفريطهم وجنايتهم على فطرتهم‮».‬ واختلف في‮ ‬هذا المنادِي فقيل‮: ‬هو مالك خازن النار‮..‬ وقيل‮: ‬هو صاحب الصور‮. ‬وقيل‮: «‬هو ملك‮ ‬غيرهما‮.. ‬وأَيًّا ما كان، ‮ ‬فنداؤه بأَمر الله تعالى. والغرض من ندائه، ‮ ‬إدخال السرور على أَصحاب الجنة بتعذيب أعدائهم أعداء‮ ‬الله تعالى‮. ‬ومضاعفة حسراتهم، ‮ ‬بما ظلموا‮». ‬

تقريع وتوبيخ

وقال أبو الليث السمرقندى في‮ ‬تفسيره‮ «‬بحر العلوم‮» «‬فأذن مؤذن‮» ‬وذلك أنه‮ ‬ينادي‮ ‬يوم القيامة‮ ‬منادٍ بين الجنة والنار تسمعه الخلائق كلهم: إن رحمة الله قريب من المحسنين ولعنة الله على الظالمين أي‮: «‬كرامة الله وفضله وإحسانه على المؤمنين وعذاب الله مع عقابه على الكافرين»‮.‬

وجاء في‮ «‬فتح‮ ‬البيان في‮ ‬مقاصد القرآن‮» ‬لأبي الطيب محمد القنَّوجي‮: «بعد استقرار أهل الجنة في‮ ‬الجنة وأهل النار في‮ ‬النار، ‮ ‬يقول أهل الجنة‮: ‬يا أهل النار، ‮ ‬وهذه المناداة لم تكن لقصد الإخبار لهم بما نادوهم به بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في‮ ‬قلوبهم‮ (‬أن قد وجدنا‮) أي:‮ ‬إنا قد وصلنا إلى‮ (‬ما وعدنا ربنا حقاً‮) ‬أي‮ ‬ما وعدنا الله به من النعيم على ألسنة رسله‮ (‬فهل وجدتم‮) ‬أي‮ ‬وصلتم إلى‮ (‬ما وعد‮) ‬به‮ (‬ربكم حقاً‮) ‬أي‮ ‬من العذاب الأليم، ‮ ‬والاستفهام هو للتقريع والتوبيخ‮.. (‬قالوا نعم‮) ‬وجدنا ذلك حقاً، ‮ ‬وظاهر الآية‮ ‬يفيد العموم، ‮ ‬والجمع إذا قابل الجمع‮ ‬يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة‮ ‬ينادي‮ ‬من كان‮ ‬يعرفه من الكفار في‮ ‬دار الدنيا‮ (‬فأذن مؤذن‮) ‬أي‮ ‬فنادى مناد‮ (‬بينهم‮) ‬أي‮ ‬بين الفريقين قيل المنادي‮ ‬هو من الملائكة، ‮ ‬وقيل إنه إسرافيل ذكره الواحدي، ‮ ‬وأخرج ابن أبي‮ ‬شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية‮ (‬أن لعنة الله على الظالمين‮) ‬أي‮ ‬يقول المؤذن يوم القيامة لأهل النار هذا القول‮».‬

مرحلة من العذاب

وجاء في‮ «‬التفسير الوسيط للقرآن الكريم‮» ‬للدكتور سيد طنطاوي‮ «‬فَأَذَنَ‮ ‬مؤَذِّن‮ ‬بَينَهم، ‮ ‬أَن‮ ‬لَعنَة‮ُ ‬اللَه‮ ‬عَلَى الظَالمينَ‮..» ‬التأذن‮: ‬رفع الصوت بالإعلام بالشيء‮. ‬واللعنة‮: ‬الطرد والإبعاد مع الخزي‮ ‬والإهانة‮، والمعنى‮: ‬بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين‮. ‬نادى مناد بين الفريقين بقوله‮: ‬لعنة الله على الظالمين لأنفسهم، ‮ ‬ولغيرهم، ‮ ‬الذين من صفاتهم أنهم‮ ‬يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله، ‮ ‬ويريدون لها أن تكون معوجة‮ ‬غير مستقيمة حتى لا‮ ‬يتبعها الناس، ‮ ‬وهم بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب جاحدون مكذبون‮».‬

وفي‮ ‬قوله‮: ‬«فَأَذَنَ‮ ‬مؤَذِّن‮ ‬بَينَهم‮». ‬نكر المؤذن لأن معرفته‮ ‬غير مقصودة بل المقصود الإعلام بما‮ ‬يكون هناك من الأحكام ولم‮ ‬يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، ‮ ‬فهو من أمور الغيب التي‮ ‬لا تعلم علماً صحيحاً إلا بالتوقيف المستند إلى الوحي، ‮ ‬وما ورد في‮ ‬ذلك فهو من الآثار التي‮ ‬لا‮ ‬يعتمد عليها‮..‬قال بعض العلماء‮: ‬«وفي‮ ‬هذه الآية تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل العذاب، ‮ ‬وهي‮ ‬نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء‮ ‬يسجل عليهم الخزي‮ ‬والنكال، ‮ ‬ويشعرهم بالحسرة والندامة، ‮ ‬إذ كذبوا بما‮ ‬يرونه الآن واقعا في‮ ‬مقابلة النعيم الذي‮ ‬صار إليه أهل الإيمان، ‮ ‬وأحسوا به كذلك واقعا‮..‬ وفي‮ ‬هذا نرى صورة من الحديث الذي‮ ‬يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب‮. ‬ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر‮. ‬ويصور الحكم النافذ الذي‮ ‬لا مرد له ولا محيص عنه‮ ‬يؤذن به مؤذن لا‮ ‬يدرك كنهه ولا‮ ‬يعلم من هو ولا ما صوته ولا كيف‮ ‬يلقى أذانه، ‮ ‬ولا كيف‮ ‬يكون أثر هذا الأذان في‮ ‬نفوس سامعه. وإنه لتصوير قوى بارع، ‮ ‬يحرك إليه النفوس، ‮ ‬ويهز المشاعر، ‮ ‬ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين، ‮ ‬إنما هي‮ ‬تسجيل اللعنة عليهم، ‮ ‬والطرد والحرمان من رحمة الله، ‮ ‬مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة في‮ ‬ظلمهم الذي‮ ‬كونه صدهم عن سبيل الله، ‮ ‬وكفرهم بدار الجزاء‮».‬

نعيم الجنة

ويقول أبو جعفر الطبري‮ ‬في‮ ‬تفسيره‮: «‬ونادى أهل الجنة أهل النار ‮: ‬يا أهل النار، ‮ ‬قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً في‮ ‬الدنيا على ألسن رسله، ‮ ‬من الثواب على الإيمان به وبهم، ‮ ‬وعلى طاعته، ‮ ‬فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب؟ فأجابهم أهل النار‮: ‬بأن نعم، ‮ ‬قد وجدنا ما وعد ربنا حقاً، ‮ ‬وعن ابن عباس، ‮ ‬قوله‮: «‬ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً‮» ‬، ‮ ‬وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكل خير علمه الناس أو لم‮ ‬يعلموه، ‮ ‬ووعد أهل النار كل خزي‮ ‬وعذاب علمه الناس أو لم‮ ‬يعلموه، ‮ ‬فذلك قوله‮: «‬وآخر من شكله أزواج‮» ‬،(‬سورة ص‮‮:85). ‬قال‮: ‬فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا‮: ‬نعم‮. ‬يقول‮: ‬من الخزي‮ ‬والهوان والعذاب‮. ‬قال أهل الجنة‮: ‬فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من النعيم والكرامة عندها‮ «‬فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين‮» ‬أي:‮ ‬نادى مناد أن لعنة الله على الظالمين‮».‬