د. سالم بن ارحمه الشويهي

سار الصحابة الكرام والخلفاء الراشدون على نهج النبي الأمين في تسامحهم مع غير المسلمين.

ففي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق (وكانوا من النصارى): «وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله».

وكذا معاهدته لأهل دمشق المتضمنة تأمينهم على دمائهم، وأموالهم، وكنائسهم مقابل الجزية.

ويشهد التاريخ بالتسامح العظيم الذي بذله الفاروق للنصارى الذين كانوا يسكنون بيت المقدس وهو ما عُرف في التاريخ (بالعهدة العمرية)، نسبة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث يحترم المنصفون من النصارى هذه العهدة حتى يومنا هذا، ولها أهمية كبرى في التاريخ، ويضرب بها المثل في التسامح الذي تعامل به زعيم أكبر قوة في ذلك الزمان مع سكان تلك البلاد المفتوحة ونصت تلك العهدة على: «أعطاهم الأمان لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسائر ملتهم.. ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم.. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين».

وكتب واليه بمصر عمرو بن العاص لأهل مصر الذين اختاروا البقاء على النصرانية، عهداً جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على: أنفسهم، وملتهم، وأموالهم، وكنائسهم..» وأكد ذلك العهد بقوله: «وعلى هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين».

وكان من عادة المسلمين أن يمنحوا أهل الذمة، في المدن التي يفتحونها صلحاً، يتعهدون بموجبه، حمايتهم ومنحهم حرية العبادة وممارسة حياتهم المعتادة، مقابل دفعهم الجزية والدخول في طاعة المسلمين.

قال (شارلكن): «إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى وإنهم مع انتشارهم.. نشراً لدينهم، تركوا من لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليمهم الدينية».

والواقع أن هذه المعاهدات تعد مثلاً رائعاً للتسامح مع غير المسلمين، وكان عمر رضي الله عنه شديد التسامح مع أهل الذمة، حيث كان يعفيهم من الجزية عندما يعجزون عن تسديدها، فقد ذكر أنه مر بباب قوم عليه شيخ كبير ضرير البصر يسأل الناس فقال له: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال يهودي، قال فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فأعطاه مما وجده، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: «انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم»، ووضع عنه الجزية وعن أمثاله، وأمر بصرف معاش دائم لليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، وكتب إلى عماله معمّماً عليهم هذا الأمر.

ولما مرّ عمر في رحلته إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى؛ أمر لهم بمساعدة اجتماعية من بيت مال المسلمين، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل القادمين من الأقاليم عن حال أهل الذمة، كما يسأل عن المسلمين والولاة والقضاة وهذا يدل على حرص الفاروق على أن تقوم دولته على العدالة والرفق برعاياها ولو كانوا من غير المسلمين.

ولما أصيب رضي الله عنه بضربة رجل من أهل الذمة (أبو لؤلؤة المجوسي)، لم يمنعه ذلك من أن يوصي الخليفة من بعده، وهو على فراش الموت، بأهل الذمة (أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم). وبهذا بقيت الحرية الدينية معلماً بارزاً في عصر الخلافة الراشدة، مكفولة من قبل الدولة، ومصانه بأحكام التشريع الرباني.

drsalem283@