تتوالى الاكتشافات الأثرية في محافظة المفرق الجاري انجاز مسوحات دقيقة في مناطقها بواسطة فريق علمي متخصص تقوده دائرة الآثار العامة الاردنية اسفر آخر حفرياتها الدقيقة عن العثور على مبنى سكني يعود الى الحقبة الاموية بين عامي 661 و750 ميلادية في منطقة أم الجمال بعدما رصدت كتابات على حجارة تشكل ما يشبه مذبحاً كبيراً عائداً الى القرن الاول قبل الميلاد، وأكدت دلالات تفرد موقع جاوا العتيق بوجود بقايا أقدم سد في العالم ارتبط بالعصور البرونزية المبكرة وتحديدا خلال الألف الرابع قبل الميلاد.
توقع ناصر الخصاونة مدير آثار المفرق ظهور مزيد من المعالم غير المكتشفة خلال عمليات التنقيب، لافتاً الى أن فرقها تستكمل حاليا أعمال الصيانة في مرحلتها الثالثة للمبنى الأموي بإشراف مهندسين متخصصين لترميم بعض الجدران الآيلة للسقوط، واشار الى استكمال اعمال ترميم مرادفة في موقع الفدين الأثري.
وتلتقي جميع المواقع البارزة في المحافظة مع أم الجمال اضافة الى الفدين وجاوا وبرقع في استخدامها منذ عهود ماضية، محطات عبور الى جهات مجاورة سواء بواسطة قوافل الابل أو السكة الحديدية أو غيرهما سيما أن مسمى مركز المدينة الرئيسي المفرق مستوحى من موقعه الجغرافي الذي يعد أقدم مفترق طرق جهة المشرق، وسط خطوط تجارية ودولية محيطة أثناء الحكم العثماني، عوضاً عما عرف به قبلا بالقلعة الحصينة نسبة الى الفدين أبرز المباني الرصينة الضخمة المشيدة هناك.
وتفصيلاً لموقع المحافظة التي تعد الاولى من حيث المساحة بين محافظات المملكة الاردنية بنحو 26 ألف كيلومتر مربع فإنها تبعد نحو80 كيلومترا عن العاصمة عمان في الجزء الشمالي الشرقي من المملكة على مفترق طرق تؤدي إلى سوريا وبلاد الشام شمالا والعراق شرقا وكذلك الى السعودية، أما مركزها فكان مسرحاً عند بعض الحضارات الإنسانية منذ العصور الحجرية القديمة حتى الحقب الإسلامية المتأخرة وأخذ الاهتمام بالموقع طابعاً عسكرياً وتجارياً في العهود الآرامية والأشورية حتى نهاية العصر الحديدي الثالث ثم تطور الاهتمام بالموقع في العصر البيزنطي واخذ الطابع الديني بسبب بناء معبد بداخل القلعة ودير يقع في الفدين وفي الحقب الإسلامية أصبح الاهتمام بالمنطقة ذا طابع تجاري وعسكري.
وتسجل مواقعها الاثرية احداثاً مهمة ومرافق لها حكاياتها الخاصة منها بلدة أم الجمال الواقعة إلى الشرق من المحافظة على بعد حوالي خمسة عشر كيلومترا، وتعود جذور الاستيطان في بلدة أم الجمال إلى الفترة النبطية منذ القرن الأول قبل الميلاد حتى الفترة المملوكية الإسلامية وعرفت بهذا الاسم نتيجة للموقع التجاري الصحراوي الذي استخدمت فيه الجمال كقوافل تجارية في عملية النقل والتجارة حيث كشفت المسموحات الأثرية وجود مجموعة من السدود القديمة التي صممت لتجميع المياه أو لتحويلها إلى خزانات موزعة في المدينة الأثرية وما حولها وكشفت كتابات نبطية على بعض الحجارة ومذبحا كبيرا عليه كتابة نبطية وعثر على عدد كبير من الأضرحة التي نقشت عليها أسماء أصحابها.
ومن أهم مناطق أم الجمال الاستراحة النبطية، ومقر الحاكم الإداري وأسوار البلدة وبواباتها والمعابد البيزنطية وبرك المياه وخزانات جمع المياه المسقوفة والمكشوفة والمنحوتة في الصخر البازلتي والمقابر خارج أسوار البلدة الأثرية والثكنات العسكرية القديمة ويلاحظ استخدام أهلها منذ الماضي وسائل ايجابية في الاستفادة من مياه الامطار الى جانب بروز التفوق الهندسي المعماري ويظهر في بناء المدينة من حيث استخدام أسلوب الأقواس في سقوف البناء والألواح الحجرية المتداخلة في السقف ايضا واعتمادها كذلك أبوابا للمنازل.
وجاء بناء أم الجمال على طرف أحد الأودية هناك لكي يُؤمن لها المياه كعامل أساسي للاستقرار حيث توجد فيها عشرات البرك وخزانات المياه والآبار المحفورة على أطراف الوادي والتي لا يزال قسم منها صالحاً للاستعمال حتى اليوم، ومن طرقها المائية المعروفة خويدة الواقعة إلى الغرب وتعد طريقا تجارية شيدت في العهد الروماني ليصل بمنطقة بصرى في مدينة عمان، ولا تزال بقايا هذه الطريق الرابطة بين عمان والبتراء أيضا ظاهرة للعيان حتى اليوم وفي الوقت ذاته فإنها تقع على طريق تربط بين شمال غرب المملكة حيث منطقة اتحاد المدن العشر الرومانية الديكابوليس وأم قيس وبيت رأس وإربد من جهة ومنطقة الأزرق التي تعد البوابة الشمالية الغربية لوادي السرحان من جهة أخرى.
وبقيت أم الجمال في طي النسيان لسنوات طويلة إلى أن قامت بعثه عالمية بعمل مسح أثري لمناطقها وتبين تنوع لغة النقوش المكتشفة في أم الجمال من نبطية إلى يونانية ولاتينية وصفوية وعربية شمالية ووجود نقوش ثنائية اللغة في ذات المكان زيادة على أن بعض أبناء القبائل العربية الذين عاشوا هناك إبّان القرون الميلادية الاولى كما يظهر من كتاباتهم أكثر من خط ولغة ونقوش ثنائية أيضاً، وبدا جلياً أن تعّلم اللغات وما يتبع ذلك من مهارة الكتابة والرياضيات اللذين يساعدان التجار على ضبط تجارتهم كان جزءاً مهماً من حياة أهل المدينة منذ القرن الثالث الميلادي ويستدل منه نقش لأحدهم يدعى فهد بن سلمى المكتوب بالخطين النبطي واليوناني يدل على أنه كان مربياً ومعلماً ذا شأن آنذاك.
أما الموقع الأثري الثاني في المحافظة يدعى جاوا وتعود أصوله التاريخية الى العصور البرونزية المبكرة, وبنيت مرافقه في الألف الرابع قبل الميلاد على تل يشرف على وادي راجل في أعماق الحرة البازلتية وهي منطقه في البادية الشمالية إلى الشرق من المفرق ويوجد في جاوا عين ماء تحمل مسمى الموقع ذاته وهناك القصر الملكي القديم في وسط المدينة فيما تشتهر المنطقة بنظام الحصاد المائي الذي يعد من أقدم الأنظمة في العالم، كما أنشئ سد من أقدم السدود في العالم في هذا الموقع لجمع مياه الأمطار ويعود إلى حوالي الألف الرابع قبل الميلاد، وإلى الجوار يرتكز قصر برقع الذي ترجع جذور الاستيطان فيه إلى العصر الحجري الحديث، حيث أخذ بُعداً عسكرياً في العصر الروماني وآخر دينياً في العصر البيزنطي، أما الفترة العربية الإسلامية الأموية فتم بناء هذا القصر للاستجمام والصيد والبعد عن ضوضاء المدن وفي القصر حمام ومسجد وبيوت، واستخدم كمحطة على درب الحج حتى القرن الثامن، وفي القصر مسجد يعود إلى العصر الأموي. ويكتمل عقد الاماكن المهمة في المحافظة من خلال موقعي الفدين ورحاب، وشكلت مدينة بارزة في العصر البيزنطي والعصر الإسلامي حيث كانت على طريق الحج كما لعبت دوراً مهماً في العهد العثماني لمرور سكة الحديد بالقرب منها، ومن أهم الآثار في هذا الموقع المسجد الأموي الذي بني بطريقة فنية معمارية خاصة.وتكمن أهمية الموقع بوجود قلعة فيها عرفت بقلعة الفدين وبنيت في العصر العثماني المبكر أما بلدة رحاب فتقع على بعد 12 كيلومتراً من مدينة المفرق، وترتفع حوالي 915 متراً عن مستوى سطح البحر، ويعود تاريخ المنطقة الأثري إلى العصر الحجري وتشتهر بكثرة معابدها إضافة إلى المقابر والبرك وآبار تجميع المياه والمسجد والأبراج والمنازل السكنية والكهوف.
ووفق مدير مركز رحاب للبحوث الأثرية الدكتور عبد القادر الحصان فان مديرية آثار المفرق استكملت مؤخراً مشروع ترميم الفدين الأثري الرامي الى المحافظة على اثار المفرق وابراز دور ومكانة المحافظة على مر العصور.
وأوضح الحصان المشرف العام على تنفيذ المشروع أن الأخير اشتمل على اعمال ترميم جدار القبلة المزخرف بالاشكال الهندسية والزهور بارتفاع متر ونصف المتر على امتداد عشرة امتار مع الحفاظ على النمط القديم، واظهاره وتمييزه عن الحديث المرمم، كما تم استكمال ترميم الاعمدة الخاصة بالارضيات المرفوعة للغرفة الحارة في الحمام الاموي وترميم ارضيات الدير البيزنطي وتغطيتها برمل صويلح حفاظا على متانتها ومقاومتها للعوامل الطبيعية.