هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين».. (القصص:30)
في هذا المشهد العظيم والليل حالك، يتسلل منه بصيص ضوء من فوق الجبل، نرى موسى وهو ينظر إلى السماء وينصت للنداء في هيبة وجلال، إنه موقف صعب لا يعلم نبي الله موسى كيف تكون نهايته، لكن كان عليه أن يسير لما أراد الله له أن يكونه.
يقول المفسرون: «جعل الله هذه البقعة مباركة؛ لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبياً، فعندما قضى موسى، عليه السلام، المدة المشروطة وسار بأهله عائداً بزوجته إلى مصر، أبصر من ناحية جبل الطور ناراً، فقال لمن معه ابقوا هنا إني رأيت ناراً، لعلي آتيكم بخبر عن الطريق أو بجذوة من النار تستدفئون بها، فلما جاء موسى إلى النار التي أبصرها، أتاه النداء من شاطئ الوادي الأيمن من قبل الشجرة.. قال عطاء: كانت عوسجة، وقيل من العليق، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها العناب وهو من شجر اليهود».
نداء إلهي
يحكي لنا القرآن الكريم أن موسى عليه السلام دخل المدينة في وقت القيلولة، وكان الناس في غفلة، قد يكون سهلاً أن نرى هذا المشهد حين دخل نبي الله موسى المدينة في وقت يخلد فيه الناس إلى الراحة قليلاً ليستأنفوا عملهم مرة أخرى، يقول علي بن نايف الشحود في كتابه(الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم): «يجسد الفعل الذي لم يسم فاعله أجزاء المشهد الذي نرى فيه موسى عليه السلام يفاجأ بالنداء الذي يأتيه من حيث لا يدري ولا يحتسب، فنراه وقد اعترته الدهشة وهول المفاجأة، وأخذ يتلفت هنا وهناك؛ ليقف على حقيقة الصوت».
ويتسم الأسلوب القرآني الكريم - فيما يتسم - بالمرونة والاتساق مع المشاهد واللوحات النابضة بحياة الموقف، حتى إننا نجد الكلمة بذاتها تأتي في عدة سياقات ولها دلالة مختلفة في كل سياق بحسب ما يقتضيه المعنى ويتطلبه المقام، وكلما ازداد الزمان عمراً، وبلغ الدهر شأواً وغاية انبثقت أساليب القرآن وكلماته؛ لتشع بضوئها ونورها؛ لتنطلق كائنات الوجود من جديد بمراميه ودلالته، وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه، وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة، وتعاوروه من كل ناحية، وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا، ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا، ومراما بعيدا، وصعبا شديدا».
فوق مدارك البشر
«إن القلب ليجف، وإن الكيان ليرتجف، وهو يتصور مجرد تصور ذلك المشهد! موسى فريد في تلك الفلاة، والليل دامس، والظلام شامل، والصمت مخيم، وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور، ثم إذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء: «إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك..»، إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة (موسى) تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار، الجلال الذي تتضاءل في ظله الأرض والسماوات، يلتقي ذلك النداء العلوي بالكيان البشري.. فكيف؟ كيف لولا لطف الله؟».
«إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها، وتكبر ممثلة في موسى، عليه السلام، فبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة، وبحسب البشرية أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال على نحو من الأنحاء.. كيف؟ لا ندري كيف! فالعقل البشري ليس هنا ليدرك ويحكم، إنما قصاراه أن يقف مبهوتا يشهد ويؤمن!».
«فلما أتاها نودي يا موسى: إني أنا ربك..» نودي بهذا البناء للمجهول، فما يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه، ولا تعيين صورته ولا كيفيته، ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه.. نودي بطريقة ما فتلقى بطريقة ما، فذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه، ولا نسأل عن كيفيته؛ لأن كيفيته وراء مدارك البشر وتصورات الإنسان، «يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى».. إنك في الحضرة العلوية، فتجرد بقدميك، وفي الوادي الذي تتجلى عليه الطلعة المقدسة، فلا تطأه بنعليك، «وأنا اخترتك».. فيا للتكريم! يا للتكريم أن يكون الله بذاته هو الذي يختار.. يختار عبداً من العبيد هو فرد من جموع الجموع.. تعيش على كوكب من الكواكب، هو ذرة في مجموعة، المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له الله كن.. فكان!».
نار في شجرة خضراء
قال ابن كثير: «إن النداء كان من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: «وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر..» (القصص: 44)، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتاً في أمرها، فناداه ربه: (من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة).
ومن المعلوم لدى العوام من الناس أن الوادي المقدس هو بمنطقة سانت كاترين كما هو متواتر، وبه جبل موسى، عليه السلام، يقول الرازي: «اعلم أن شاطئ الوادي جانبه، وجاء النداء عن يمين موسى من شاطئ الوادي من قبل الشجرة، وقوله: «من الشجرة» بدل من قوله: «من شاطئ الوادي»، بدل الاشتمال؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، وإنما وصف البقعة بكونها مباركة؛ لأنه حصل فيها ابتداء الرسالة، وتكليم الله تعالى إياه، ولقد اختلف المؤرخون وكتاب تاريخ الأديان في تحديد مسار طريق رحلة الخروج إلى أرض الميعاد، تلك الرحلة التي بدأت في مرحلتها الثانية من جبل موسى الذي صعد إليه النبي موسى ليكلم ربه الذي أمره أن يذهب بقومه إلى أرض الميعاد.