تعتبر جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي، هي الوحيدة على المستوى العربي، التي تعنى بتوسيع دائرة الاهتمام بالبحث في الفنون البصرية . . أصولها ومصادرها وأبرز المستجدات في هذا الميدان، وقد كان لابتكار هذه الجائزة عبر دوراتها المختلفة، وفتحها أمام النقاد والدارسين العرب، أثره في تحفيز ذائقة الكتابة والبحث المنهجي في التشكيل، لاسيما في علاقته مع الفنون المعاصرة التي بدأت تأخذ حيزاً من اهتمام التشكيليين الإماراتيين والعرب، تقاطعاً أو تشاكلاً مع حركة الفنون المعاصرة في العالم، والجائزة تطمح عبر دوراتها المتعاقبة لاكتشاف أسماء بحثية جديدة بما يتوازى مع الزخم الفني الملحوظ في السنوات الأخيرة، وأخيراً أعلنت إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام عن نتائج الدورة الرابعة لهذه الجائزة الممتدة من (مارس/ آذار إلى ديسمبر/ كانون الأول 2011)، التي كان عنوانها العريض يتمحور حول (المفاهيمية في التشكيل العربي) حيث فاز بالجائزة أربعة أبحاث محكمة: الأول (المفاهيمية في الفن التشكيلي العربي/ تجارب ورؤى) للمغربي إبراهيم الحجري، والثانية (المفاهيمية في التشكيل العربي/ مخاوف وآمال) للمغربي أيضاً محمد الزبيري، أما الثالثة فذهبت للباحث السعودي سامي جريدي عن دراسته (المفاهيمية في الفن التشكيلي السعودي)، فيما كان موضوع البحث الرابع الفائز بإشادة لجنة التحكيم يتمحور حول (المفاهيمية في التشكيل المصري/ بين تأثيرات الحراك الاجتماعي وإرهاصات الثورة بين عامي 1980 و2010)، وهو للباحثة المصرية هبة عزت الهواري . فيما يلي نبذة عن أبرز العناوين التي طرحتها هذه الأبحاث الفائزة التي تناقش مثل هذا الموضوع الإشكالي والحيوي في الفن التشكيلي العربي المعاصر .

بدأ إبراهيم الحجري موضوع بحثه بالإضاءة على أدوات اشتغال الفن التشكيلي المفهومي، وهي متعددة كالكولاج والمفهوم والمعنى والسيمولاكر الذي يعتبر من المفاهيم الجديدة التي اقتحمت عالم الفن التشكيلي خصوصاً مع تجربة ما بعد الحداثة، وبروز الهيمنة الوسائطية الجديدة التي ابتكرت برامج هائلة في التعامل مع الصورة البصرية، وتحويلها واللعب بها عبر الحاسوب والفوتوشوب، ومن أدوات الاشتغال جاء الحجري على مصطلح (الأوب آرت) الذي نشأ في الستينات لأعمال تجريدية تشيع نوعاً من الخداع البصري للعناصر البنائية المرسومة فوق بعضها باعتبارها ضوءاً على مساحة الرسم، فضلاً عن أدوات اشتغال أخرى كالسيمولوجيا البصرية والمينمال - آرت، والفنان المتعدد، والمسخ، والذكاء الفني والفنان التقني واللون، وفن التصميم، وفن الجسد، والبوب آرت، والواقعية الجديدة .

وعني البحث بالتحدث عن بدايات عربية خرجت عن القواعد الأكاديمية ومنها: التونسي نجا المهداوي، والنحاتة الأردنية منى السعودي، والمغربي عبدالكريم الأزهر، والقطري فرج دهام، والأردني أيمن يسري وباسم الشرقي وسمر دياب، ومنى حاطوم، وقادر عطية، كما قدم قراءات معمقة في نماذج فنية إماراتية كما هو لدى الرائد حسن شريف، ومحمد كاظم، وعبدالله السعدي، وابتسام عبدالعزيز، وخلص الحجري إلى أن المغامرة المفاهيمية العربية ما تزال خجولة بالرغم من التراكم الذي حققته أسماء عربية من انتشار عربي ودولي، وأن المتلقي العربي مازال تقليدي التصور في نظرته إلى المتعاليات الفنية والإبداعية، ومازال حبيس النظرة التقليدية التي تحاسب التجارب الجديدة في ضوء المعايير القديمة، الشيء الذي يبخس الإبداع ويعوق مساره الفني، وخلص إلى ضرورة البحث عن الذهنية الابتكارية المنفتحة والخلاقة لإعادة صياغة الاتجاه التشكيلي العربي ليواكب التغيرات، من دون استعارة ممسوخة لثقافة أخرى .

بدوره قدم محمد الزبيري قراءة أولية للفن المفاهيمي في الوطن العربي، مبرزاً بعض النماذج في الخليج العربي التي وصفها بالأغنى عطاء وحضوراً، كما وقف عند بعض رموز النهج المفاهيمي وقارب الأسئلة النوعية التي تطرحها هذه التجارب، مقارنة مع التجربة العالمية، من جهة أخرى رصد محمد الزبيري تفاعل الفنان العربي (مفاهيمياً) مع الحراك والغليان الشعبي التي شهدته وتشهده الميادين العربية، الذي من وجهة نظره شكّل فرصة كي يختبر الفنان فاعلية أدواته ومصداقية منهجه الأكاديمي، الذي بات البعض يعول عليه كثيراً، كما تساءل محمد الزبيري في ما إذا كان هذا الفنان المفاهيمي متجاوباً مع محيطه بشكل ملموس وفاعل؟ ولاحظ في خلاصة بحثه أن ثقافة وفلسفة فن ما بعد الحداثة لم تستطع بعد التغلغل في مجتمعاتنا العربية، ودعا إلى بذل مزيد من الجهد لفتح حوار مثمر بين الفنان والمتلقي من أجل تطوير الفن العربي وانفتاحه على التيارات المفاهيمية من جهة، والإرتقاء بذوق المتلقي وتحديث ثقافته الفنية من جهة أخرى .

ورصد سامي جريدي صعود المفاهيمية السعودية منذ حصول عبد الناصر غارم على أعلى رقم في مزاد كريستز دبي العالمي وهو مليون دولار عن عمله التركيبي (رسالة)، وبدأ بحثه بموجز عن (نشأة المفاهيمية وتطورها) و(خصائص المفهوم وسماته) كما درس بدايات المفاهيمية السعودية التي عاشت عبر أربع مراحل ابتدأت الأولى من (1953-1970)، وصولاً للمرحلة الأخيرة (2003 حتى الآن)، مبرزاً لمسيرة عدد من الرموز وأعمالهم الفنية، وقال جريدي إن أغلب الفنانين السعوديين قدموا إلى الفن المفاهيمي من باب العمل التركيبي والنحت الحديث، وهو فن حداثي، وليس مفاهيمياً، السبب الذي جعل أكثرهم يخلط بين الحداثة وما بعدها .

وجاء جريدي في معرض تأكيده على نجاح الفنان السعودي في تبني المفاهيمية والنجاح في طرحها، مع التمسك بالعادات والتقاليد والبيئة على أسماء مثل: هاشم سلطان، ومحمد الغامدي، وكلاهما فازا بجوائز في بيناليات عالمية، وانتقى تجارب سعودية مختارة، وأخضعها لقراءة تحليلية، مثل تجربة (أحمد ماطر، بكر شيخون، حمدان محارب، صديق واصل، عبد الله ادريس، فهد القثامي، فيصل الخديدي، ومهدي جريبي وغيرهم)، وخلص جريدي إلى أن الفن المفاهيمي يبقى سؤالاً مؤرقاً، تفرضه طبيعة العمل الفني القائم على الفكرة، لأن مشكلة المفهوم تكمن في المفهوم نفسه، فهي تعيد إلى الفكرة ما يبدو مستقلاً عنها عبر نموذج بصري مختلف .

الدكتورة هبة الهواري انطلقت في بحثها من فكرة أن التحولات الاجتماعية تؤسس شكلها واقتراحاتها، وكان من الطبيعي وجود فن جديد، يحمل سمات تلك المتغيرات، ذلك لأن عملية إنتاج الفن التشكيلي وغيره من الفنون تخضع لمجموعة من الإجراءات التي تستهدف السيطرة عليها والتحكم في اختيارها وتنظيمها وتوزيعها .

ورأت د . الهواري أن التوجه ما بعد الحداثي في التشكيل المصري ما بعد نهاية سبعينات القرن الفائت كان بمثابة خروج عن المألوف، وبداية لمسيرة ابداعية جديدة، أما مرحلة التسعينات فجسدت لتكامل الوعي مع المحتوى الفكري للتوجهات الجديدة، غير أن تمايز بعض التجارب شكلاً ومضموناً هو ما يثير اهتمام د . الهواري التي تعرضت بالبحث والتحليل لسلسلة من الأعمال المفاهيمية التي تطورت، وتجلت مفصحة عن توجهات أصحابها، ومتوازية مع لغاتهم المتنوعة في التعبير التشكيلي في بيئته الاجتماعية، وبناء عليه تؤكد الهواري ضرورة توافر ظروف اجتماعية تاريخية ذات أساس ثقافي وراء الابتكارات في العلم والتقنية والفن .

درست د . الهواري بدايات التوجهات ما بعد الحداثية في الفنون التشكيلية المصرية بالنقد والتحليل ورصدت لاتجاهات وطروحات شبابية جريئة لدى كل من: (عفت ناجي، فرغلي عبد الحفيظ، مصطفى الرزاز، أحمد نوار، منى طوبيا، محمد عبلة، عصمت داوستاشي، ثروت البحر وفاروق وهبة وغيرهم من المجددين) هؤلاء جميعاً بحسب د . الهواري، ممن ينتمون لجيل التسعينات وجيل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يمثلون إرهاصات التمرد والرفض في نهاية عام ،2010 أي قبل إشراق الثورة المصرية بأشهر قليلة .