قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}، (سورة النحل الآيات من 5 - 7). وقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ}، (سورة النحل الآية 80).
من تلك الآيات الكريمة يتضح لنا أن الأنعام تفيد في نواح متعددة منها: إنتاج اللبن واللحم وكذلك استخدامها في العمل وفي تصنيع الجلود والأوبار وغيرها. والأوجه السابقة من المنافع هي بحذافيرها التي جعلها علم الإنتاج الحيواني هدفاً جوهرياً له، يعمل علماؤه جاهدين لتحقيقه على نطاق واسع.

فعلم الإنتاج الحيواني الحديث يعمل على تربية الأبقار والجاموس والأغنام والماعز والإبل. وفي علم الحيوان نجد أن شعبة الحبليات تضم طائفة الثدييات نسبة إلى الثدي الذي يفرز اللبن.. ومن ثم سميت أيضاً باللبونات. ومن الثدييات توجد مجموعات ذوات الظلف أو الحفريات ومن هذه مجموعة المجترات. وهنا نجد أن العلم يطابق القرآن في الاستخدامات التي بينها في محكم آياته، داعياً في طياتها إلى الاعتناء والاستعانة بها فيما يفيد في الحياة، وجعل الأنعام آية من آيات الله في خلقه.
صنوف الأنعام
قال تعالى: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ
اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظالمين}، (سورة الأنعام الآيتان: 143و144).

يقول الدكتور أحمد حسنين القفل في كتابه «الأنعام بين العلم والقرآن»: هاتان الآيتان الكريمتان تحددان الأنعام بأنها ثمانية أزواج.. أي أربع مجموعات كل مجموعة تتكون من ذكر وأنثى.. والمجموعات الأربع هي «الضأن والمعز والإبل والبقر.. والآيتان تناقشان مزاعم المشركين بخصوص تحريمهم لأفراد من الأنعام أو أجزائها جزافاً، ومن دون مستند سليم يعتمد عليه، وهذا تبكيت لهم وسخرية منهم.
ويقسم علم الحيوان ما سبق أن قرره البيان القرآني كالآتي:
أولاً: فصيلة الجمال (الإبل) وتشمل الجمال ذات السنام الواحد، والجمال ذات السنامين كما تشمل حيوانات شبيهة بالجمال، لكنها أصغر منها حجماً تعرف «باللاما» ولا سنام لها.
ثانيا: الفصيلة البقرية، وتضم حيوانات تنتشر في كل بقاع العالم، وهي تشمل أجناساً وأنواعاً عديدة مختلف الأحجام، وتضم الفصيلة البقرية: البقر والجاموس والماعز والغنم. وتقف الأنعام موقف الصدارة بين مجاميع الحيوانات الأخرى، من حيث تعدد منافعها وتنوع فوائدها وهذا ما يسجله جلياً القرآن الكريم، ويطابقه فيه.. علم تربية الحيوان الحديث.
تكوين اللبن
قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ
}. (سورة النحل الآية 66). وتوجه الآية أنظارنا إلى الاعتبار بما في قدرة الله -تعالى- من إبداع في خلقه، وروعة في صنعه؛ حيث جعل اللبن يخرج من بين فرث.. وهو فضلات الطعام وبين الدم. وهنا يوضح ما كشف عنه علم وظائف الأعضاء في الأجسام، من أن الجهاز الهضمي للحيوان يقوم بهضم الطعام، وامتصاص العصارة التي تتحول إلى دم يجري في الأوعية الدموية لتغذية كل خلية في الجسم.
ومن هذا الدم ما يصل إلى ضرع الحيوان؛ حيث تستخلص الغدد اللبنية في هذا الضرع من الدم العناصر اللازمة لتكوين اللبن؛ وذلك بعد أن تنصب عليه عصارات خاصة تحيله إلى لبن له مذاقه ولونه الخاص.

وأثبت العلم الحديث أن اللبن يخرج من بين الفرث والدم سائغاً لذيذاً للشاربين فسبحان الله..إنها عملية عجيبة فائقة العجب، وهي تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عمليات الاحتراق وهكذا يتحول غذاء الحيوان من حشائش وحبوب وغيرها بعد عدة عمليات وظيفية إلى لبن هو خير غذاء للإنسان ولغيره.
الأبقار الصفراء
قال تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَاج قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}، (سورة البقرة الآية69). وقال تعالى: {قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا}، (سورة البقرة الآية71).
يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «الإعجاز العلمي في الإسلام»: «قررت أصول علم الطب البيطري أن خير الأبقار وأفضلها هو ما كان لونها شديد الصفرة في صفاء.. وأنه على قدر صفاء اللون وسلامة الأسنان تكون صحة البقرة.. وكذلك من علامات عافيتها إثارتها للغبار في الأرض بحوافرها؛ وذلك بفعل قوتها وشدتها..إذ إنها لم تجهد بالعمل في حرث الحقل أو ما شابهه من الأعمال الزراعية». وقد اكتشف العلماء حديثاً أن اللون الأصفر له دلالته في الآية الكريمة فقد تبين أنه لا يحتاج إلى قوة من عدسة العين لكي تراه أي أنه يتجمع مباشرة على الشبكية من دون مجهود من العين في حين أن الأمر يختلف بالنسبة للون الأحمر على سبيل المثال؛ حيث إن عدسة العين تحتاج إلى قوة في الإبصار لكي ترى اللون الأحمر مقدارها 50% ديومتر».
شحوم الجمل
جاء في قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}،
(سورة الغاشية الآيات: 17-21)، وقد كشف علماء الفسيولوجيا والبيولوجيا مؤخراً أن للجمل قدرة على إنتاج الماء من الشحوم الموجودة في سنامه بطريقة كيميائية. ومن المعروف لعلماء الفسيولوجيا والكيمياء أن أفضل مادة خام لإنتاج الماء وأسهلها هي الشحوم، والمواد الكربوهيدراتية.
ويرجع السر في ذلك إلى أن هذه المواد لا تنتج عن احتراقها في الجسم أية مواد ثانوية؛ بل كل ما ينتج عن الاحتراق هو الماء، وغاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يتخلص منه الجسم في عملية التنفس، بالإضافة إلى تولد كمية كبيرة من الطاقة يستغلها الجمل لمواصلة نشاطه الحيوي.
ويقوم الجمل بتخزين الشحوم في أماكن مخصصة لهذا الغرض، وهو لا يخزنها تحت الجلد كما هو الحال في الإنسان، لأنه لو كان الأمر كذلك لهلك الجمل بسبب السخونة الزائدة في جسم الجمل عن الإنسان.. ولكن الخالق العليم الذي أبدع في خلقه وصنعه لمخلوقاته، شاء أن يخزن الجمل شحمه في سنامه فقط، بحيث لا يترك شيئاً منه في أي مكان آخر من سطح جسمه؛ ولذلك لا يعاني الجمل الحر، ولا يفقد جسمه كميات كبيرة من العرق نتيجة لذلك وبالتالي يحافظ على الماء الموجود في جسمه.
التكيف مع الحرارة
وكشف العلم الحديث أن الجمل من الحيوانات ذات الدم الحار ويتميز عن غيره من المخلوقات الأخرى بقدرته على المحافظة على حرارة جسمه. ويستطيع الجمل التكيف مع المعيشة في ظروف الصحراء، أكثر من سائر الحيوانات الأخرى التي تعيش في مثل هذه الظروف التي تتغير فيها درجة الحرارة بين الليل والنهار بشكل كبير.
ويستطيع الجمل تحمل تقلبات درجة حرارة الجسم نتيجة لذلك.. ففي النهار حين ترتفع درجة حرارة الجو ترتفع درجة حرارة الجمل إلى 40.5 درجة مئوية، ليستطيع تحمل ارتفاع درجة الحرارة، وإذا انخفضت درجة حرارة الهواء فإن الجمل يصرف إلى الخارج فائض الحرارة التي لديه، فالجمل له القدرة على أن تختلف حرارة جسمه من دون ضرر بين 35 درجة مئوية و40.5 درجة مئوية.
ومن جانب آخر، يقول صبحي سليمان في كتابه «العلاج ببول الإبل وألبانها»: يعتبر لبن الإبل غنياً بالعناصر الغذائية؛ حيث إن به نسبة عالية من عنصري الحديد والبوتاسيوم وكذلك فيتامين (ج) كما أنه صحي جداً؛ حيث تنخفض فيه نسبة الدهن واللاكتوز، وهو سائل وفير الرغوة دافئ وثقيل وحلو المذاق عادة ولكنه غريب المذاق بالنسبة إلى الغرب. ويستخدم لبن الإبل في الهند لعلاج مرض السكر والاستسقاء واليرقان ومتاعب الطحال والسل والربو والأنيميا، والبواسير، ولقد أنشئت عيادة يستخدم فيها لبن الإبل فقط للعلاج، وقد تحسنت وظائف الكبد في المرضى المصابين بالتهاب الكبد بعد أن عولجوا بلبن الإبل. كما يعتبر لبن الإبل الطازج الحار أفضل شيء لتنظيف الجهاز الهضمي ويعتبر أفضل المسهلات.