د. رشاد سالم *

عندما ضاقت نفس النبي من فعل المشركين به، وإيذائهم له، وازداد ضيقاً بعد ما مات من كانا أعز عليه من كل نفس، وهما: عمه أبو طالب، وزوجته خديجة، إذ كان يجد عندهما الفرج من كل ضيق، واليسر من كل شدة، وكان يلقى في كنفهما الراحة والأنس، فكان من فضل الله عليه ومنّه أن هيأ له رحلة سماوية تهدئ من نفسه، وتفرج من كربه، وهي رحلة الإسراء والمعراج.
ويتحدث رب العزة سبحانه عن معراجه إلى السموات العلا، وعن مرائيه هناك، ويصفه بقوله في سورة النجم: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى).
ويرى ابن القيم في هذه الكمالات كمالا لأدبه، فيقول: قال ابن عباس: ما زاغ البصر يمينا، ولا شمالا، ولا جاوز ما أمر به، وعلى هذا المفسرون، فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء، من التفاته يمينا وشمالا، ومجاوزة بصره لما بين يديه.
وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام، وفي تلك الحضرة، إذ لم يلتفت جانبا، ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات، وما هناك من العجائب، بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما أري، من دون التفاته إلى غيره، ومن دون تطلعه إلى ما لم يره.
مع ما في ذلك من ثبات الجأش، وسكون القلب، وطمأنينته، وهذا غاية الكمال.
وزيغ البصر: التفاته جانباً. وطغيانه: مده أمامه إلى حيث ينتهي.
فنزه الله سبحانه في هذه السورة وفي تلك الكلمات علمه عن الضلال، وقصده وعمله عن الغي، ونطقه عن الهوى، وفؤاده عن تكذيب بصره، وبصره عن الزيغ، وهكذا يكون المدح، وصدق الله العظيم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)
.
«وَإِنَّا أَوْ «إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ»
قال تعالى في سورة سبأ: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
ختم الله الآية الكريمة بما يسميه البلاغيون (تجاهل العارف)، ومزج الشك باليقين بإخراج ما تعرف صحته مخرج ما يشك فيه؛ ليزيد بذلك تأكيدًا ومبالغة في المعنى، فلم يبين مَن مِن القبيلين على الهدى، ومن منهما في الضلال، وهذا من إنصاف الخصم، وإقامة الحجة عليه، بترك الحكم فيه للعاقل.
قال الزمخشري: وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، وفي درجة بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادلة إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم، وفلّ شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه: «علم الله الصادق مني ومنك، وإن أحدنا لكاذب».
وهنا نظرة أخرى في استعمال حرف الجر (على) مع الهدى، حيث قال: (لَعَلَى هُدًى)، واستعمال (في) مع الضلال، فقال: (أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، ف (على) التي تدل على الاستعلاء، ومن استقام على الطريق المستقيم، وثبت على الحق، فإن طريق الحق تصعد بصاحبها إلى العلى الكبير، فلعلوّه وثبوته واستقامته ناسب مجيء (على) معه، فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، بخلاف الضال صاحب الباطل، فإن انغماسه فيه وسلوكه طريق الضلال التي تأخذه سفلا هاوية به في أسفل سافلين، فكأنه منغمس في ظلام، مرتبك فيه، لا يدري أين يتوجه به. كذا قال الزمخشري. والله أعلم.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة