القاهرة: «الخليج»

تعانق بحيرة قارون صحراء مصر الوسطى في محافظة الفيوم، وتحديداً في الجزء الشمالي الغربي للمحافظة، لترسم لوحة ملأى بالسحر والجمال، لواحدة من أجمل المدن المصرية، تضرب بجذورها إلى عمق التاريخ القديم. لا تكتسب البحيرة شهرتها فقط من اتساعها؛ إذ تبلغ مساحتها أكثر من 50 فداناً، ما يجعلها إحدى أكبر البحيرات الطبيعية في مصر، ولكن لما يكتنفها من غموض، لعبت الروايات الشعبية المتداولة على مر العصور، دوراً كبيراً في انتشاره وإكسابه المزيد من التفاصيل.
يؤمن كثير من أهالي الفيوم، بأن البحيرة تضم في أعماقها البعيدة، جزءاً من كنوز قارون تلك الشخصية التاريخية شديدة الثراء، كما وصفت في الكتب الدينية، والذي وردت قصته في القرآن الكريم، وفيها ذكر أنه خسف به وبكنوزه الأرض. ويقول الأهالي إن تلك المساحة الشاسعة من المياه، ربما تكون قد نتجت عن عملية الخسف، التي ذهبت بقارون وقصره وخزائنه في زمن نبي الله موسى عليه السلام.
تتميز المنطقة المحيطة ببحيرة قارون بجمالها الأخاذ، وجوها الساحر، وقد دفعت تلك الطبيعة البكر أسرة الملك فاروق آخر ملوك مصر، لأن يبني على ضفافها استراحة ملكية، لا تزال باقية حتى اليوم، وتعرف باسم استراحة الأميرة فوزية، ويرجع تاريخ بنائها إلى أواخر الأربعينيات، والاستراحة محاطة بنحو 45 فداناً مزروعة جميعها بالمانجو، وكانت تعرف حتى وقت قريب باسم «حوض فوزية».
تعد بحيرة قارون إحدى أقدم البحيرات الطبيعية في العالم، وصفها عثمان النابلسي حاكم الفيوم قبل نحو 7 قرون بقوله: «باردة الأسحار، بارزة الأشجار، كثيرة الثمار رغم قلة الأمطار». فيما وصفها الأثري الكبير الراحل سليم حسن في مؤلفه الأبرز «موسوعة مصر»، بأنها تعد بالنسبة لمصر مثل نبات السوسن الذي تفرع غصنه نحو الغرب جنوب الساق، أي مجرى النيل، الذي تفتحت عنه زهرة يانعة هي الدلتا.
يصل منسوب بحيرة قارون إلى ما يزيد على 44 متراً، تحت مستوى سطح البحر المتوسط. يرجع عدد من الباحثين المصريين في التاريخ القديم، وجود البحيرة إلى عصر الملك إمنمحات الثالث، سادس ملوك الأسرة الثانية عشرة من الدولة الوسطى،.
وتتميز بحيرة قارون بطول شواطئها، ما يجعلها واحدة من أجمل المزارات الشاطئية وخصوصاً في فصل الشتاء، إذ تستهوي هواة الراحة والهدوء وعشاق الطبيعة والجمال، والراغبين في سياحة السفاري، فضلاً عن هواة صيد البط، قبل أن يتم منع الصيد حولها، لحماية البيئة والحفاظ على أنواع الطيور المقيمة في المنطقة، أو التي تسكنها أثناء فترات الهجرة السنوية، وامتد المنع بمرور الوقت إلى صيد الأسماك أيضاً، بعدما فقدت البحيرة بسبب عمليات الصيد الجائر، جزءاً كبيراً من ثروتها السمكية، حيث يقدر الإنتاج الموسمي الآن بنحو 1300 طن من الأسماك.