1- استقلال كل أمة من أمتي المسلمين واليهود . بحيث يكون لليهود دينهم وأموالهم، وللمسلمين دينهم وأموالهم . وهذا يعني أن عهد الصحيفة ترك لليهود حرية العقيدة، وجعلهم تحت راية الدولة الجديدة .
2- قيام حلف عسكري بينهما لردّ اعتداء من يدهم المدينة .
3- اعتبار قريش عدواً للجميع .
4- الالتزام بالإجابة إلى كل صلح .
5- المساواة لمن يتبع أمة المسلمين من اليهود "غير مظلومين ولا متناصر عليهم" .
ومن آثار الهجرة النبوية، أن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم-، بادر بعد عهد الصحيفة كوثيقة سياسية إلى استكمال أركان دولته على أرض المدينة المنورة، بحيث خضع جميع من فيها لسلطة سياسية واحدة، هو المرجع الأعلى فيها . ثم بدأ بنشر الدعوة خارج المدينة، فأخذ يعد العدة لذلك من إدارة ومال وسلاح، ويكثر من البعوث والسرايا لاعتراض قوافل قريش . ومن ثم انتقل فيما بعد لتشريع الجهاد في سبيل اللّه . وأخذ يعمل على تقوية وحدة أهل المدينة بمن فيها من يهود ونصارى، سواء بجذبهم إلى الإسلام، أو القبول بهم وموادعتهم بما هم عليه، مقابل الصداقة والحياد وحسن الجوار . فأباح طعامهم وأجاز التزويج من بناتهم .
نقطة تحول
وكانت الهجرة النبوية الشريفة نصراً للإسلام والمسلمين . فقال تعالى: "إلاّ تنصروه، فقد نصره اللّه إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن اللّه معنا فأنزل اللّه سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة اللّه هي العليا والله عزيز حكيم" (التوبة: 40) . وقد ظهر هذا النصر في أوضح صوره حين خرج المسلمون من مكة وتركوا ديارهم وأموالهم فيها . ولعل الدعوة الإسلامية، كانت هي الأغلى من كل ما يملكون، وأمامها تهون كل المصالح المادية .
لقد جعلت الهجرة النبوية الشريفة عقلاء مكة يدركون أن المهاجرين من مكة هم أصحاب حق حملوه وآثروه على حطام الدنيا، فاستحقوا أن يقف معهم العقلاء تماماً كما جعلت أهل المدينة يزدادون إيماناً بالدعوة الإسلامية، فدخلوا في دين اللّه أفواجاً، وأخذوا يستعدون لنصرة الإسلام ومحاربة الظلم، ورفع رايته فوق مكة، كما رفعت فوق المدينة . وظلوا يجلبون له الأنصار حتى تمكن المسلمون جميعاً مهاجرين وأنصاراً والنبي قائدهم، من دخول مكة فاتحين .
وشكلت الهجرة النبوية الشريفة نقطة تحول في تاريخ الدعوة الإسلامية . ذلك أن المسلمين بقيادة نبيهم هاجروا إلى المدينة المنورة ليبدأوا منها الجهاد المضني الطويل بعد الهجرة، وليس لينهوا جهادهم بوجود دار آمنة يستقرون عليها . ولهذا تحولت دار الهجرة إلى دار الوحدة والتآزر، لتكون منطلقاً لنشر الدين ومواجهة الظالمين وتحرير الناس من عبدة الشياطين . ولهذا دأب النبي صلى الله عليه وسلم في دار الهجرة على التعبئة والتنظيم والإدارة والبناء بالمال والعقول والسواعد والإيمان والسلاح لاستكمال بناء الدولة الإسلامية الفتية .
إنشاء المساجد
إلى ذلك اهتم النبي صلى اللّه عليه وسلم، بعد هجرته الشريفة بإنشاء المساجد للّه تعالى . وقد أقام وهو في "قباء" بطريقه إلى المدينة المنورة، مسجد قباء الأول في الإسلام . وصلى فيه أياماً . ثم سار بعد ذلك فأدركته صلاة الجمعة عند بني سالم بن عوف، فبنى عندهم مسجداً، وكانت أول جمعة في الإسلام . وعندما وصل إلى المدينة، بركت ناقته في أرض لغلامين يتيمين فيها، فاشترى الأرض من وليهما وبنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها مسجده، وهو المسجد النبوي الشريف اليوم، حيث الصلاة فيه بألف صلاة، وكان تشييد المساجد والإكثار منها يحمل دلالة على مكانة المسجد في نفوس المسلمين وتعظيمه عند اللّه تعالى: "إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر" (التوبة: 18) . وقال تعالى أيضاً: "وأن المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحداً" (الجن: 18) . وكان المسجد مكاناً للعبادة ومدرسة . كما كان محضناً للتربية الواعية العقلية والروحية والجسدية، وكذلك كان محكمة يقضي فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المتخاصمين بالحق والعدل . كما كان مركز تجمع وانطلاق للسرايا والبعوث الجهادية . ومركزاً إعلامياً ومكاناً لالتقاء المسلمين والتشاور فيما بينهم، تعرض فيه حاجاتهم وقضاياهم جميعاً .
وقد تأسس بعد الهجرة النبوية الشريفة أول تكافل اجتماعي في تاريخ البشرية . حيث تأكد معنى الأخوة ومعنى التكافل فقال تعالى: "والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (الحشر: 9) .
كذلك نظم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة الشريفة شعب الدولة الإسلامية . فحدد علاقة المسلمين بغيرهم من أهل الكتاب والمشركين . ووضع خطط المدينة وحدد السوق فيها وطهر المدينة المنورة بالحمامات بشكل تدريجي وجعلها في السوق قبالة المسجد النبوي وداره التي اتخذها بقربه . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اهتمامه بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية والصحية . أما الأمر الآخر الذي كان بحق من آثار الهجرة، فهو إنشاء بيت مال المسلمين ووضع سجل للجند وخاتم وسكة لضرب العملة، بحيث نهضت المدينة بأركانها بعد هجرته إليها صلى اللّه عليه وسلم نهوضاً جديداً .
أ .د . قصي الحسين