قال سبحانه وتعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا». (الكهف 45).
ضرب الله عز وجل مثلاً للحياة الدنيا في أكثر من آية فقال تعالى في سورة يونس: «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)»
وقال تعالى في سورة الحديد: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)».
حب الدنيا
هذه الحياة الدنيا أما الآخرة فهي خير وأبقى، وقد ركب في الإنسان حب الدنيا وزينتها، رغم يقينه بأن الموت آتٍ وأن كل آتٍ قريب، وهو أقرب إلى الإنسان من شراك نعله، فإذا أشرب قلب المرء حب الدنيا وتعلق فؤاده بها عمل لها عملها، ونسي الآخرة، وطال به الأمل وامتد حتى يأتيه اليقين، وإذا كان العكس وتمكن من قلبه الشعور بدنو الأجل، مهما طال به المقام بالدنيا فقد عوفي من حب الدنيا، وطول الأمل.
وسمع أبو هريرة - رضي الله عنه- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين في حب الدنيا، وطول الأمل».
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا، كمثل راكب قال (أي: نام وقت القيلولة) في ظل شجرة ثم راح وتركها»، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين عن أن يمدوا في حبال الأمل فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
قدح اللبن
وروى البخاري في باب «كيف كان عيش النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا» أن أبا هريرة قال: «الله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: «أبا هر»، قلت لبيك يا رسول الله، قال: «إلحق»، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللبن؟»، قالوا أهداه لك فلان أو فلانة، قال: «أبا هر»، قلت لبيك يا رسول الله، قال: «الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي»، قال وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت قال: «يا أبا هر»، قلت «لبيك يا رسول الله»، قال: «خذ فأعطهم»، قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسم فقال: «أبا هر»، قلت لبيك يا رسول الله. قال: «بقيت أنا وأنت»، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب»، فقعدت فشربت، فقال: «اشرب»، فشربت، فما زال يقول: «اشرب»، حتى قلت لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكا، قال: «فأرني»، فأعطيته القدح فحمد الله وسمى، وشرب الفضلة».
تمر وماء
وعن عائشة - رضي الله عنها - قولها: «ما أكل آل محمد - صلى الله عليه وسلم - أكلتين في يوم، إلا إحداهما تمر»، وقالت رضي الله عنها: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحيم»، وقالت: «ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض».
وكان عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يقول: «ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل».