تزخر المنطقة الوسطى في إمارة الشارقة بالعديد من المواقع الأثرية والتاريخية التي ترسم صورا من التاريخ السحيق وتعود إلى مرحلة ما قبل الميلاد، ومثلت حضارة عريقة بالمنطقة وكشفت اللثام عن الحياة السائدة منذ آلاف السنين، ولأهميتها كانت لا تبارحها فرق التنقيب لتسجل يوما بعد يوم الاكتشافات التي تثلج الصدور بما تبوح به هذه الصخور والقطع الأثرية، لكنها على الرغم من ذلك تعاني في بعض منها من نقص في الاهتمام والرعاية، لذلك نحاول خلال هذه السطور أن نسلط الضوء على واقع هذه المواقع الأثرية والتراثية لأهميتها والعمل بأسرع وقت على صيانتها وترميمها وتجهيزها والحفاظ على نظافتها وجعلها متاحف مفتوحة للجميع وفق تنظيم وإدارة ومتابعة من الجهات المعنية.

يقع موقع مليحة على بعد حوالي 20 كم جنوب مدينة الذيد، وعلى بعد 50 كم شرق مدينة الشارقة، وتعتبر مليحة من المدن المهمة التي تعود بداية تأسيسها إلى القرن الثالث ق.م، وتوسعت وازدهرت خلال الفترة المعروفة بالفترة الهلنستية واستمرت حتى القرن الرابع الميلادي، كما تشير إلى ذلك المكتشفات الأثرية في هذا الموقع.

وكشفت التنقيبات التي جرت في مليحة منذ بداية السبعينات من القرن الماضي وجود مدينة مهمة تضم أبنية إدارية وحصوناً كبيرة، ومدافن تذكارية وحارات سكنية ومقابر دفنت فيها الجمال والخيول إلى جانب أصحابها وسكت عملتها المحلية فيها، ويبدو أن المدينة كانت مركزاً مهماً في شبه الجزيرة في التجارة العالمية التي تربط أقطار حوض البحر الأبيض المتوسط مع أقطار المحيط الهندي.

وأشارت اللقى الأثرية المكتشفة في مليحة إلى استيراد فخاريات وبضائع أخرى من وادي الرافدين وشمال الجزيرة العربية واليمن والجزر الإغريقية.

وفي مليحة تم اكتشاف أبنية مدنية ومقابر شاخصة لا تصل من الناحية المعمارية إلى مستوى المقابر في موقع الفاو في المملكة العربية السعودية أو البتراء في الأردن ولكنها تذكّر بها.

وبالإضافة إلى معدن الحديد الذي استعمل بكثرة في هذا العصر عرف أهل مليحة ضرب العملة على الطريقة الإغريقية والتي تحمل رسم رأس هرقل، واكتشفت بين أغراضهم بعض النصوص الكتابية القصيرة، وهي أما بالآرامية أو بلغة أهل جنوب الجزيرة العربية.

وفي مليحة تم العثور على جانب واحد من قالب من الحجر استعمل لضرب العملة يمثل رأس هرقل. ومستوطنات مليحة التي اكتشفت في العام ،1970 عبارة عن مدينة صغيرة تضم قصراً ومقبرة. وتروي تاريخ سكان الشارقة القدماء الذين عملوا في الصيد بالمحيط الهندي، وذلك إلى جانب مستوطنة تل أبرك التي يرجع تاريخها إلى 4000 عام وتعد أكبر مستوطنة تم اكتشافها في المنطقة، وهى المنطقة الوحيدة التي استمرت آهلة بالسكان على مدى 2000 عام متواصلة.

أما حضارة ميلوخا أو ملوخا فهو موقع (مليحة) الأثري قي إمارة الشارقة الذي يقع عند ممر خطم وفي أسفل جبل فايه، فعند قدمي هذا الجبل وفي ارض (مليحة) توجد قبور كثيرة متناثرة وملتقطات أثرية تشبه بقايا فخار وآثار (جمدة نصر) في جنوب العراق.

جبل البحيص

تقع منطقة البحيص في القطاع الأوسط من إمارة الشارقة، أو ما يعرف اليوم بمنطقة سهول المدام القريبة من مدينة الذيد، والتي تبعد 60 كيلومتراً من ساحل الشارقة، توصلت التنقيبات الأثرية في موقع جبل البحيص إلى أن هذا الموقع يعود تاريخه إلى 7 آلاف سنة قبل الميلاد ويمثّل مستوطَنا في عصر ما قبل التاريخ، وعثر فيه على بقايا المستوطَن التي تتمثل في تركيبات حجرية بسيطة ومواقد نيران كثيرة ومقبرة واسعة تجاوز عدد الهياكل العظمية فيها 600 هيكل عظمي، بالإضافة إلى جمجمة بشرية تبين بعد نتيجة الدراسات التي أجريت عليها أن صاحبها قد أصابه ورم في الدماغ وأجريت له عملية لاستئصال هذا الورم. وأكدت نتائج التنقيبات الأثرية أن هذه الاكتشافات تمثل وجود مقبرة تُعدّ من أقدم المكتشفات في جنوب شرق الجزيرة العربية، وتم استخدامها من قبل أقدم مستوطنين في هذه المنطقة خلال الفترة من 5200 إلى 4200 قبل الميلاد حيث عاش الناس في هذه المرحلة معتمدين على الزراعة وبعض الحيوانات المدجنة، وان هذا الموقع لم يكن المستوطنون يقيمون فيه بشكل دائم بل حسب المواسم، إلا أنه كان مهما جدا والسبب في ذلك أنهم كانوا يدفنون موتاهم فيه.

الثقيبة بالمدام

تحمل المدام في طياتها موقعاً أثرياً مهماً وهو الثقيبة القابع خلف مبنى بلدية المدام حاليا ويبعد 2كم منها، وهو عبارة عن منطقة سكنية بطول 35 مترا وعرض يبلغ 20مترا، بجدران ترتفع مترين، وأشارت الاكتشافات الأثرية إلى أن طول الغرف يبلغ 7 أمتار كما يبلغ عرضها 2،3 متر، ويوجد بالموقع الأثري الذي عرف ببيوت الثقيبة مواقد للنار بأشكال مربعة وبعض القطع الفخارية في الغرف ويعود تاريخها إلى نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، حيث سكن هذه المنازل نحو أسرة واحدة في منزلين بسور مشترك في حين أن الأسرة الأخرى لها منزل مستقل.

حصن وبرج فلي

يقع هذا البرج في قرية فلي بالمنطقة الوسطى من إمارة الشارقة حيث يبعد عن مدينة الذيد نحو 40 كم على الطريق إلى المدام، وهو على شكل حصن كبير دائري يقع على مرتفع وكان الهدف من هذا البناء التمكن من رصد الغزاة والمعتدين، حيث يمكن رؤيتهم من هذا الارتفاع، إلى جانب أن البرج يحمي مورد المياه الرئيسي لأهالي المنطقة في تلك الحقبة وهو فلج فلي الذي يقع على بعد أمتار من موقع البرج، والبرج يتكون من طابقين وشرفة طوله نحو 20 مترا وعرضة 18 مترا، مشيد من الحجارة البازلتية والجص المنتشرة بالمنطقة، وتوجد بالبرج الذي يمثل في الحقيقة لضخامته حصنا، غرفة مستطيلة تقع في أقصى الجزء الجنوبي منه، وأخرى في أقصى الجزء الجنوبي الغربي حيث يقع الباب الحصن، وبرج درج على شكل حلزوني للانتقال إلى الدور الثاني. والبرج يعاني من عدم الترميم وتهدم في أجزاء منه خاصة العمود في وسط البرج وفي قمته ظهر أكثر تأثير العوامل الخارجية من الرياح والأمطار في تهدمه.

كما يوجد بفلي حصن آخر يبعد عن برج فلي نحو 2 كم إلى جهة الشرق، وهو اصغر من الحصن الأول ويتكون من طابقين وارتفاعه 9 أمتار وتعلو الحصن فتحات كانت تستخدم من قبل الحراس للرصد وإطلاق النار، وقد استحدث لاحقا له سور وكانت تستخدمه قوة ساحل عمان كنقطة امن للطريق القادم من مركز قيادة القوة في الشارقة مرورا بطريق الفاية نحو وادي القور والمناطق الأخرى داخل عمان، وفي فترة قريبة أضيفت له أكثر من 4 غرف من الطوب حين استخدم كمركز للأمن بالمنطقة، واليوم يعاني حصن فلي من التصدع والإهمال وأصبح مسكنا للطيور التي اتخذت منه أعشاشا لصغارها، كما يعاني من مرور حاجز الأسلاك الذي أقيم لمنع الحيوانات من الاتجاه نحو الشارع الرئيسي للقرية في الجزء الشمالي منه.

الذيد حصون وقلاع

الموقع المهم للذيد حتم على أهالي المنطقة إقامة الحصون والقلاع لحماية المنطقة أمام الغزوات في فترات عدم الاستقرار التي شهدتها البلاد، وكذلك لصد الغزاة المتجهين إلى المناطق الداخلية والساحلية، من هذا المنطلق جسد حصن الذيد هذا المعلم التراثي الأثري الأهمية الاستراتيجية التي تتبوؤها المدينة، فهو يتوارى اليوم خلف مركز الشرطة مجسدا حقبة من تاريخ إمارة الشارقة، والذي لم يبق منه سوى برجين، بقيا يحدثا جيل الشباب عن حديث الزمان والمكان وماضي مدينة هو جزء من تاريخ القواسم أسياد البحار خلال العصور المنقضية.

وعن هذا الحصن يذكر ناصر حسين العبودي الباحث في الآثار، في كتابه الموسوم دراسات في آثار وتراث دولة الإمارات، أن تاريخ حصن الذيد يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي (1750م)، وهو مربع الشكل طوله 32 مترا وعرضة 26 مترا ومدخله من جهة الشمال ويقابل فلج الذيد (فلج الشريعة) وهو مجرى مياه في جوف الأرض يتوسط الحصن تقريبا وعرف الحصن أيضا بحصن الشريعة، وتتوزع حوله مجموعة من مزارع النخيل من جهة الشمال كون مخرج قناة الفلج في هذا الاتجاه، وكان لحصن الذيد الكثير من الأهمية السياسية، حيث عقدت به اجتماعات سياسية بين شيوخ المنطقة وبين مندوبي الدول المجاورة وشهد أيضا الكثير من المعارك الحربية. كما كان نقطة تجمع جيوش القواسم في فترة حكم الشيخ سلطان بن صقر الأول اكبر زعماء القواسم والذي حكم المنطقة من 1803 إلى 1866م لمواجهة الأعداء على السواحل، بالتحديد في العام 1850م وكانت هذه القوات قادمة من الشارقة ودبي وأم القيوين وعجمان للتوجه إلى الساحل الشرقي للإمارات.

والحصن قبل تهدمه يتكون في أركانه من أربع قلاع ضخمة، أولى هذه القلاع مدورة وتتكون من ثلاثة أجزاء مبنية من حجر الجبال ووجودها بهذا الشكل يهدف إلى تحصينها الدفاعي، لأن معظم المهاجمين والغارات تكون آتيه من الجهة الجنوبية حيث الكثبان الرملية، وقد أضيفت على ما يبدو بعد فتره من اكتمال الحصن.

والقلعة الثانية فتقع شمال الأولى قرب طوي (بئر) اليفر، وهي مدورة أيضا وتتكون من جزئين والقلعة بلا باب وهذا الشكل من الأبراج يوحي أن طابقه الأرضي استخدم كسجن. وتقع القلعة الثالثة في الركن الغربي من الحصن وهي مربعة الشكل، وتتكون من جزأين مشكلة طابقا ارضيا وأول مع شرفه، وهي مخصصة للدفاع عن الحصن لما تمتاز به من فتحات في جوانبها الاربعه.أما القلعة الرابعة فهي مربعة الشكل ومن ثلاثة أدوار، للحصن سور يصل القلاع بعضها ببعض ويكون ملتصقا بالأبراج المدورة والمربعة.

إلى جانب هذا الحصن هناك قلعتان تحرسان الوادي والمزارع القديمة للذيد وهما ليسا بأفضل حالا من حصن الذيد،فقد فقدتا الكثير من الأجزاء جراء العبث والحفر الجائر إلى جانب عوامل الجو من الرياح والأمطار التي أثرت في جسم القلعتين، بحيث أثرت تأثيرا كبير أدى إلى حدوث تشققات وتصدعات كبيرة وخطيرة في هيكل القلعة أو الحصن الذي يقبع إلى جوار مزارع الذيد القديمة، في حين أن القلعة التي في أعلى التل المطل على المزارع تعاني من تهدم أجزاء كثير من قمة الحصن على الرغم من وجود سور لحمايته، وكان بجوارها عدد من الينز (المخازن) كانت إلى فترة قريبة تستخدم لخزن التمور بعد انتهاء موسم الرطب بالذيد، وهي قديمة قدم الحصن لكنها انتهت ولم يعد لها وجود بسبب الإهمال وعدم الاهتمام. كما كان في الذيد منطقة عرفت بمنطقة الصنم وذلك في إشارة إلى وجود تمثال اثري يمثل جسد امرأة وقد أزيل عند بناء احد المنازل وكان أهالي المنطقة يطلقون عليه (أي الصنم) زوجة فرعون.

هذه المواقع الأثرية التي تمثل تاريخاً موغلاً في القدم وتظهر الأهمية التاريخية للإمارة،تعاني من خطر التعرض للسرقة خاصة من قبل العارفين بأهمية هذه الآثار في حين يجهل بعض أهالي المنطقة للأهمية التاريخية لهذه المكتشفات، لذلك من الأفضل أن تكون هناك حملة من قبل الجهات المعنية والدوائر الحكومية للتوعية بأهمية هذه المواقع والمكتشفات الأثرية إلى جانب التعاون للحافظ عليها وحمايتها، على الرغم من إقامة سياج على بعضها إلا أنها غير محكمة الإغلاق.

كما أن الشوارع المؤدية إلى هذه المواقع الأثرية غير معبدة مع وجود بعض اللوحات التي تشير إليها من الشارع الرئيسي. وفي مواقع أخرى لا توجد لوحات ترشد إلى المواقع، كما لا توجد أية لوحات تعريفية بجوار هذا المواقع يسجل عليها أهميتها التاريخية والأثرية. لذا يجب أن تعمل الجهات المشرفة على هذه المواقع بالتعاون مع البلديات بالمنطقة للمحافظة على نظافة هذه المواقع التي تعاني من قلة النظافة والإهمال، فقد اتخذت من هذا المواقع الطيور والزواحف والحشرات مسكنا لها.

كما تعاني هذه المواقع من عدم وجود برنامج زيارات للمدارس للمواقع لتعريف الطلاب بهذه المواقع الأثرية برفقة خبراء الآثار ووضعها ضمن الأجندة السنوية للمدارس والمناهج الدراسية،إلى جانب تنظيم حملات إعلامية للتعريف والتوعية بهذه المكتشفات التاريخية والأثرية بوسائل الإعلام المختلفة، والاستفادة من قرب هذه المواقع الأثرية في توظيف المواطنين من أهالي المنطقة للعمل كمرشدين سياحيين وتدريبهم على هذه الوظائف،إلى جانب فتح مكاتب للدوائر التي تشرف على هذه المواقع الأثرية والتراثية بالمنطقة الوسطى. لذا فان هذه المواقع التراثية تبحث عن من يمد لها يد الترميم وإعادتها للحياة لكي تستمر تحكي للجيل الحاضر ماضي تليد عاشه الآباء والأجداد، وتصبح دوحة يرتادها الباحث عن عبق الماضي.

واقع مؤلم

يعيش حصن الذيد اليوم واقعاً مؤلماً، على الرغم من أن أهميته التاريخية وقدمه، فقد ظهر هذا الحصن بعد ظهور القواسم كقوة بحرية بمنطقة الخليج العربي حيث أرخ المعنيون بالآثار انه أقيم اليوم منذ ما يزيد على 250 عاماً، وهو اكبر صرح تاريخي وتراثي ومعماري بالمنطقة الوسطى قاطبة،ولكنه منذ ستينات القرن المنصرم صار مهجوراً وأثرت فيه عوامل التعرية والتجوية والأمطار وتهدم الكثير من قلاعه وأسواره،حتى اتخذه العمال مأوى لقضاء حاجتهم في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات، وبعد أن تهدمت أسواره تماما اتخذته الحيوانات السائبه سكنا لها، وفي المرحلة الحالية قامت الشرطة بضم الحصن عبر أسوار من الأسلاك متخذه منه مكانا لحجز المركبات المخالفة للقانون، بعد أن تم الحفر في الأرض لتثبت هذه الأسلاك الحديدية مما أدى إلى القضاء على أساسات السور الأصلي للحصن المقامة منذ 250 عاما. لقد هجر هذا الحصن الجميع حتى التاريخ قلب صفحاته وأدار له ظهره وتركه من دون ترميم أو سجل في ذاكرة الجيل الحاضر، بل رحل ليلحق بركب التطور والطفرة العمرانية التي هبت على المنطقة، وترك هذا الرمز التاريخي والتراثي ينزف حجرا تلو الآخر من حجارة الطين.