محمد وردي

محسن سليمان في مجموعته القصصية الجديدة «كائن كالظل»، هو كاتب يهوى الصمت في عِزِّ الصخب وذروة الضجيج، يتقصد العزلة ومحاكاة النفس في لُجَّةِ الزحمة، يغوص في مجاهل الذات بزهد المتنسكين، يضرب في دهاليزها السرية بدأب وحدب العارفين، يجوس في عتماتها القصية بشغف المستكشفين، يستطلع خباياها متقصياً أثر «الأنا» الداخلية، «الأنا» الخفية، «الأنا» المفقودة في المشهد أو الغائمة في الصورة، لكنها دائمة الحضور في الفعل والسلوك، ولها سطوة كامنة على الروح، يصعب ضبط سلطتها أو تشخيص هيمنتها، ولا يضاهيها بتمردها وتفلتها من التأطير أو التعبير والتصوير؛ سوى تقلبات النفس، وطيش الشهوات أو نزق النزوات، التي تبقى بحالة صراع دائم مع الناموس أو القِيَم العليا الحاكمة بالوعي.

يتوحد الكاتب مع ذاته في معظم قصص المجموعة، وهو عندما يتقصد العزلة لا يرمي إلى الهروب أو العزوف عن التعايش مع الواقع؛ بقدر ما هو نَفور مما يُجرى حوله، فرار من الهدير المتلاطم أو الصراع المتعاظم على المكاسب أو الغنائم بكل وجوهها الخيِّرة أو الشريرة؛ كونه بخلوته الذاتية يرسم مشهداً آخر، مشهداً مختلفاً، يطرز من خلاله مصالحة مع النفس أكثر صدقاً، وأرَقُّ جمالاً وأشفُّ نبلاً من صورة الواقع. ذلك لأن فعل الكتابة هو بالدرجة الأولى محاولة لاكتشاف الذات، والترنم بإرادتها الحرة، ورسم كينونتها الشخصية المستقلة، أو رصد صيرورتها الوجودية الفاعلة.

في قصة «كائن كالظل» التي أعطت اسمها للمجموعة، يبرع الكاتب في تقديم شخصية ملتبسة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها شخصية واقعية بامتياز؛ وكي يزيد من جرعة إقناعنا بواقعيتها، جعلها مشطورة إلى ذاتين متنازعتين بسطوة القيم الثقافية التقليدية، دين وأخلاق وأعراف وعادات، فأراد للأولى أن تكون نهارية والأخرى ليلية. وجرى تصويرهما على أنهما متناقضتان على طول الخط، حيث جعلهما لا تلتقيان البتة بقوة السرد العميق، الذي يحيل بدلالات ساطعة إلى تمظهرات الانشطار في الشخصيات المعطوبة بالتنميط، تلك الشخصيات الساعية إلى التمرد والخلاص من سطوة «البطريركيات الأبوية» على أقل تقدير، كما جرت عادة السرد في تصوير تناقضات الواقع، وتشخيص الصراع بين القديم والجديد من خلال نزعة التمرد. بمعنى أن الكاتب/‏‏‏‏‏الراوي أراد للشخصية الأولى أن تكون تحت الضوء؛ باعتبارها انعكاساً للصورة التي وسم المجتمع هُويتها الذاتية بمعايير قيمية صارمة منذ أزمان بعيدة، أي قبل أن يخط القدر صورتها، أو يرسم ملامحها الشخصية، فجعلها حبيسة جدران النمطية التقليدية في الوعي الاجتماعي العام، التي يصعب الفكاك من أسرها، إلّا بفعل خارق أو خارج عن المألوف، يستدعي القيام به، وعي جديد من نوع مختلف.
أمّا الثانية فأرادها أن تنتمي لزمنها، التي شاءت الأقدار لها أن تكون شاهدة واعية على انفجارات الحداثة المتلاحقة بوتائر متسارعة على كل المستويات المعرفية. وأن تكون عكس أسلافها، رائية حاذقة، ترصد كل ما هو جديد ومدهش، سواء بقدرته على غواية العقل والروح، أو استجابته لفورة الجسد وثورة النفس «الأمَّارة بالسوء»، بالتوازي مع ثورة الحداثة، فجعلها تعيش شبابها بكل شغبه الجميل أو جنونه المستحيل، لا بل صورها تواقة إلى المغامرة والتجريب، واكتشاف الحياة بكل اندفاعات زمنها على كل مستويات حداثته؛ حتى الرثة منها. لكن كونها مثقلة بأصفاد النمطية، ومثخنة بجروح التبعية، بدت هشة، ضعيفة، خائفة، متوارية في الظل، حيث تسعى للتعبير عن ذاتها، أو ممارسة عبثها ونزقها الليلي خلسة، فتقيم فضاءها المشتهى في عالم افتراضي، يكتسب خصوصياته من الواقع؛ باعتباره فسحة مرتجاة أو مأمولة لروح الشباب الكامنة في وعي الشخصية، بحيث يتيح لها العالم المتخيل، ما لم يسمح به الواقع، فيستجيب للنزعة الدفينة أو المقموعة بالتعبير عن نفسها في تكسير القيود، وتحطيم «التابوهات»، بغرض دفع التمرد المقموع أو الجنون المكبوت إلى أقصاه، وإلّا كيف نفسر إقدام البطل أو الكائن الليلي، تركه الكاتب من دون اسم، على ارتياد ملهى ليلي في مجتمع شرقي بزي رعاة البقر في الغرب الأمريكي، حسبما قدمتهم هوليوود للعالم؟. فيقول: «لبست قطعة جينز زرقاء وجدتها في دولابي، لم تكن بالحسبان، لعلها تكون صرعة هذا الموسم.. جينز بالٍ ممزق الأطراف، انحشرت داخلها، وأكملت الطقم بمعطف قطني ذي ياقة طويلة، وقبعة «كاوبوي» نفضت عنها الغبار.. وقفت أمام المرآة أنظر إلى نفسي بتمعن.. وجدت أنني قادم من صحراء أمريكية، تعجبت من هذه الملابس، كيف أخذتني إلى هناك».

مراوغة السرد

يُستهل السرد في القصة بمراوغة أسلوبية ذكية، حيث تُجرى صناعة الحكاية على مستويين متقابلين، هما جوهر البنية الفنية في اللعبة القصصية، وبخاصة القصة القصيرة، التي يقوم مبناها على الوحدة الحدثية (بالمعنى الزماني والمكاني)، وأحادية الشخصية، أو الشخصية المحورية. وربما يكون إلى جانبها شخصيات ثانوية في بعض الأحيان، (كما هي الحال في قصة «كائن كالظل»)، التي يقتصر دورها على تعزيز حضور البطل، والدفع بالحبكة الفنية، أو ما أفضل أن أسميه «التوليفة القصصية» إلى مستويات جديدة من الإثارة والتشويق على قاعدتي الإمتاع والإقناع بالتوازي.

في المستوى الأول تمنح مراوغة السرد بعداً واقعياً للمسرود، يبدو جلياً على سطح المعنى، حيث بدا تأويل الدلالات وكأنه لا يحتمل أدنى لبس، فهي تحيل إلى ما يحدث الآن، أي ما هو واقع بالحال أو في الزمن الراهن، وهو ليس منفصلاً عمّا سبقه في الماضي، بل هو متصل معه في سياقه الحدثي، أي هو واقع ملموس أو محسوس ومتواصل في الوقت عينه مع حضور الشخصية زمانياً، وتعبر عن هذا التواصل واقعة التقيؤ ونتائجها، أو ما يصاحبها من آلام مبرحة، اعتادها (البطل) مع الوقت، فيقول الراوي: «لم يكن القئ غريباً، الغريب هو ذلك الألم الذي يضرب معدتي، وأحسه أكثر نشاطاً وعصبية من أي يوم آخر، وكأن يداً تخترقني وتحرض القولون».
ما يعني أن الجديد هو زيادة جرعة الألم هذه المرة، التي تعزز الإشارة إلى أننا أمام شخصية واقعية تتألم منذ مدة ليست بقصيرة، لكن الراوي لا يسترسل بتوصيف الألم، وإنما يتجاوزه مباشرة، فيقول: «يذهب الألم ويتركني منهكاً على السرير». الأمر الذي يفتح الباب موارباً على التخييل.
في المستوى الثاني يناور السرد في استبطان الشخصية المتألمة، في محاولة لاشتقاق شخصية متخيلة، تبدو وكأنها موازية بحضورها للشخصية الرئيسية، باعتبارها امتداداً لها، حيث يقول الراوي: «يجب ألّا أتألم، فأنا على موعد مع السهر، سوف أعيش حياة صاخبة، وسوف أدخل عالماً ما، عشته منذ ولادتي مع كائن كالظل». بعد ذلك ينتقل الراوي مباشرة إلى توصيف الشخصية المتخيلة بأسلوب تعبيري مخاتل.

احتمالات التأويل

ويتكشف أكثر فأكثر إصرار الكاتب على الأسلوب التعبيري المخاتل في بنية السرد، القائم على الانسجام والتناغم حيناً، أو التماهي المطلق بين المتخيل والواقعي في أحيان أخرى، بغرض الوصول إلى الذروة، المفتوحة على احتمالات شتى من التأويل، تنتهي جميعها في سياق المتخيل المرتجى أو المأمول المشتهى.

يتميز أسلوب السرد المخاتل في مجموعة «كائن كالظل» برمزية عميقة، وحمولات دلالية متعددة. هذا على الرغم من السلاسة والانسيابية المتدفقة بجذالة وعفوية، التي تتيح قراءة سهلة ومريحة وغنية بتساؤلاتها وانشطاراتها اللامتناهية في فضاءات مفتوحة على الدهشة والمسرة في الوقت عينه.