أعود بإحساس عظيم بأن لي تاريخاً وتراثاً ضارباً في القدم، وهو إحساس لم أشعر به من قبل اليوم، هكذا عبر أحد الزملاء ونحن في طريق العودة من المناطق الآثارية في النقعة والمصورات والبجراوية بولاية نهر النيل 200 كيلومتر شمال العاصمة السودانية الخرطوم، ضمن وفد صحفي بدعوة من مجلس الإعلام الخارجي . الطريق الأسفلتي الذي انتهي سريعاً بعد ساعة زمن من الخرطوم، بدا إنجازاً، ونحن نتوغل في اتجاه الشرق تاركين مدينة شندي غرباً، في صحراء المنطقة عبر طريق غير ممهد، لكن المناظر الأثرية التي تحفه، أذهبت سريعاً وعثاء الطريق .
فوراً فطن الجميع إلى أن اسم المصورات هو تحريف خفيف للمسورات، فطوق الجبال الذي يسور المنطقة، بإبداع إلهي، جاء بالتسمية، وكأنما استخدمت أدوات هندسية لتحكم مستوى ارتفاع الجبال المتوازية بشكل غريب، وفي الوسط، حيث الحوش الكبير، تقبع معابد، قال عنها الخبير الآثاري الألماني فيلدون، إنها نموذج نادر يكشف تداخلاً وتلاقحاً مع حضارات أخرى مثل اليونانية والمصرية، وبعضاً من الإشارات التي تضفي طابعاً إفريقياً . وبعيداً عما حدث للمنطقة من تجريف وسرقات وإهمال لسنين طويلة، بدأ ما تبقى منها شاهداً على حضارة إنسانية قديمة، تشي بعظمة إنسان السودان ومكوناته الثقافية التليدة .
خبير الآثار الألماني، مدير معهد برلين، وهو سبعيني بدأ منهكاً، يعمل وزوجته في المنطقة منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، بعقد مع هيئة الآثار السودانية، يقول إنهم يعملون على ترميم وكشف المزيد من الآثار، بمنطقة النقعة، لكن العائق الكبير، وهو التمويل، يبقى صامداً أمام محاولات تجاوزه، لكنه لا ينسي تقديم الشكر لهيئة الآثار التي انتعش سوقها هذه الأيام، وأبدت اهتماماً واسع النطاق بالترويج للمناطق الأثرية، خاصة الحضارة المروية التي يمتد تاريخها إلى ما قبل القرن الرابع الميلادي .
الخبير الألماني سرعان ما يتجاوز عقبة التمويل، متوغلاً في فترة الإله الأسد أبادماك، الذي تظهره النقوش مع النساء في حجم واحد، وهو ما يدل- كما يقول، على مكانة المرأة في ذلك الزمن، حيث تؤكد الدراسات أنها تنتخب للرئاسة مثلها مثل الرجل، وقد نالت كثيرات شرف الملوكية والألوهية، ومنهن الشهيرة أماني شخيتو وأماني كنداكه، وأماني تيرو .
ويقول فيلدون إن المنطقة ملتقى لكل الثقافات، لموقعها الاستراتيجي، وتعد معبراً منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، لتلاقح الثقافات المصرية واليونانية والسامية، والحضارة المروية لها طابعها الخاص المميز، لو وجدت اهتماماً من الباحثين المحليين والأجانب، لأمكن التأريخ والتوثيق لحضارة عريقة .
وتدل المناطق الأثرية المتفرقة، وهي كثيرة في النقعة والمصورات، على حضارات يونانية ومصرية متلاقحة مع الطابع الإفريقي، وتبدو التماثيل والرسومات أقرب إلى الطابع الفرعوني المصري . ويدلل الخبير الألماني، على المكانة الدينية للمنطقة، التي حازت تاريخياً مكانة سامية وسط الحضارات القديمة، ويشير إلى معبد الإله آمون، والملك تكماني، كأبرز نجوم الحضارة المروية في ذلك الوقت . لكن العبادة كانت من نصيب الملك الأسد أبادماك، الذي يحوز على المعبد الكبير ضمن ثلاثة معابد في المنطقة .
وتشير نعيمة عبدالرازق، مفتشة الآثار السودانية المرافقة للخبير الألماني، إلى أن تاريخ المنطقة يعود إلى (225 ق .م)، وتمضي الى فترات الإلهة نزولاً من بايزيس إلى أرنخ أمني ثم أركل وبعده أبادماك وآمون وسوبا مكر وأخيراً نوفيس . ويقطع سقوط الخبير الألماني أرضاً، حيث نال منه التعب مبلغاً، سير الرحلة إلى المعبد الكبير، وانكب عليه الصحافيون ومشرفو الرحلة، لكن الرجل تماسك بابتسامة جسورة، وطلب نقله الى منزله المشيد على سفح الجبل، مؤكداً أنه إنهاك فقط، وطلب من الجميع مواصلة الرحلة إلى البجراوية .
سرقات تاريخية
مندوبة الهيئة العامة للمتاحف والآثار، منجدة خالد التي رافقت الوفد من الخرطوم، تلقفت الحديث في منطقة البجراوية، وأشارت إلى أن المنطقة تضم 44 هرماً، من أصل 128 تغمرها رمال المنطقة، و404 أهرامات أخرى في كل السودان، وكشفت أن المدافن الملكية في منطقة البجراوية تضم ثلاث مجموعات شرقية ونوبية وغربية . ولفتت الى تفصيلة مهمة، وهي أن دفن الملوك يتم تحت الأهرامات عكس السائد تاريخياً، وأن ملوك مروي لا يقومون بحفر مدافنهم في شكل هرم أو خلافه مثل المصريين، بل إن خلفه على العرش هو الذي يقوم بدفن سلفه .
وتضيف منجدة أن البجراوية هي العاصمة، الحكم من هنا، الملوك يقطنون فيها، وبالقرب منهم مدافنهم، واكثر مدفن تأثر هو معبد أماني شخيتو الملكة الأم وهي أعظم ملكات الفترة المروية والشهيرة بالكنداكة، أشارت إلى أن الرحالة الإيطالي فيرليني زار السودان وفجّر قمم الأهرامات، التي كانت تصنع من الذهب، وعمد إلى تكسيرها وأخذ الذهب، وهو معروض الآن في متاحف غربية .
المرشد السياحي مصطفى عبيد الله، أضفى طابعاً شعبياً، وهو يحكي ببساطه تاريخ الإله أبادماك، الذي تحس انه يكن له حباً خاصاً، وهو يتجول بنا في معبد الأسد، الفترة من 225 قبل الميلاد إلى 218 قبل الميلاد، ويكشف عن كرسيين، وهو يشير إلى حائط شمالي من المعبد، الكرسي الأول هو للحكم حيث يقبض الملك أبادماك على رأس الأسد، وبيده الأخرى على عصا الحكم، أما الكرسي الآخر فهو للتويج، حيث تقدم القرابين والعصافير، والأخيرة ترمز بخصوصية إلى حقبة حكمه كأنه شعار دولة .
ويشير عبيد الله الى كتابة هيروغليفية هي قصيدة الملك تقول أنا أسد الجنوب، أنا قوي الذراعين الذي يقتل أعداءه بأنفاسه الملتهبة، والذي يخلق الطعام للجميع ويخلق الرجل والمرأة، ويحصي جميع الخطايا ويعاقب عليها، وهناك صورة واضحة لأسد يأكل إنساناً، وهناك مفتاح الحياة الذي ينتقل من يد إله إلى آخر، وفي الحائط الجنوبي هناك رسوم البر والسلام، كما في الحائط الشرقي، رسوم الحرب والخصوبة .