الأكاذيب والافتراءات التي يرددها خصوم الإسلام الآن، ويحاولون من خلالها النيل من عظمة القرآن الكريم دستور المسلمين الخالد قديمة ومتوارثة لكنها للأسف لا تتوقف رغم تصدي علماء المسلمين لها عبر العصور، لأن من يرددونها ويلحون عليها يدركون جيداً قيمة القرآن ودوره في حياة المسلمين ويعلمون جيداً أن هذا الكتاب المقدس هو وحي إلهي، وليس إنتاجاً بشرياً كما يزعمون .
يقول الدكتور علي جمعة مفتي مصر: القرآن هو مصدر إزعاج دائم للمتمردين من غير المسلمين الذين يزعجهم ما يرونه من التفاف المسلمين حوله وانبهار غير المسلمين، الذين يقفون على هدايته وإعجازه به، ولذلك لا يكف هؤلاء وبعضهم للأسف رجال دين عن التشكيك في صدق القرآن ورميه بالنقائص، والزعم بأنه متناقض حينا، وغير واضح في توجيهاته حينا آخر، وأكثر ما ردده هؤلاء حول القرآن والعياذ بالله أنه ليس وحياً من عند الله، ومن بين المطبوعات الغربية التي شككت في قرآن المسلمين الخالد الذي قال عنه منزله سبحانه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مطبوعة غربية حاقدة تحمل عنوانا يقول هل القرآن معصوم؟ وكذلك منشور آخر تحت عنوان الباكورة الشهية في الروايات الدينية وغير ذلك من الأحقاد المتوارثة على القرآن الكريم .
وعن نوعية الشبهات التي أثاروها حول القرآن الكريم يقول الدكتور جمعة: لقد شكك خصوم الإسلام في كيفية طريقة جمع القرآن، ليصلوا في النهاية إلى هدف يتطلعون إليه، وهو أن هذا الكتاب غير دقيق وبالتالي غير صالح للحكم بين الناس وزعموا أيضا أن هناك أكثر من نسخة من القرآن، وبالتالي لا يعرف المسلمون أي هذه النسخ أدق، وهدفهم من وراء هذا الزعم أيضا التشكيك، وتحدثوا عن تعدد قراءات القرآن، ووصفوا ذلك بأنه شكل من أشكال التحريف وتحدثوا عن الكلام الأعجمي في القرآن وتساءلوا: كيف يكون القرآن كتاباً عربياً وفيه كلمات أعجمية كثيرة من فارسية وآشورية وسريانية وعبرية ويونانية ومصرية وحبشية وغيرها، وزعم هؤلاء أن بعض كلمات القرآن متناقضة، وغير ذلك من الشبهات التي رد عليها العلماء وفندوها بالعقل والمنطق والعلم الحديث، ومع ذلك لم يكف هؤلاء عن أكاذيبهم وافتراءاتهم .
ويقول مفتي مصر إن من واجب علماء المسلمين أن يردوا على هذه الشبهات ويفندوها في كل وقت، لأن هذا جزء من الدعوة إلى الإسلام، وهذه الردود تعرف الناس بالقرآن وتعمق إيمانهم بكل ما جاء فيه من حقائق وإعجاز في مختلف مجالات الحياة، فالقرآن كما أكد العلماء المتخصصون في الطب وعلوم الكون والطب والاقتصاد والاجتماع والتربية كتاب سماوي معجز لا شك في ذلك .
معجزة شاملة
المفكر الإسلامي الراحل الدكتور عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر تصدى لتفنيد شبهة تأليف القرآن في كتاباته ومؤلفاته وقال: من الثابت تاريخيا أن النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، والقرآن الكريم في حقيقته كتاب على أعلى مستوى من البيان الأدبي، وهو مختلف تماماً عما كان يعرفه العرب من شعر ونثر، وكل الحقائق تؤكد أن القرآن معجزة لغوية وأدبية جديدة تماما وليس لها سوابق مشابهة، وكونه يأتي على يد إنسان أمي دليل على أنه ليس من إنتاجه، وإنما هو وحي منزل .
والقرآن إلى جانب أنه معجزة أدبية ولغوية هو موسوعة تشريعية متكاملة تشمل العقيدة والشعائر والأخلاق، والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويهدف إلى إحداث توازن بين المادة والروح في حياة الفرد، وإلى إقامة علاقة مستقرة بين الفرد والمجتمع، ومثل هذا النظام التشريعي المتكامل والمتميز لا يمكن أن يصدر من إنسان في بيئة عربية كالبيئة التي كان يعيش فيها محمد صلى الله عليه وسلم .
وإلى جانب كل ذلك يزخر القرآن بالعديد من الإشارات إلى حقائق علمية لم يتوصل إليها العلم إلا في العصر الحديث، ويستحيل وجودها تماما في البيئة البدوية التي نشأ فيها محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك الإشارة إلى تطور حياة الجنين في بطن أمه، وبصمة الإنسان والإشارة إلى حركات الأفلاك، وأصل نشأة الكون، والتفاعل المستمر بين الكائنات وحركة دوران الشمس والقمر والرياح والأمطار والنبات، فمن مراحل خلق الإنسان يقول القرآن الكريم ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين .
وحول حركة الشمس والقمر يقول القرآن الكريم سخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، وأيضاً لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون، وكذلك قوله تعالى أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، وقوله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان .
كل هذه الآيات القرآنية تتضمن إشارات إلى حقائق علمية وكونية . فكيف ألفها إنسان أمي لا يقرأ ولا يكتب؟
أدلة وبراهين
ومما يؤكد إعجاز القرآن ويبرهن على أنه وحي إلهي منزل على رسول خاتم، اشتماله على أخبار وحودث مستقبلية تحققت في ما بعد، من مثل غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين وقد تحقق ذلك بالفعل، ومن مثل الأخبار بموت أبي لهب، والوليد بن المغيرة كافرين، وقد حدث ذلك بالفعل تبت يدا أبي لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى ناراً ذات لهب .
وعلى الرغم من ضخامة حجم القرآن الكريم، وطول الفترة الزمنية التي نزل فيها على محمد صلى الله عليه وسلم (ثلاثة وعشرون عاماً)، فإن دراسته بعناية تثبت عدم التناقض بين جزئياته، كما تؤكد الدقة البالغة في اختيار ألفاظه وعباراته، مما يدل بوضوح على أنه فوق طاقة البشر .
تحدٍ بالبلاغة والأحكام
ويشير الدكتور عبدالغفار هلال العميد الأسبق لكلية اللغة العربية في القاهرة، إلى أن القرآن الكرم يتحدى العرب، وقد كانوا متفوقين في البلاغة، أن يأتوا بمثله، أو بمثل عشر سور منه، أو حتى بسورة واحدة منه، وكانت النتيجة أن أحداً لم يستطع الإتيان بعمل مشابه للقرآن الكريم منذ نزل وحتى اليوم، وذلك على الرغم من وجود المعارضين الذين كان يسعدهم الإتيان بهذا الشبيه، ويعدّ استمرار التحدي بهذا الشكل من أهم البراهين على أن القرآن كتاب إلهي وليس من صنع البشر .
والقرآن الكريم لا يتحدى بكلماته وألفاظه وبلاغته، بل يتحدى بأحكامه وتشريعاته، فقد اشتمل على توجيهات حكيمة متنوعة، منها ما يتعلق بتصحيح العقائد، ومنها ما يتعلق بمكارم الأخلاق، ومنها ما يتعلق بمحاسن الآداب، ومنها ما يتعلق بالتشريعات على اختلاف ألوانها . فهناك تشريعات تتعلق بالأحوال الشخصية التي تبين أحكام الأسرة من زواج، وطلاق وخطبة ورضاع، وحقوق للآباء على الأبناء أو العكس . وتقع التشريعات التي تتعلق بالأسرة في القرآن الكريم، في نحو سبعين آية، وهناك تشريعات تتعلق بالأحكام المدنية، وهي الأحكام التي تنظم معاملات الأفراد من بيع وشراء ووكالة ورهن وكفالة وغير ذلك من الأمور التي تنظم علاقات الأفراد المالية، بحيث تحفظ لكل ذي حقه . وهذه الآيات التي تتعلق بهذه الأحكام في القرآن الكريم تبلغ ستين آية، إضافة إلى تشريعات تتعلق بالأحكام الجنائية . والمقصود بها كل ما يصدر من المكلف من جرائم، وما يستحقه من عقوبة رادعة، من شأنها أن تحفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم، والآيات التي تتعلق بهذه التشريعات تبلغ ثلاثين آية منها قوله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون، وقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم . وهناك تشريعات تتعلق بالقضاء والشهادة واليمين، حتى تتحقق العدالة بين الناس والآيات القرآنية التي تتعلق بهذه التشريعات تبلغ ثلاث عشرة آية، كما أن هناك تشريعات تتعلق بالأحكام الدستورية، والمقصود بها التشريعات التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله حتى تتحدد الصلة بين الحاكم والمحكوم، ويعرف كل منهما ما له من حقوق وما عليه من واجبات . والآيات التي ساقها القرآن في هذه الصدد تبلغ عشر آيات منها قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً .
أما التشريعات التي تتعلق بالأحكام الدولية، فتبرز في الآيات القرآنية التي تنظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، كما تنظم المعاملات بين المسلمين وبين غيرهم، ممن يعيشون معهم، وتحت سلطانهم، وآيات القرآن التي تتناول هذا النوع من الأحكام تبلغ ثلاثين آية، منها قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وقوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم .
وهناك تشريعات تختص بالنواحي الاقتصادية والمالية، وهي التي تنظم التعاملات المالية، وأوجه الاستثمار المشروع، وتحذر من أكل أموال الناس بالباطل، وتتحدث عن حقوق الفقراء في أموال الأغنياء . والآيات التي تتصل بهذا الموضوع تبلغ عشر آيات . منها قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم .
ومن استقراء الآيات القرآنية التي تتناول الأحكام، نرى أن أحكام القرآن تفصيلية في العبادات وما يلحق بها من أحكام الأحوال الشخصية والمواريث، لأن هذا النوع تعبدي ولا مجال للعقل فيه، ولا يتطور بتطور البيئات .
أما في ما عدا العبادات والأحوال الشخصية من الأحكام المدنية والجنائية والدستورية والدولية والاقتصادية والمالية، فأحكام القرآن فيها قواعد عامة ومبادئ أساسية دون تعرض للتفصيلات الجزئية إلا في القليل النادر، لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح .
وهكذا يؤكد القرآن الكريم في كل عصر عظمته وإعجازه وتحديه لكل المنكرين والجاحدين والمتعصبين الذين يحاولون النيل منه والتشكيك في صدقه كتاباً سماوياً وخالداً ينظم حياة الإنسان تنظيماً دقيقاً وشاملاً وحكيما . وكتاب هذا شأنه لا يمكن أن يكون من تأليف بشر.