في أوائل النصف الثاني من سورة القمر وهي سورة مكية وتتألف من خمس وخمسين آية جاء قوله تعالى: كذبت قوم لوط بالنذر. وقد أخذت السورة اسمها من معجزة انشقاق القمر التي أجراها الحق سبحانه وتعالى على يدي النبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) لتكون شهادة له بالنبوة وتعظيماً لقدره في مواجهة مشركي قريش وتشكيكهم.

وجاء ذكر نبي الله لوط (عليه السلام) وقومه في القرآن الكريم 28 مرة ولأنها وردت بميزان أشد حساسية ودقة من كل ما وصلت إليه عقول الحاسبات فقد جاء هذا التكرار (28) في أربع عشرة سورة هي: الأنعام، الأعراف، هود، الحجر، الأنبياء، الحج، الشعراء، النمل، العنكبوت، الصافات، ق، الذاريات، القمر.. وأخيرا التحريم.

هلاك المفسدين

يروي القرآن كيف آمن النبي لوط مع عمه إبراهيم أبي الأنبياء عليهم جميعاً السلام، ثم هاجر معه إلى فلسطين عندما بعثه الله إلى أهل سدوم وعمورة وغيرهما من القرى التي عرف أهلها بعد ذلك بقوم لوط الواقعة في واد على الحدود الجنوبية للبحر الميت، وكان أهل تلك القرى قد ساءت أخلاقهم إلى مستوى من التدني غير المسبوق في تاريخ الإنسانية، وكانوا أفجر الناس وأشدهم كفراً بالله.. يقطعون الطريق ويأتون المنكر في ناديهم (جمعهم) ولا يتناهون عن منكر فعلوه، وابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من الخلق وهي ممارسة الشذوذ.

وجاءهم لوط عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان بالتطهر من أرجاس سلوكياتهم المنحطة وينهاهم عن الفواحش، فهموا بطرده ونفيه فأخرجه الله تعالى من بين أظهرهم سالماً هو وبعض أهله، وأهلك الكفرة الفجرة المفسدين في الأرض وأذلهم إذلال الصاغرين المهانين وفي ذلك قال تعالى: ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون. وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون. فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين.

وفي الأثر أن جبريل عليه السلام خرج على قوم لوط فضرب وجوههم بطرف جناحه فطمست أعينهم فرجعوا يتحسسون الطريق مع جدران المباني ويتوعدون نبي الله لوط (عليه السلام) بالويل والثبور وعظائم الأمور.

دقة فائقة

ومراجعة الآيات توضح للقارئ والسامع القدر الهائل من الدقة الفائقة التي عرض بها الجانب التاريخي للقصة وكان قد انقضى على وقوعها أكثر من ألفي سنة قبل ميلاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وجاء ورودها بالقرآن بهذه التفاصيل الدقيقة كواحدة من أهم المعجزات التاريخية في كتاب الله رغم أن لها ذكرا في كتب الأولين، بما يؤكد على وحدة رسالة السماء.. إلا أن العبرة والقيمة الأسمى للسرد القصصي هو استنكار المماثلة (الشذوذ) في العلاقات الجنسية باعتباره خروجاً على الفطرة وانحرافا عنها، وانحطاطا بالإنسان إلى ما دون الحيوان.

وأثبتت دراسات الطب وعلم النفس مخاطر هذا السلوك الصحية والنفسية على الفرد والأسرة والمجتمع.. وأنه الطريق الأسرع نحو الهلاك والفناء.. ولذلك روي ابن عباس (رضي الله عنهما) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به.

وأثبتت دراسات علوم الأرض أن طبقات الصخور في منطقة جنوب البحر الميت مقلوبة رأساً على عقب تماماً كما جاء في النص القرآني وأن جيولوجيا المنطقة والتربة محاصرة بين رقمي 28 و14 وهما عدد مرات ذكر قوم لوط وعدد السور التي تناولت قصتهم وفيها أيضاً جاء قوله تعالى: فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود وتأكيدا لوجود الأثر في المكان ذاته وحتى قيام الساعة قال تعالى: وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ومازالت منطقة لوط مليئة بالآثار الدالة على ما وقع بهؤلاء الكافرين من العذاب الذي أنزله عليهم رب العالمين، وليؤكد للعالمين أن سلامة البشر ونجاتهم مرهونة دائماً بالتزامهم بالفطرة السليمة، وبدلا من إطلاق دعاوى الإباحية وحرية الشواذ يجب الأخذ بتحريم هذه الموبقات تحريما قاطعا، ولا عجب مما ذهب إليه علماء المسلمين وأعلامهم مثل الأمامين الشافعي وأحمد بن حنبل من الحكم بقتل الشاذ جنسيا استنادا إلى الحديث الشريف.