موضوع السياحة الثقافية يشغل بال المسؤولين في الوزارات المعنية بالقطاعين السياحي والثقافي في سلطنة عمان، حيث تعد القلاع والحصون والحارات القديمة في المدن والقرى معالم أثرية، متميزة بخصوصية المعمار يعود تاريخها إلى فترات ما قبل الميلاد.

ويأتي الاهتمام بالسياحة الثقافية لمزج النشاط السياحي بالثقافي، حيث تطمح المؤسسة العمانية الرسمية ممثلة بالعديد من الوزارات للارتقاء بهذا النشاط، استثماراً لتلك المفردات الأثرية، واستغلالا لتلك المواقع ذات المرجعية التاريخية والحضارية كموقع سياحي تؤمه الوفود السياحية التي تأتي إلى السلطنة.

وقد راجت فكرة تأهيل بعض تلك المواقع لتصبح محطة سياحية وثقافية، في محاولة للاستفادة منها، ولتقديم نشاط ثقافي وفني، حيث تم تأهيل حصن الفليج ليستقبل كل عام برامج فنية وثقافية عالمية وفق جدول يعد خصيصا لتلك الأنشطة، كالأمسيات الشعرية والحفلات الفنية والموسيقية، حتى انه أصبح معلما شهيرا لدى تلك الشريحة المهتمة بالثقافة والفنون، ومزارا سياحيا نشطا بعد أن كان مهملا حتى من جانب السياحة الداخلية.

وحصن الفليج يقع في قرية الفليج في ولاية بركاء، يحيطه النخيل من كل جانب ليصنع حوله سورا أخضر، وداخل القرية فلج دافق يخترق مجراه الحصن الذي شيد قبل قرنين من الزمن.

علامات على الطريق

وعلى طريق السياحة الثقافية، التي تهتم بها السلطنة، هناك أربعة مواقع سجلتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) باعتبارها محميات عالمية، لذا أدرجت ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي الإنساني، وبانضمامها إلى قائمة التراث العالمي أصبحت محط أنظار الباحثين إلى جانب السواح المهتمين باستقراء التاريخ، والمواقع الأربعة هي حصن بهلى وسورها الطويل، ومدينة بات الأثرية، ومحمية المها العربي، ومواقع طريق اللبان.

مدينة أثرية

من هذه المواقع حصن مدينة بهلى وسورها الممتد إلى مسافات بعيدة في ولاية بهلا من المنطقة الداخلية، يعود تاريخ بنائه وتحديدا الجزء الشرقي الشمالي منه والذي يعرف بالقصبة إلى فترة ما قبل الميلاد، وحصن بهلى يعد بحد ذاته مدينة أثرية يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، يحيط به نتوء صخري ذو منحدرات تشبه الأخدود. وقد عرفت هذه المدينة باسم مدينة الحصن والسور.

ويمتد السور إلى مسافة سبعة أميال، وهو من المعالم الأثرية التي تكشف عن قدرة الإنسان العماني في فن المعمار بما يتوافق وفلسفة التحصين، ويشتمل على سبعة أبواب منها: باب السيلي، باب الخرزبان، باب البطحاء، باب البادي، ويحوي أبراجاً استكشافية، مجسداً نموذجا لفن العمارة العمانية لفترة ما قبل الإسلام.

مقبرة خلايا النحل..

موقع بات الأثري في ولاية عبري سجلته اليونسكو كمعلم ثقافي عالمي أيضاً، وهو عبارة عن مقبرة عريقة تشبه مقابر أم النار في أبوظبي، وتضم بداخلها أكثر من مائة قبر تشبه شكل خلايا النحل، كاشفة عن طقوس الدفن لدى الإنسان القديم.

وبجانب ذلك، تم الكشف عن ستة مبان مستديرة الشكل تحيط بكل منها داران يتوسطهما بئر مياه، وهي عبارة عن أبراج مراقبة أو حراسة، وفي هذه المدينة تم الكشف عن قطع من الفخار الأحمر يشبه فخار جمدت نصر في بلاد الرافدين وفخار آخر جيد الصنع مزخرف بخطوط سوداء أفقية، وقطع فخار أخرى بها بروز للتعليق، وهذا النوع من الجرار كان شائعا في مدافن ومستوطنات أم النار في كل من السلطنة ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما تم العثور على قطع من الحجر الصابوني، وإناء كامل منه، وثلاثة نصال من النحاس والبرونز وقطع أخرى نحاسية وبرونزية.

المها.. والوعل

محمية المها العربية التي تقع في المنطقة الوسطى هي الأخرى ضمن قائمة التراث العالمي.

تتميز المحمية بالضباب الموسمي الذي يدعم المجموعات الحيوانية والنباتية، وتضم بيئات وتضاريس مختلفة كالسهول المنبسطة والكثبان الرملية والتلال المرتفعة، ويقابل الثراء في التضاريس ثراء في الخصائص الطبيعية والثقافية، حيث تأوي المحمية أشكالا متنوعة من الحياة الفطرية من نباتات وحيوانات، وتعد المحمية موطنا طبيعيا للعديد من الأحياء البرية كالمها العربية والوعل النوبي والوشق، بالإضافة إلى الغزال العربي وطائر الحباري وحيوانات أخرى، وكل هذه الخصائص ذات الجمال الاستثنائي أهلت المحمية لتكون موقعا للتراث العالمي الطبيعي، حيث استطاعت أن تعيد للحياة البرية في السلطنة مفقوداتها التي كادت أن تنفد بسبب الاصطياد الجائر لهذه الأنواع النادرة من الحيوانات والنباتات.

تجارة عالمية

وتضم قائمة التراث الثقافي العالمي كذلك مواقع طريق اللبان التي ارتبطت بتجارة اللبان والبخور بين الشرق والغرب، وهي تتكون من مدينة البليد الأثرية وموقع خور روري، وموقع وبار الأثري، وأخيرا وادي دوكة الذي يقع عند المنحدرات الشمالية لسلسلة جبال ظفار، ويبعد مسافة 35 كم عن مدينة صلالة.

وتقع مدينة البليد الأثرية على الشريط الساحلي لولاية صلالة، وتبلغ مساحتها ستمائة وأربعين ألف متر مربع، ساهمت بدور مهم في التجارة العالمية خلال العصور الوسطى وخاصة ميناءها التجاري المهم، الذي ارتبط بموانىء كل من الصين والهند والسند واليمن وشرق إفريقيا من جهة والعراق وأوروبا من جهة أخرى، وكانت تجارة اللبان والبخور من أهم صادراتها ضمن منتجات كثيرة أخرى.

وتشير المصادر التاريخية والبحث الأثري إلى أن الموقع يعود للعصر الإسلامي، وكان مأهولا منذ أواخر الألفية الخامسة وأوائل الألفية الرابعة قبل الميلاد، وقد أعيد تأسيس المدينة في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي بمستوى معماري متقدم يماثل المدن الإسلامية الكبيرة في فنها المعماري وتحصيناتها.

ميناء سمهرم

أما موقع خور روري فهو على الشريط الساحلي لولاية طاقة التي تبعد عن صلالة بحوالي 40 كم من ناحية الشرق ويرتبط الخور بالوادي المنحدر من شلالات دربات في سلسلة جبال ظفار.

وتشير المصادر التاريخية والدراسات والبحث الأثري والتنقيبات في الموقع إلى أنه مر بفترات زمنية متلاحقة يعكسها وجود طبقات ثقافية مختلفة تعود بعضها إلى الفترة ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي وبعضها يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، كما تم الكشف عن مستوطنة على النمط العربي الجنوبي في شكل تخطيطها وفنها المعماري. وتشير النقوش الموجودة في الموقع والتي كتبت بالأبجدية العربية الجنوبية إلى تأسيس المدينة التي بنيت لتأكيد السيطرة على تجارة اللبان. ومن خلال العملات التي تم اكتشافها كان يعرف الموقع باسم سمهرم وبميناء موشكا من خلال نصين يونانيين يعودان إلى الفترة ما بين القرنين الأول والثاني الميلاديين.

وبار.. موقع أثري قديم يعتقد أنه مدينة إرم المذكورة في القرآن الكريم بأعمدتها الشاهقة التي انطمرت في باطن الأرض ولم يعد لها أثر إلا من بعض الأعمدة. وقد أحدث اكتشاف مدينة وبار في نيابة شصر في ولاية ثمريت في محافظة ظفار ضجة إعلامية في حينه 1992م نظرا لذلك الاعتقاد السائد، وتقع نيابة شصر في جنوب صحراء الربع الخالي وتبعد عن مدينة صلالة بحوالي 170 كم من ناحية الشمال.

وتذكر المصادر الإسلامية وبار على أنها تقع شمال محافظة ظفار على طريق اللبان القديم،وبأنها اسم للمدينة التي كان يسكنها قوم عاد، وأن تجارة اللبان والبخور البرية تقوم عبر مناطق الربع الخالي، كما أشارت إليها الرحلة المشهورة لبيرترام توماس عام 1930م بأن مدينة وبار قديمة وغنية بكنوزها.

ولكن يظل السؤال حائرا، فهل تكون هذه المدينة المطمورة في الرمل هي المدينة ذاتها التي وردت قصتها في القرآن الكريم؟.. الإجابة عنه بحاجة إلى جهود، ومزيد من البحث والتقصي.. وربما الحفريات.

وادي دوكة

وتنمو في هذا الوادي أشجار اللبان بكثافة، وهو يرتبط بالمواقع الأخرى لتجارة اللبان والبخور، والتي كانت سلسلة مترابطة في هذه التجارة التاريخية على الصعيد الإقليمي، وتعتبر هذه المحمية نموذجاً للمناطق التي تنمو بها شجرة اللبان في محافظة ظفار. ونظراً لقربه من الشارع العام يسهل الوصول إليه من قبل الزوار والسواح كموقع طبيعي من مواقع طريق اللبان العالمية.

مقترحات مهمة

وهناك عدة نقاط ضرورية للحفاظ على المواقع الأثرية يشير إليها الباحث أحمد المخيني من الجمعية التاريخية العمانية، ألقاها في ورقته التي شارك بها في ندوة كانت قد عقدت تحت عنوان التراث الثقافي لتنمية السياحة الثقافية في سلطنة عمان.. فقد أشار المخيني الى تطوير البحوث المتعلقة بالتراث وإظهار أهميتها، وعدم الاعتماد الكلي على الفرق الاستكشافية والبحثية الأوروبية، والتركيز على جهود التوثيق حيث أن ملامح التراث مسرعة في الاندثار، وتعزيز القوانين المتعلقة بالتراث والتأكيد عليها أو سن قوانين أشمل مع تفعيل هيئة متخصصة للتأكيد على تنفيذ هذه القوانين بالتنسيق مع الجهات المعنية في الدولة، وتطوير البنى التحتية لهذا القطاع، وجعل التراث الثقافي ذا جدوى اقتصادية ومجزياً مادياً عبر التركيز على السياحة الداخلية، وتيسير السبل لإقامة السياح المحليين، حيث يمكن أن تشكل السياحة الداخلية مصدرا ثابتا للدخل، مع اعتبار أن السياحة من الخارج تكميلية، وتمكين المواطنين أو الوافدين من زيارة المتاحف والقلاع والمباني الأخرى القائمة، وذلك من خلال إنشاء مراكز جذب للسياح في هذه الأماكن القائمة حاليا، وتوفير المزيد من المرشدين السياحيين، وإنشاء مرافق عامة في هذه الأماكن، وتشجيع مدارس ومعاهد السلطنة المختلفة على تنظيم رحلات وإعداد برامج تثقيفية متخصصة.

المراقبة والحماية

وتعتبر المراقبة والحماية للمواقع الأثرية والتاريخية من أفضل وأنجح أساليب حماية المواقع الأثرية في بلد مترامي الإطراف، ويشهد حركة إنمائية شاملة مثل سلطنة عمان، ويكون ذلك بتبني نظام المراقبة المستمرة للمواقع الأثرية، وخير من يمكن الاستعانة به في هذه المهمة هو خريج الآثار الذي درس علم الآثار وتدرب على العمل الميداني، ويتمثل هذا الكادر الوطني في خريجي قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس، ويجب الأخذ في الاعتبار هنا بان هذا الأسلوب في حماية وحفظ الآثار هو اقل الوسائل تكلفة وأنجحها كسياسة ثابتة للدولة في هذا المضمار.