ربما تكمن فتنة الحكاية بتوليفتها الروائية، أي نسج خيوطها المتشابكة بتناغم سجالي - حميمي أو صراعي - متصاعد في تنامي الشخصية والبنية الحدثية، حتى بلوغ اللعبة الخيالية الذروة أو قمة الفانتازيا، أو ما أفضل أن أسميه انفجار «اللحظة الحرجة»، التي صارت الشخصيات تقف فيها على التخوم ما بين الواقع والخيال.
بمعنى أن شخصيات الحكاية يتصورها الكاتب ذهنياً، ولكنه لا يعرفها روائياً بالضرورة، وإنما الذي يعرفها في الواقع الروائي هو الراوي.
تكمن مهارة الحكي أو السرد في خبرة الكاتب، أي بمحافظته على دوره من خلال التصور الذهني الأولي فقط، من دون أن يتجاوزه إلى دور الراوي، وبدوره يحافظ الراوي على أمانة الحكي وتقديم الشخصيات بوضوح وصدق، من دون أن يقحمها بما لا تريده أو ما هي ليست عليه، الأمر الذي يجعلها مهيأة لإسقاطها على الواقع في مخيلة المتلقي.
وهذا بالتحديد ما يجعل الحكاية تنفتح على فضاءات وعوالم عدة غير متناهية، جميعها كان كامناً في اللاوعي، سواء بالنسبة للكاتب أو المتلقي على السواء.
ولكن سر دهشتها وسحرها أو جاذبيتها تلتقي على كونها بدائل مشتهاة، لمشاهدات عينية أو حسية وسلوك وأفعال ومواقف وتجارب، تجرح الشعور وتشوه البعد الإنساني في الواقع، فتختار الذات الواعية تظهير الكامن باللاوعي عن طريق التصور أو الخيال لترميم أعطابها من خلال الحكاية، بينما الذات غير الواعية، التي لا تعرف كيف تشخص أو كيف تظهر المشتهى على شاشة الخيال، فتختار التماهي مع شخصيات الحكاية، أو الاندماج بالعوالم والفضاءات الجديدة التي انفتحت عليها انفجار «اللحظة الحرجة».
بطبيعة الحال تبقى هذه الأمور غير ممكنة في إبداع الحكاية من دون لغة السرد النظيفة وكثافتها الرمزية ومحمولاتها الدلالية العميقة، التي تحيل بالضرورة إلى شواهد أو علامات ثقافية، هي بمثابة دعامات تعزز قوة حضور الشخصيات في الواقع الروائي، وتعطيها في الوقت عينه قدرة التمثل في الواقع الحقيقي الملموس والمحسوس، وقدرة التأثير به والتغيير في بنياته.
وبذلك تحوز الحكاية على شرطي الامتناع والإقناع، وتشكل جسر العبور المكين لانتقال النص من حالة الكمون في اللاوعي إلى مرحلة التثوير أو التنوير في الوعي.
رواية «مدائن اللهفة» للكاتبة ناديا النجار، (خريجة برنامج «الروائي» في دورته الأولى عام 2014 الذي يشرف عليه الكاتب والناشر جمال الشحي)، الحائزة جائزة الإمارات للرواية (فئة الرواية القصيرة) عام 2015، تبدو وكأنها تقدم سردية عن سحر الأمكنة وسطوتها على الخيال، قائمة على المشاهدات البصرية والحسية، أو محاكاة وجدانية ثقافية للمدائن، وعلاقة الإنسان بالمكان، إلا أنها في واقع النص هي لعبة روائية محترفة، بمعنى أن سرد سر اللهفة للمدن الكامنة في الذات من خلال النص، ما هو إلا دُثار للحكي عن الناس والحب والغدر والفن والإبداع ووظيفته في مواجهة مشاكل الإنسان، وتقديمه في سياقات قدرية متقاطعة ومتعالقة بإحكام في نسيج الحكاية.
ما يجعل «مدائن اللهفة» تقدم توليفة روائية شائقة بلغة رشيقة رائقة، تقوم على بنية سردية رومانسية متصالحة مع الذات والواقع، ومتماهية مع الصُدف بانقياد سلس، لا يخلو من الدهشة والبراءة حيناً، والأوهام والآلام معظم الأحيان، ولكنه بكل الأحوال انقياد يعبر عن استسلام نهائي لمشيئة الأقدار الفائقة بكل ما تنطوي عليه من مفاجآت، سواء أكانت خيبات وانكسارات وعذابات أو أفراح وأتراح ومسرات.
تحكي الرواية قصة الفنانة التشكيلية مريم (البطلة) التي عاشت بكنف رجل غريب ليس من دمها أو لحمها وليس من بلدها، ومع ذلك عاشت حياة هادئة مستقرة، مترعة بالحب والحنان، ما يكفي لإقناعها ويزيد بأنها المدللة في الأسرة ضمن ثمانية إخوة (من أمها)، سبعة ذكور وآخر العنقود ريم، التي لا تبرح طفولتها، بسبب ولادتها مصابة بمرض «متلازمة داون». وسعدت مريم بأن يكون الغريب والدها رغم معرفتها - لاحقاً - أن والدها الحقيقي «رحل إلى السماء»، فلم تتأثر بالأمر، بسبب حدب «بوسلطان» الزائد عليها، مرفوداً بفائض من حب زوجته الأولى (ماما موزة)، كونها خلقت بعد عشر سنين بانتظار الزوجين الخلف، الذي لم يأت إلا بعد زواجه من أمها الحقيقية (أسماء السورية)، التي كانت حاملاً بمريم بعد زواج من صحفي دمشقي تخلى عنها، وفر من سوريا كلها بليلة ليلاء، فأسلم وجهه للغياب مدة سبعة وعشرين عاماً، انتقل خلالها إلى إسطنبول ومنها إلى تشيكوسلوفاكيا، وتقلب بمهن وهوايات عدة، منها فن الخط والإرشاد السياحي، وتزوج وأنجب ابنه الوحيد (آدم)، الذي ماتت أمه التشيكية مبكراً.
ولكن الابن هجر بدوره البلاد بعد تخرجه من الجامعة وعثوره على وظيفة في لندن.
ما أجبر الأب بعد انقطاع أخبار الابن على بيع كل شيء والعودة إلى مسقط رأسه في الشام، حيث التقى بمريم خلال العطلات الصيفية التي كانت تقضيها مع أسرتها في دمشق، فجذبها إليه الفضول، «كطفلة شقية اعتادت أن تهرب من أمها وإخوتها لتختلس النظر إليه من النافذة المطلة على حديقة منزله.
تتأمله من بعيد وهو يرسم الحروف بأنامله المرتعشة، (...) ولطالما تخيلت أن هذا الرجل الذي يعيش وحيداً يكتب لزوجة راحلة عن عالمنا منذ سنين، أو يبث شوقه لامرأة غادرته منذ أمد بعيد، ولكن لم يخطر على بالها أنه سيهديها يوماً هذه الأوراق»، بعد أن يضعها بعلبة خشبية دمشقية أنيقة، و«أنها ستحدث ثورة في حياتها»، لأن «عمو حسن»، الستيني كان يقضي أيامه الأخيرة بممارسة هوايته بفن الخط، وكان يحسب اندفاعتها إليه رغم تحذيرات والدتها منه، أنها تصرفات مراهقة ما دون العشرين، ولكن ما إنْ علم منها أنها بعد شهرين تكمل السابعة والعشرين عاماً حتى انتفضت ذاكرته، فربط عمرها بعمر هجرته، ما دفعه لتقصي الخبر، والتأكد أنها ابنته، ولكن لم يكن بيده حيلة حينذاك، فآثر الصمت على أن يخط قصته على شكل رسائل، يقدمها لها طالباً الغفران لا أكثر، وهكذا حصل.
إلا أن مريم بسبب ربكة العودة المفاجئة للإمارات استجابة لطلب «بوسلطان» بعد تفاقم الأحداث في سوريا، وانغماسها في أحزانها جعلها تنسى هدية «عمو حسن»، فركنتها في خزانتها عامين بالتمام والكمال، رغم تساؤلاتها في البداية عن السبب الذي جعله يقدم لها هذه التحف الفنية كهدية، ولم تعد إليها حتى تفجرت عبقرية ريم برسم لوحة «الياسمين الدمشقي»، وأعادتها إلى ممارسة الرسم من جديد للتغلب على أحزانها، فانبعثت بذاكرتها صورة «عمو حسن»، وعادت إلى الصندوق، لتكتشف السر، ولكن بعد فوات الأوان، لأن «عمو حسن» أو الأب الحقيقي، الذي غرس بجيناتها عشق الرسم قد رحل.
سحر التوليفة
عرض الحكاية - مهما توسعنا به - لا يجعلها تبدو وكأنها غير عادية، لأنها ستبقى تشبه كل الحكايات المرمية على الطرقات، التي يظن أي شخص عادي أنه يعرف مثلها، إلا أن التوليفة الروائية، التي حاكها خيال الكاتبة ناديا النجار، وجذالة لغتها السهلة، جعل منها حكاية ماتعة، تشد المتلقي إلى عوالمها بخيوط من الدهشة القائمة على الصدفة المطرزة بالامتناع والإقناع.
ذلك لأن أصعب ما في التوليفة في نص «مدائن اللهفة»، هو الإقناع بما هو غير مقنع بحكم المنطق، أو جعل الواقعة التي يستحيل تصور حدوثها أمراً محتملاً.
وهنا يكمن سحر التوليفة في «مدائن اللهفة»، كما هو الحال - على سبيل المثال - بالنسبة لموضوعة الحياة التي يمكن أن تعيشها فتاة تولد غريبة في مجتمع شرقي تقليدي، بعيداً عن أبيها وأسرته وبيئته المحلية بالكامل، من دون دونية
أو ظلم أو قسوة، ناهيك عن العنف في إمبراطورية الذكورة أو الحرمان من مكتسبات الرفاهية التي هي بالأصل ليست من حقها، وسوى ذلك من الأمور المعنوية والمادية، التي تكون في الأغلب موضع تنافس بين الأشقاء الذكور من جهة، والذكور والإناث من جهة أخرى، حتى لو كانوا جميعاً من أم وأب واحد.
فكيف تنال اليتيمة الغريبة الحظوة والدلال والسعادة الأسرية؟.
فهذا أمر مفارق للمألوف والمعروف بالمجتمعات الشرقية، وبخاصة منها القبلية التقليدية.
غير أن الحرفية والمهارة بالتوليفة، المخدومة باللغة الطيعة، صاغتها بشكل مقنع تماماً، لا بل جعلت المسألة وكأنها من بداهة الأمور، حينما قدمت الرجل الغريب «بوسلطان» وزوجته الأولى «ماما موزة» محرومين من النسل لمدة عشر سنوات، ما مهد لاعتبار ميلاد مريم بمثابة هبة من السماء، ولم تتراجع قيمة هذه الهبة مع وجود الإخوة الذكور وخاتمة العنقود ريم بالنسبة للأب الغريب، لأن «ماما موزة» هي التي ربتها وتعتبرها ابنتها التي لم تحملها وهناً على وهن، ولأن «بوسلطان» يعشق موزة، هذا فضلاً عن أنه يقدرها عالياً لأسباب عدة، ليس أقلها أنها راجحة العقل، دمثة الأخلاق والعشرة فقط، وإنما أيضاً لأن أسرتها احتضنته في بداياته كيتيم عاش بظل أرملة لا تملك سوى عملها اليومي بزينة النساء، وأن والدها فتح له أبواب التجارة، وأن أبواب الرزق شُرِّعت على مصاريعها بوجهه حالما تزوج موزة.
ولتعزيز الاقتناع بسعادة مريم، قدمتها التوليفة بأنها كانت تحب «ماما موزة» أكثر من أمها الحقيقية، من دون التغافل عن حقيقة أن هذا التفضيل بالحب ينطوي على الكثير من الإحراج - إن لم نقل الجحود والعقوق - وفق منطق أو مفهوم الأمومة، وخاصة أن الأم الحقيقية لم تقم بما يؤذيها، سوى انغماسها بالاهتمام في الإخوة الذكور، كما قدمتها التوليفة.
أيضاً هناك موضوعة فرار الإنسان من أقداره المقدرة لأسباب متنوعة - ليست مهمة في الإقناع أو تبرير الفرار - بقدر أهمية دور التوليفة، التي تجعل من الغياب لأكثر من نصف العمر أمراً مقبولاً أو مفهوماً بالنسبة للابنة، بحيث يجعلها تندم على نسيان إشارات أو هدية الأب الحقيقي «عمو حسن» نحو عامين، فتقول في الختام «يؤلمني أنه بقي ينتظر مني رداً على رسائله حتى آخر أيامه. لو أنني قرأت رسائله أول ما وصلتني؟ لو أنني لم أقع فريسة الحزن الذي أنساني حكاية الرسائل؟ لو أنني لم أتطلق..
لم أتزوج؟ لو أن الثورة لم تندلع.. لو الاضطرابات لم تستمر..؟ الذنب يحاصرني من كل الجهات كلما أتخيله على فراش المرض يسأل إن وصلته مكالمة أو رسالة مني. والحسرة تتملكني كلما أتذكره يناديني»، ابنتي «ولم أكن أعلم أنه كان يقصدها ويترقب ردة فعلي عند سماعها». فتكتب رسالة تعتذر له عن نسيانها وإهمالها رغم يقينها أنها لن تصله، فتقول:
«أبي.. أعرف أن كلماتي لن تصل إليك، وأنك لن تقرأني..
رغم ذلك سأكتب لك.. وسأظل أكتب لعلك تشعر بي.. بل حتماً أنت تراني.. متيقنة من ذلك، لأن روحي تتخفف من أحمالها، وشعوري بالذنب يقل كلما أكتب»، وتختم بوعد على مواصلة الكتابة له: «أعدك أنني لن أتوقف عن الكتابة إليك». هذا فضلاً عن غواية التوليفة السحرية، التي بدأت مع العنوان «مدائن اللهفة»، باعتباره عتبة رئيسية للنص، وبالفعل بدا في بعض وجوهه كذلك، بدءاً من الإهداء واستهلال الحكاية، وصولاً إلى حضور سحر المدن وخاصياتها في المتون حتى النهاية.
ومع ذلك يمكن تسجيل بعض الهنات القليلة جداً في بنية التوليفة - بالمعيار الاحترافي - وبخاصة على مستوى تدخل الراوي المفتعل بطبيعة الشخصية، كقوله عندما يتحدث عن ريم صفحة 32: «كم تكره نظرات بعضهم إليها!. لا تعرف إن كانت نظرات شفقة أم عطف أم خوف. تتمنى لو تستطيع أن تخبرهم أن المصاب بالإعاقة الجسدية أو الذهنية لا يعني أنه مصاب بالإعاقة الشعورية. إنه بحاجة إلى الحب لا الشفقة، إلى الفهم لا الخوف».
طبعاً هذا موقف أخلاقي وإنساني نبيل، يتمنى المرء أن يمارسه الجميع تجاه المصابين بهذا النوع من المرض.
ولكن تقديمه - كما ورد في النص- بسياق قراءة نفسية في النظرات وليس الأفعال أو السلوك، يجعله يبدو مفتعلاً ومقحماً على شخصية ريم.
ذلك لأن المصابين بهذا المرض الخَلقي، ربما يكونون مبدعين موهوبين في قراءة الطبيعة أو الأشكال والألوان، والتعبير عن ذلك من خلال الرسم أو الموسيقى، إلا أنهم ليسوا معنيين بقراءة السرائر بناء على النظرات، لأنهم مهما كبروا لا يغادرون مرحلة الطفولة.
والأطفال عادة يفسرون الحركات والأفعال الظاهرة والأصوات المسموعة إما لأنها تدل على الحب أو الخوف، فيقبلون أو يدبرون لا أكثر.
وطبعاً مثل هذه الهنات يمكن أن تكون مقبولة باعتبار النص تجربة أولى للكاتبة.
والمؤكد أنها ستتلافاها في جديدها المنتظر.