القرآن كتاب الله القويم، وحبله المتين، ‮ والذي أعجز العرب وهم سادة البلاغة والفصاحة يتضمن آيات قد تحتار فيها العقول، لما فيها من‮ ‬غموض‮.. ‬ومن هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى في‮ ‬الآية‮ ‬53‮ ‬من سورة البقرة «وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ‮ ‬الشَّجَرَةَ‮ ‬فَتَكُونَا مِنَ‮ ‬الظَّالِمِينَ‮» ‬فما هي‮ ‬الشجرة؟ ولماذا كان التحذير منها؟
يقول جلال الدين السيوطي في‮ ‬كتابه‮ «‬مفحمات الأقران في‮ ‬مبهمات القرآن‮»: «‬ولا تقربا هذه الشجرة‮» ‬أخرج ابن جرير وابن أبي‮ ‬حاتم من طريق عكرمة، ‮ ‬عن ابن عباس‮: ‬«أنها السنبلة‮. ‬وله طرق عنه صحيحة‮..‬ وأخرج ابن جرير من طريق السدي‮ ‬بأسانيده‮: ‬أنها الكرم‮. ‬وزعم اليهود أنها الحنطة‮..‬ وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال‮: ‬هي‮ ‬اللوز‮. ‬وإسناده ضعيف‮.. ‬وأخرج عن‮ ‬يزيد بن عبد الله بن قسيط قال‮: ‬هي‮ ‬الأترج‮.. ‬وأخرج ابن أبى حاتم عن أبي‮ ‬مالك قال‮: ‬هي‮ ‬النخلة‮..‬وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال‮: ‬هي‮ ‬تينة. وأخرج ابن أبي‮ ‬حاتم مثله عن قتادة بلفظ‮: ‬هي‮ ‬التين‮.. ‬فهذه ستة أقوال في‮ ‬تعريف الشجرة»‮.
شجرة الخلد
وعَنْ‮ ‬جَعْدَةَ‮ ‬بْنِ‮ ‬هُبَيْرَةَ، ‮ ‬قَالَ‮: «‬الشجرة التي‮ ‬افتتن بها آدم شجرة الكرم أي‮ ‬العنب وجعلت فتنة لولده بعده»، ‮ ‬وفي‮ ‬رواية لجعدة أن الشجرة التي‮ ‬نهي‮ ‬عنها آدم‮ هي ‬شجرة الخمر‮.‬
وجاء في‮ ‬«درج الدُّرر في‮ ‬تَفِسيِر الآيِ‮ ‬والسُّوَر‮»، لأبي بكر عبد القاهر الجرجاني‮، ‬ما نقله من أقوال عن المراد بالشّجرة، في‮ ‬قوله تعالى‮: «‬وَلا تَقْرَبا هذِهِ‮ ‬الشَّجَرَةَ‮» ‬قال‮: ‬«وهي‮ ‬شجرة السنبلة عن ابن عبّاس وأبي‮ ‬مالك وعطيّة ووهب وقتادة، ‮ ‬وشجرة العنب عن ابن مسعود والسدّي‮ ‬وجعدة بن هبيرة وإحدى الروايات عن ابن عبّاس، ‮ ‬وشجرة العلم عن الكلبيّ، ‮ ‬يعني‮ ‬علم الخير والشرّ‮».‬
وجاء في‮ «‬غرائب التفسير وعجائب التأويل‮» ‬لأبي‮ ‬القاسم برهان الدين الكرماني‮ «‬وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ‮ ‬الشَّجَرَةَ‮» ‬قيل‮: ‬هي‮ ‬الحنطة، ‮ ‬وقيل‮: ‬العنب، ‮ ‬وقيل‮: ‬التين، ‮ ‬وقيل‮: ‬النخلة، ‮ ‬وقيل‮: ‬الكافور، ‮ ‬وقيل‮: ‬شجرة العلم‮. ‬أي‮ ‬أنها شجرة من أكل منها علم الخير والشر، ‮ ‬وقيل‮: ‬شجرة الخلد التي‮ ‬تأكل منها الملائكة، ‮ ‬وقيل‮: ‬شجرة من أكل منها أحدث، ‮ ‬وقيل‮: ‬شجرة الحنظل‮.‬
دار محنة
وجاء في‮ «‬بحر العلوم» لأبي الليث السمرقندي‮: ‬قوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة، ‮ ‬أي‮ ‬ولا تأكلا من هذه الشجرة. وروي‮ ‬عن ابن عباس ‮- ‬رضي‮ ‬الله عنهما‮: ‬أنها كانت شجرة القمح‮. ‬وروى السدي، ‮ ‬هي‮ ‬شجرة الكرم‮. ‬وروي‮ ‬عن علي ‮- ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬مثله‮. ‬وروي‮ ‬عن قتادة أنه قال‮: ‬وذكر لنا أنها شجرة التين ويقال‮: ‬إنما كان النهي‮ ‬عن الأكل من الشجرة للمحنة، ‮ ‬لأن الدنيا دار محنة، ‮ ‬وقد خلق آدم من الأرض ليسكن فيها، ‮ ‬فامتحن بذلك، ‮ ‬كما امتحن أولاده في‮ ‬الدنيا بالحلال والحرام‮. ‬فذلك قوله عز وجل‮: ‬«ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين»، ‮ ‬أي‮ ‬فتصيرا من الضالين بأنفسكما‮. ‬فوسوس لهما الشيطان أي‮: ‬زين لهما الشيطان ليبدي‮ ‬لهما ما ووري‮ ‬عنهما من سوآتهما‮ ‬يعني‮: ‬أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة إظهار ما سترا من عوراتهما، ‮ ‬والسوأة كناية عن العورة‮. ‬وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في‮ ‬الجنة ورأى نفسه طريداً لم‮ ‬يصبر، ‮ ‬واحتال لإخراجهما فأتاهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين‮ ‬يعني‮: ‬أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين أو تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر‮. ‬أو تكونا من الخالدين‮ ‬يعني‮: «إن لم تكونا ملكين فتكونا من الخالدين لا تموتان‮».‬
ويضيف أبو الليث السمرقندى‮: «‬وحلف لهما إبليس إني‮ ‬لكما لمن الناصحين بأنها شجرة الخلد من أكل منها لم‮ ‬يمت»‮. ‬وكان آدم لم‮ ‬يعلم أن أحدا‮ً ‬يحلف بالله كاذباً فدلاهما بغرور أي‮: ‬غرهما بباطل ويقال‮: ‬«زين لهما»‮. ‬وأصله في‮ ‬اللغة من التقريب‮ ‬يعني‮: ‬قربهما إلى الشجرة فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى بطنيهما تهافت لباسهما عنهما وبدت لهما سوآتهما أي‮ ‬ظهرت عوراتهما، ‮ ‬وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح‮.. ‬وعن أبي‮ ‬بن كعب عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: «‬إن آدم كان رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس، ‮ ‬فلما وقع في‮ ‬الخطيئة بدت له سوأته، ‮ ‬وكان لا‮ ‬يراها قبل ذلك، ‮ ‬فانطلق هارباً في‮ ‬الجنة فتعلقت به شجرة من شجر الجنة، ‮ ‬فناداه ربه‮: ‬يا آدم أتفر مني؟ قال‮: «‬يا رب إني‮ ‬أستحي‮». ‬وفيه دليل أن ستر العورة كان واجباً من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق‮.‬
حلف إبليس الكاذب
وجاء في‮ «‬معالم التنزيل في‮ ‬تفسير القرآن‮» ‬لأبي‮ ‬محمد الحسين بن مسعود البغوي‮: ‬قال قتادة‮: ‬وحلف إبليس لهما بالله حتى خدعهما، ‮ ‬وقد‮ ‬يخدع المؤمن بالله، ‮ ‬فقال‮: «‬إني‮ ‬خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني‮ ‬أرشدكما، ‮ ‬وإبليس أول من حلف بالله كاذباً، ‮ ‬فلما حلف ظن آدم أن أحداً لا‮ ‬يحلف بالله كاذباً، ‮ ‬فاغتر به‮».‬
وقال السيوطي‮ ‬في‮ «‬معترك الأقران في‮ ‬إعجاز القرآن‮»، «قيل: أصحاب الشجرة في‮ ‬القرآن أربعة»‮: ‬آدم‮: «‬ولا تَقرَبا هذه الشجرة‮» ‬، ‮ ‬وموسى‮: «‬نودي‮ ‬من شاطئ الوادي‮ ‬الأيمن في‮ ‬البقْعَةِ‮ ‬المباركة من الشجرة‮» ‬، ومريم‮: «‬فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ‮ ‬إِلَى جِذْعِ‮ ‬النَّخْلَةِ‮» ‬ومحمد‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ -: «‬إذ‮ ‬يبَايعونك تَحْتَ‮ ‬الشجرة‮».