أبوظبي - "الخليج":
تقع قرية الهيلي على بعد نحو 12 كيلومتراً شمالي مدينة العين، وهي تعدّ موطن الحضارة والتاريخ في المنطقة، عثر فيها على العديد من الحفريات الأثرية ابتداءً من أواخر ستينات القرن الماضي، وقد اكتشفت فرق البحث فيها بقايا لمستوطنات ومقابر تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد،تكشف النقاب عن أنماط الحياة التي كانت سائدة في حقب موغلة في القدم . وقد بنت حكومة أبوظبي حديقة حول تلك الآثار تعرف باسم "حديقة آثار الهيلي"، التي تقع بجوار مدينة هيلي الترفيهية، وهي مزار ووجهة للمواطنين والمقيمين والسياح .
استخرجت عمليات الحفر الأثري بقايا مستوطنة بنيت من الطوب قامت على مساحة أكثر من عشرة هكتارات بنيت على مدى قرون، وتعود معظم منازل وأبراج ومدافن المستوطنة إلى عصر أم النار (2700 - 2000 قبل الميلاد) .
ويتميز بناء أبراج المستوطنة الدائرية بضخامته . وكل برج من هذه الأبراج مبني على هيئة برج حول بئر، وبها عدد من الغرف محاطة بالجدران الخارجية . ويشبه هذا النوع من البناء حصون وقلاع العين التي بنيت خلال القرن السادس عشر الميلادي، ويدل على أن جذور العمارة التقليدية في تاريخ المنطقة تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد . وقد عُثر على فخار وسفن داخل المستوطنة، الأمر الذي قاد بعض الباحثين إلى اعتقاد بأن هذه الأبراج قد شيدت لحماية طرق التجارة، فضلاً عن صناعة النحاس، التي شكلت على الأرجح مصدراً رئيسياً للدخل بالنسبة للسكان . وتنير المصنوعات اليدوية الطريق نحو التعرف إلى الحياة في شبه الجزيرة العربية، مثل العادات الزراعية والأنشطة التجارية، فضلاً عن التطورات التقنية . وقد تمت بالفعل زراعة أشجار النخيل والشعير والقمح، وبحلول الألفية الأولى قبل الميلاد، تم تطوير نظام مياه الري (الأفلاج) بالكامل . وقد أظهر استكشاف أقدم فلج في دولة الإمارات في هيلي عام 1985 وجود مستوى من المهارة الهندسية يساوي التقنيات المستخدمة في بلاد ما بين النهرين القديمة . علاوة على ذلك، تم العثور على العديد من المقابر داخل مستوطنة هيلي، في حين أن عمليات التنقيب وتحليل النتائج لا تزال جارية بواسطة فرق تنقيب أثري من فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا .

مقابر هيلي

استخدمت مقابر مستوطنة هيلي للدفن الجماعي على مدى قرون، وتقدم أدواتهم الجنائزية أدلة قيّمة على طبيعة الحياة في الواحة .
تسمى أكبر مقبرة حجرية في هيلي مقبرة هيلي الكبرى، ويبلغ ارتفاعها 5 .2 متر بينما يبلغ قطرها ثمانية أمتار . وقد بنيت خلال عصر أم النار (2700-2000 قبل الميلاد) . ويظهر على مدخلي المقبرة نقوش تُصوّر البشر وظباء المها . وتوضح النتائج أن المتوفين دفنوا في مقابر جماعية، فيها عدد من الغرف، مبنية من الحجارة . وقد وُجد في المقبرة ست غرف، تم ترتيبها على قسمين من المبنى الدائري، الذي يقسمه جدار مستعرض .
ولأن المقبرة كانت متضررة بشدة، تم ترميمها في عام 2005 لإعطاء الزوار فكرة عن ملامحها الأصلية .
وبالرغم من أنّه لم يتم العثور إلاّ على بقايا من رفات بشري في مقبرة هيلي الكبرى، فقد وجد العلماء العديد من القبور المحفورة سليمة حيث نُقل إليها جثامين القبور الأصلية على الأرجح خلال فترة لاحقة . وتم دفن أكثر من 600 شخص من جميع الأعمار في القبور المحفورة، وأنار فحصها الطريق أمام معرفة طبيعة الحياة اليومية قبل أكثر من 5000 سنة مضت .
ووجد العلماء، على سبيل المثال، معدلات مرتفعة من وفيات الأطفال، فضلاً عن أن متوسط العمر العام لم يتجاوز ال40 عاماً إلا نادراً . وكان متوسط طول السكان من الإناث حوالي 157 سم ومن الذكور نحو 171 سم، ناهيك عن معاناة الناس من سوء التغذية، مما أدّى إلى حدوث مشاكل خطرة بالأسنان .

حفر مستمر

نظراً للعدد الكبير من الرفات البشري والمصنوعات اليدوية التي تم العثور عليها في مستوطنة هيلي، فإن التنقيبات ما زالت مستمرة، وتواصل دائرة الآثار والسياحة في العين المزيد من عمليات الحفر في المنطقة، بالتعاون مع المؤسسات المحلية والدولية والعديد من العلماء المحليين والدوليين .
وتقدم الندوات والمنشورات السنوية المعلومات الحديثة أولاً بأول بشأن الكشوف الأثرية على أساس منتظم .