يقول جلال الدين السيوطي: «فأذن مؤذن»: قيل: هو اسرافيل، وقيل: جبريل وقيل: ملك غير معين».
ويقول أصحاب «التفسير الوسيط للقرآن الكريم» بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: «فأذن مؤذن أي فنادى منادٍ - بين أهل الجنة وأهل النار - قائلاً: لعنة الله تعالى، واقعة على الظالمين لأنفسهم بكفرهم، وطَردُهُ - سبحانه وتعالى - إيَاهم من رحمته، بسبب تفريطهم وجنايتهم على فطرتهم». واختلف في هذا المنادِي فقيل: هو مالك خازن النار.. وقيل: هو صاحب الصور. وقيل: «هو ملك غيرهما.. وأَيًّا ما كان، فنداؤه بأَمر الله تعالى. والغرض من ندائه، إدخال السرور على أَصحاب الجنة بتعذيب أعدائهم أعداء الله تعالى. ومضاعفة حسراتهم، بما ظلموا».
تقريع وتوبيخ
وقال أبو الليث السمرقندى في تفسيره «بحر العلوم» «فأذن مؤذن» وذلك أنه ينادي يوم القيامة منادٍ بين الجنة والنار تسمعه الخلائق كلهم: إن رحمة الله قريب من المحسنين ولعنة الله على الظالمين أي: «كرامة الله وفضله وإحسانه على المؤمنين وعذاب الله مع عقابه على الكافرين».
وجاء في «فتح البيان في مقاصد القرآن» لأبي الطيب محمد القنَّوجي: «بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، يقول أهل الجنة: يا أهل النار، وهذه المناداة لم تكن لقصد الإخبار لهم بما نادوهم به بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم (أن قد وجدنا) أي: إنا قد وصلنا إلى (ما وعدنا ربنا حقاً) أي ما وعدنا الله به من النعيم على ألسنة رسله (فهل وجدتم) أي وصلتم إلى (ما وعد) به (ربكم حقاً) أي من العذاب الأليم، والاستفهام هو للتقريع والتوبيخ.. (قالوا نعم) وجدنا ذلك حقاً، وظاهر الآية يفيد العموم، والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا (فأذن مؤذن) أي فنادى مناد (بينهم) أي بين الفريقين قيل المنادي هو من الملائكة، وقيل إنه إسرافيل ذكره الواحدي، وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية (أن لعنة الله على الظالمين) أي يقول المؤذن يوم القيامة لأهل النار هذا القول».
مرحلة من العذاب
وجاء في «التفسير الوسيط للقرآن الكريم» للدكتور سيد طنطاوي «فَأَذَنَ مؤَذِّن بَينَهم، أَن لَعنَةُ اللَه عَلَى الظَالمينَ..» التأذن: رفع الصوت بالإعلام بالشيء. واللعنة: الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة، والمعنى: بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين. نادى مناد بين الفريقين بقوله: لعنة الله على الظالمين لأنفسهم، ولغيرهم، الذين من صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة الله، ويريدون لها أن تكون معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس، وهم بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب جاحدون مكذبون».
وفي قوله: «فَأَذَنَ مؤَذِّن بَينَهم». نكر المؤذن لأن معرفته غير مقصودة بل المقصود الإعلام بما يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، فهو من أمور الغيب التي لا تعلم علماً صحيحاً إلا بالتوقيف المستند إلى الوحي، وما ورد في ذلك فهو من الآثار التي لا يعتمد عليها..قال بعض العلماء: «وفي هذه الآية تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل العذاب، وهي نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم الخزي والنكال، ويشعرهم بالحسرة والندامة، إذ كذبوا بما يرونه الآن واقعا في مقابلة النعيم الذي صار إليه أهل الإيمان، وأحسوا به كذلك واقعا.. وفي هذا نرى صورة من الحديث الذي يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب. ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر. ويصور الحكم النافذ الذي لا مرد له ولا محيص عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم من هو ولا ما صوته ولا كيف يلقى أذانه، ولا كيف يكون أثر هذا الأذان في نفوس سامعه. وإنه لتصوير قوى بارع، يحرك إليه النفوس، ويهز المشاعر، ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين، إنما هي تسجيل اللعنة عليهم، والطرد والحرمان من رحمة الله، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة في ظلمهم الذي كونه صدهم عن سبيل الله، وكفرهم بدار الجزاء».
نعيم الجنة
ويقول أبو جعفر الطبري في تفسيره: «ونادى أهل الجنة أهل النار : يا أهل النار، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً في الدنيا على ألسن رسله، من الثواب على الإيمان به وبهم، وعلى طاعته، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب؟ فأجابهم أهل النار: بأن نعم، قد وجدنا ما وعد ربنا حقاً، وعن ابن عباس، قوله: «ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً» ، وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكل خير علمه الناس أو لم يعلموه، ووعد أهل النار كل خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه، فذلك قوله: «وآخر من شكله أزواج» ،(سورة ص:85). قال: فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ قالوا: نعم. يقول: من الخزي والهوان والعذاب. قال أهل الجنة: فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من النعيم والكرامة عندها «فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين» أي: نادى مناد أن لعنة الله على الظالمين».