أ.د. حميد مجول النعيمي 

لنقرأ الآيات الكريمات في سورة الشمس (1-6): «والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها..»
نجد في الآيات أعلاه حالات ستاً مقسوماً بها، وكل قسم فيها فلكي كوني صرف، سواء من حيث المحتوى أو الترتيب أو العلاقة الداخلية بين الحالات كافة، وبالنسبة للإنسان فإن الأجرام السماوية والظواهر الفلكية المرادفة لها (مثل الشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض) مهمة جداً، ولولاها لما تمكن الإنسان من البقاء على سطح الأرض.
فالشمس مثلاً دخل اسمها في 33 نصاً قرآنياً دخولاً لفظياً مباشراً، فلماذا خصها الله سبحانه بالقسم ؟ وقبل أن نتعرف إلى أهمية القسم بالشمس، لابد لنا أن نعرف ماهية هذا النجم فلكياً وفيزيائياً:
الشمس كرة عملاقة من الغاز الساخن ومن التفاعلات النووية، تدور حول نفسها بسرعات مختلفة لأجزائها، إذ تدور جسماً غازياً بحيث تكون السرعة في الاستواء أكبر مما هي عليها عند القطبين، وتكمل دورتها حول نفسها بـ 25 يوماً تقريباً عند الاستواء وبـ 35 يوماً تقريباً عند القطبين. تدور الشمس حول مركز مجرتنا بسرعة 240 كم/ثانية تقريباً لتكمل دورتها بـ 250 مليون سنة تقريباً، وبما أن عمرها 5000 مليون سنة، تكون قد أكملت 20 دورة حول مركز مجرة درب التبانة منذ أن ولدت مما يسمى بالسديم الشمسي (الشمس حالياً في منتصف عمرها وأمامها عمر آخر مقداره 5000 مليون سنة أخرى)، أي أن سطوع الشمس مازال مستمراً في ازدياد، إذ أنها حتى الآن حرقت من مادة وقودها الهيدروجين أقل قليلاً من نصف مخزونها، وهذا يعني أن أمامها مستقبلاً طويلاً «والشمس تجري لمستقر لهـا»).
تعد الشمس إحدى النجوم النموذجية، وهي نجم متوسط بالمقارنة مع ملايين النجوم الموجودة في مجرتنا (درب التبانة). ينبعث من سطحها الضوء الذي يضيء نهارنا ويمنحنا الدفء والحرارة، ونظراً «إلى قربها الشـديد فهي تظهر لنا وكأنها قرص غازي بدلاً» من نقطة مضيئة كما هي حال النجوم الأخرى، الأمر الذي مكن العلماء من دراستها من الأرض ومن الفضاء بشيء من التفصيل، واعتبرت هذه الدراسات ركائز أساسية في علم النجوم. إن كتلة الشمس تؤلف حوالي 99.8 % من كتلة المجموعة الشمسية مجتمعة»، وهي المصدر الرئيس للطاقة التي تحفظ الحياة على الأرض وبدونها تكون الحياة مسـتحيلة:
«وجعلنا سراجاً وهاجاً»، (النبأ: 13).
وهذه الطاقة تنتـج عرضياً» مـن عمليات الاندماج النووي في مركز الشمس، إذ يتحول الهيـدروجين إلى هليـوم بشـكل مسـتمر (أي تحرق الهيدروجين وتحوله إلى هيليوم في باطنها، فإنها تحرق في الثانية الواحدة ما متوسطه خمسة آلاف طن من كتلتها).
وبما أن الشمس أم الطاقات الموجودة على كوكب الأرض وعلى كواكب المجموعة الشمسية الأخرى وهي المصدر الرئيس للضوء والطاقة على سطح الأرض، فإن الله سبحانه وتعالى أقسم بها فقال: «والشمس وضحاها»، وقال عنها في كتابه الكريم:
«هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون»، (يونس5).
وقال أيضاً:
«تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً»، (الفرقان 61).
أي وصفها بالسراج لا بل بالسراج الوهاج، كما وصفها أيضاً بالضياء، أي أن ضياءها ذاتي ناتج من التفاعلات والاحتراقات النووية الداخلية مثل سائر النجوم.
وبالعودة إلى الآيات الكريمات في سورة الشمس (1-9) أعلاه:
نجد أن الشمس جاءت في مطلع سورة الشمس آنفاً،‏ وهي سورة مكية،‏ وآياتها ‏15‏ بدون البسملة‏، وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بقسم من الله تعالى بثمان من آياته الكونية التي جاءت متتابعة على النحو الآتي‏:‏
(1) القسم بالشمس‏:‏ «والشمس» أم المجموعة الشمسية وأقرب نجوم السماء إلينا وهي مصدر الطاقة والضوء والدفء للأرض ومن عليها‏.
(2) ‏ القسم بضحاها‏:‏ «وضحاها» هي لحظة طلوعها في الأفق وإشراقها في حركتها الظاهرية إلى وقت الظهيرة‏.
(3) القسم بالقمر، «والقمر إذا تلاها»:‏ أي إذا تبعها في إنارة كوكب الأرض بعد غروب الشمس‏، ونحن نعرف فلكياً أن القمر كل يوم في منزلة، إذ يكون محاقاً ثم هلالاً وأحدب وبدراً ثم يعود أحدب وهلالاً خلال الشهر القمري الواحد. ‏فالشمس والقمر آيتان من آيات الله جعل حركاتهما وسيلة دقيقة لحساب الزمن والتأريخ وتوثيق الأحداث وإعداد التقاويم، وجعلهما مع النجوم مسخرات بأمره تعالى.
(4) ‏القسم بالنهار،‏ «والنهار إذا جلاها»: أي النهار الذي وضحها وجعلها ظاهرة للكائن الحي، إذ إن أشعة الشمس لا ترى (لا تبصر) إلا بعد تشتتها وانعكاساتها مرات عديدة على الأجسام الغبارية الصغيرة في الغلاف الجوي للأرض مثل هباء الغبار،‏ وقطرات الماء وبخاره، وجزيئات الغازات المختلفة المكونة للهواء بتركيز معين‏.‏
(5) ‏القسم بالليل، «والليل إذا يغشاها»: أي وبليل الأرض إذ يغطيها عنا بطبقة ظلمته الرقيقة التي تلتقي مع ظلمة الكون‏.
(6) ‏القسم بالسماء،‏ «والسماء وما بناها»: أي بالسماء وبنائها المحكم الدقيق وجعلها تحتوي على مختلف الأجرام السماوية من المجرات والسدم والنجوم والكواكب والأتربة والغازات،‏ والله سبحانه هو القادر العظيم الذي بناها وسواها‏.‏
(7) القسم بالأرض، ‏‏«والأرض وما طحاها»: أي وبالأرض ومدها وبسطها‏،‏ وبالذي كورها فمدها وبسط سطحها‏ (وصفت مسطحة للكائن الحي، فسطحها واسع جداً بحيث يراها الإنسان من على سطحها مسطحة) لكنها كروية في الكون، وهكذا نراها من الفضاء.‏
(8) القسم بالنفس، «ونفس وما سواها» أي وبالنفس الإنسانية وبالذي خلقها‏ وجعلها تنظر وتفكر بالكون ومحتواه لتتعرف إلى عظمة وقدرة الله سبحانه ثم يأتي جواب القسم بقول الحق سبحانه وتعالى: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، ثم خاب من دساها «قد أفلح من زكاها،‏ وقد خاب من دساها»، ( ‏‏الشمس: 9 و10).
وبناء على ما تقدم نجد التمايز في الآيات الكريمات أعلاه بين ضيائية الشمس ونورانية القمر فضلاً عن ظواهر الليل والنهار وامتداد الظل ومرور الجبال مر السحاب في إشارات ضمنية إلى دوران الأرض حول محورها المائل.

* مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك