وصول الزوجين إلى أبواب المحاكم والوقوف أمام القاضي للحصول على الطلاق، تجربة خلفها العديد من الأسباب، سواء كانت أسباباً اجتماعية أو دينية أو شخصية أو نفسية أو صحية أو مادية أو أخرى تافهة . ويتجاهل الزوجان أن هذا القرار يمثل قوة تدمير سلبية تغطي بظلالها القاتمة على الأسرة والأطفال، وقد تصل لأهالي الزوجين . وتَدَخُّل أطراف خارجية كأهل الزوجة وأهل الزوج بطريقة سلبية أصبح سبباً لحدوث الطلاق، أو الانفصال العاطفي والنفسي بين الزوجين، رغم وجودهما معا تحت سقف واحد ولكن لا حوار ولا تعامل ولا حقوق ولا واجبات، وهو ما يمثل بداية للطلاق الفعلي .
الأرقام تدين حديثي الزواج
تعددت الأسباب والنتيجة "خراب البيوت"
الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من 33% من حالات الطلاق تمت خلال السنة الأولى من الزواج، وأن نسبة كبيرة من المطلقات تزوجن في سن مبكرة تراوح بين 15 و29 سنة ومعظمهن دامت فترة زواجهن من أربع إلى تسع سنوات، حسب دراسة صندوق الزواج . وهذه الأرقام تتحدث عن نفسها وهي أفضل دليل على وجود مشكلة حقيقية في المجتمع، سببها الرئيس عدم تأهيل المقبلين على الزواج على الحياة الجديدة وعدم معرفة كل طرف بحقوق الآخر .
وهناك أسباب عديدة وجديدة لعدم قدرة الأسر على الحفاظ على استقرارها وتماسكها ووصولها لطريق مسدود واختيار الانفصال .
تزيد حالات الطلاق في السنوات الأولى للزواج، حسب د . خليل إبراهيم، قاضي الاستئناف في محاكم دبي، ويقول: تتعدد الأسباب، منها انتشار التقنيات الحديثة وانشغال أحد الزوجين بالانترنت وسهولة تكوين علاقات خارج نطاق الأسرة، إضافة إلى سهولة المواصلات التي أدت إلى السفر الكثير بحاجة ومن دون بالنسبة للزوج، وانتشار مواقع الزواج والاستخدام السيئ لها مع عدم الحرص أحياناً كثيرة على وجود الضوابط الشرعية عند التواصل بين الطرفين أو عند من يدير تلك المواقع، وغياب الإدراك الكلي لمفهوم السمع والطاعة عند المرأة . والزواج غير المعلن من زوجة ثانية ومعرفة الأولى لاحقاً، وغياب العدالة عند الرجل المتزوج بالثانية وتغافل الناحية الشرعية عند الزوجة الأولى، كلها من أسباب الطلاق . إضافة إلى الاهتمام بالمظاهر الخداعة والرفاهية الزائدة في المجتمع، وعدم التعامل معها بأسلوب حضاري وفق الشرع، ما يؤدي إلى تراكم الديون على الأسر بسبب المباهاة .
ويشير إلى أن الزوجة هي الأكثر طلباً للطلاق، وانتشار ثقافة الخلع سواء بحاجة أو من غيرها بين الزوجات، سواء الخلع الرضائي الذي هو عبارة عن عقد رضائي بين الزوجين ويوقعه القاضي بناء على اتفاق الطرفين، أو الخلع القضائي .
وعن عدد المحكمين الأسريين ودورهم في علاج هذه الأسباب، يقول إبراهيم: نتمنى الزيادة كماً وكيفاً، حيث إن العدد مازال قليلا في محاكم الدولة، ونتمنى أن يكونوا متخصصين ويتلقون دورات متخصصة لفهم النفسيات وللإصلاح قبل التوجيه، وكذلك الإلمام بالإجراءات الشرعية والقانونية لعملية التحكيم بين الزوجين .
ويضيف: نقترح أن تخصص رخصة للزواج، لا تعطى إلا بعد أن يلتحق الراغبون فيه بدورات مكثفة لنشر ثقافة التعامل بين الزوجين من النواحي الشرعية والقانونية والاجتماعية والنفسية، والأمر الآخر أن يمنع زواج المواطنين من الأجنبيات إلا بإذن من جهة حكومية على غرار بعض دول مجلس التعاون، وكذلك الحال بالنسبة للمواطنات وذلك للحد من مشكلات ظاهرة الطلاق والحد من العنوسة المتفشية في المجتمع، وتشجيع زواج المواطنين من المواطنات .
المحامي أحمد الزعابي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، أشار إلى أن أسباب الطلاق عديدة، وبالأخص في السنوات الأولى من الزواج، لأن كلا الزوجين من بيئة مختلفة وبالتالي تحدث عملية الصدام بين الطرفين، إضافة إلى عدم تفاهم الزوجين، ومقارنة حياتها بحياة الآخرين، وتأثير التقنيات الحديثة، والإنفاق، والطلاق العاطفي، وأسباب أخرى تافهة . وعن العلاج، يقول: يجب التوعية، والثقيف الأسري، ومعرفة كلا الزوجين الأدوار وتوقعاتها، وتعزيز مهارات الحوار والتفاهم، وحرص الأهل على إعطاء الإرشادات والنصائح للزوجين، والحرص على عدم التدخل المباشر من جانب الأهل، ومحاولة الإصلاح بين الزوجين في حالات الخلاف، مع عدم الميل إلى أحد الطرفين، ونشر ثقافة الإرشاد الأسري .
وأشار د . عزيز بن فرحان العنزي، مدير مركز الدعوة والإرشاد بدبي،إلى أن تنامي ظاهرة الطلاق في السنوات الأخيرة يمثل خطراً كبيراً على المجتمع لما يترتب على الطلاق من مفاسد كثيرة وعواقب مدمرة على الأسرة والنسيج الاجتماعي .
ويقول: صحيح أن الطلاق شرعه الله، وذلك حينما تنغلق جميع أبواب الاجتماع بين الزوجين، ولكن أن تكون ظاهرة بمثل هذه النسبة المتصاعدة سنة بعد أخرى، فهذا يدعو للقلق ويدفع أهل الحل والعقد والاختصاص إلى تدارك الأمر ووضع الحلول المناسبة . ومن خلال استقراء وتتبع حالات الطلاق هناك أخطاء كثيرة يتحملها الزوجان قبل الزواج وبعده، وأيضاً تتحملها أطراف أخرى . ويضيف: من هذه الأسباب عدم الاهتمام بدين وأخلاق الطرفين، فيحصل حالة من الاستعجال تتكشف عن عدم ملائمة بينهما ما يدفع إلى الطلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) ويقول: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) . ومن الأسباب أيضاً عدم رؤية الخاطبين لبعضهما بعضاً قبل الاقتران، والنبي صلى الله عليه وسلم قال ( انظر إليها . . ليؤدم بينكما) فقد تتغلب العادات على الشرع الحكيم فيرفض أولياء الفتاة نظر الخاطب إليها ثم إذا تزوجا لا يحصل موائمة بينهما وإنما نفرة تقود إلى الطلاق في أغلب الأحيان . كذلك تدخل أطراف خارجية كأهل الزوجة أو الزوج إما ابتداء كأن يحاول كل طرف تكييف بيت الزوجية حسب مزاجه هو ويفرض آراء قد لا تتناسب مع الزوجين، أو يكون حال نشوب خلاف بينهما فبدل أن يسهموا في انتزاع فتيل المشكلة يزيدونها ويقدحون زنادها بحمق ورعونة متناسين أن الضحية هما الزوجان . ومن أسباب وصول الطلاق إلى ظاهرة، في رأي العنزي، عدم القيام بالواجبات الزوجية من كلا الطرفين أو من أحدهما، وكذلك معصيتهما لله تعالى أو أحدهما، من خلال طرق شتى تقود إلى زرع الشك وتكريس الظنون الفاسدة، كالعلاقات المحرمة خارج عش الزوجية الطاهر، أو استعمال التقنيات الحديثة استعمالا محرماً، وكذلك من الأسباب استغناء المرأة في كثير من الأحوال عن زوجها خاصة بعض النساء اللائي لا يحترمن بيت الزوجية فترى كل منهن أنها موظفة ولديها دخل، وأن تدخل زوجها في شؤونها ثقل لا بد من التخلص منه، فتحرص على الطلاق ثم إذا وقع ندمت ولات ساعة مندم .
ويؤكد أن الأهم هو كيف نحد من هذه الظاهرة، وأنه لا بد من استهداف الشباب والفتيات ببرامج تعليمية وتثقيفية تسهم في رفع مستواهم ووعيهم بالحياة الزوجية . ويؤيد أن تصدر الجهات المختصة قراراً بأن الشاب والفتاة لا يعقد لهما إلا بعد الحصول على دورة شرعية تربوية تعليمية لمدة معينة لأنها تسهم، في تقديره في حل كثير من الإشكالات، وأبسطها وهي أعظمها . إفهام الزوج أن الطلاق فيما لو رغب أن يطلق لا يكون بهذه الصورة التي يتلقفونها من غير الشرع المطهر وهي الطلاق بالثلاث، وإنما هناك طلاق السنة وهي طلقة واحدة تتيح للإنسان التروي وتعطي الزوجين المساحة الكافية للتفكير في ما أقدما عليه فإن أحبا فصالاً تركها حتى تمضي عدتها، ويجوز له بعد ذلك أن يعود إليها بعقد جديد، وإن أحبا اجتماعاً أرجعها أثناء العدة لأنها تعتبر زوجة رجعية . ويتابع: من الحلول ضرورة التفات الجهات القضائية إلى بعض الأقوال المعتبرة والقوية في المذاهب الفقهية في احتساب الطلقات الثلاث واحدة، وأيضاً عدم إيقاع الطلاق البدعي كالطلاق في الحيض أو النفاس أو في طهر مس الزوج فيه زوجته، وذلك للحد من هذه الظاهرة المتفاقمة، وهي تدخل ضمن السياسة الشرعية كما فعل عمر، رضي الله عنه، في تأديب المتساهلين بالطلاق . ومن الحلول الأخرى الإكثار من البرامج التوعوية عبر القنوات الفضائية لكونها الوسيلة الأكثر متابعة لدى جمهور، ومحاولة إيصال الأقوال الفقهية المقاصدية التي تنظر إلى مآلات الأمور ونهاياتها وتأخذ الأحداث بكل سياقاتها الأسرية والاجتماعية وغيرها ملتزمة النصوص الشرعية لا مصادمة لها .
محمد عبدالرحمن، مدير إدارة الأحوال الشخصية في محاكم دبي، أشار إلى أن المحركات الأساسية وراء حدوث الطلاق، هي أنه لا توجد دراسة مسبقة للزوجين لعقد الزواج، أي أن طرق التأهيل الزوجي قبل الزواج غير موجودة بطريقة نظامية، فلا يوجد بناء حقيقي للزواج كمنهج تربوي وتأهيل أسري .
ويضيف: الثقافة الأسرية بعد الزواج، التي تتضمن تعريف كل طرق حقوق الآخر معدومة، وجزء من المسؤولية يقع على الموجه والمرشد غير الملم بفنون الإرشاد والتوجيه، كالأب أو الأخ أم الأم أو الصديق، فعند لجوء أحد الزوجين لشخص قريب منه ليستشيره وينصحه لحل مشكلته، قد تحدث المشكلات وتتفاقم إذا كان غير ملم بكيفية التعامل مع المشكلة، إذ سيطرح حلولاً ناقصة، وسيعطي إرشادات تؤثر سلبا في الزوجين كونه يستمع لطرف واحد، والأمر الآخر الذي يعتبر سبباً في الطلاق هو الإعلام المفتوح، ففي السابق كانت الأسرة والمدرسة تربيان، والآن الجهة الأكثر تأثيراً في الشباب هو الإعلام وبالأخص المرئي، فعند رؤية الزوجين لتجارب أسرية مفتوحة ليس لها قيود سيتأثران سلباً وتظهر مشكلات جديدة لم تكن موجودة سابقاً .
ويوضح أن الزوجة هي التي الأكثر طلباً للطلاق، كونها الطرف الذي يقع عليه الضرر بشكل أكبر، مؤكداً أن أغلب حالات الطلاق في عمر بين 28 الى40 عاماً .
ويشير عبدالرحمن إلى أن مرحلة الثانوية مهمة لتأهيل الشباب للزواج، إضافة إلى أن المؤسسات المجتمعية يقع عليها دور توعية الشباب والمأذون الشرعي يجب أن يكون حلقة وصل وناصحاً للزوجين، والدور الأكبر يقع على الإعلام .
وعن دور المصلح الأسري في المحكمة، يقول: بسبب كثرة الحالات في المحكمة أصبح دور يتركز على الإصلاح أكثر من التوجيه، إضافة إلى ذلك نحرص على التعاون مع المؤسسات المجتمعية في مسألة إرشاد الزوجين .
عبدالسلام درويش، رئيس مركز الإصلاح الأسري، يقول: نسبة الطلاق في إمارة دبي في انخفاض على مدى العشر سنوات الماضية بجهود العاملين في الإصلاح الأسري، حيث إن نسبة الطلاق في 2011م وصلت إلى 21 % ونحن نعتبرها نسبة عالية رغم أن متوسط نسبة الطلاق في الدولة 32 % وعلى الرغم من أن الإصلاح الأسري نجح في الصلح وفي60 % من الحالات .
وعن أهم أسباب الطلاق حسب الإحصاءات، يقول: الأمية الأسرية، حيث إن الأزواج يدخلون الحياة الزوجية من دون أي معرفة بأسس التعامل مع هذه الحياة الجديدة فتبدأ تجربة الصواب والخطأ ودمار الأسرة، ولهذا فأغلبية الطلاق في أول سنتين وأعمار الأزواج لا تتجاوز الثلاثين، بل يكثر عندنا الطلاق في فترة عقد القران قبل الدخول . ويلفت إلى أن المرأة أكثر المتقدمات لطلب الطلاق لأن الرجل بيده القرار وإذا لم يرغب في زوجته طلقها في المنزل، لكن المرأة لو تضررت تلجأ إلى القضاء .
ويشير إلى أن أهم وسيلة للحد من الطلاق هو تأهيل الأزواج الجدد، معتبراً أن تجربة ماليزيا رائدة في هذا الميدان، فالرخصة الأسرية عندهم شرط من شروط الزواج ولهذا نسبة الطلاق انخفضت من 32% إلى 7% .
وعن جهود الإصلاح، يقول: دور الموجهين بدبي كبير وهم على مستوى عالٍ من الثقافة والخبرة والتدريب، ونجحوا في العام الماضي في التصدي لأكثر من 3600 ملف أسري رغم أن عددهم ستة موجهين، ونجحوا باقتدار بإنهاء 60% من الملفات صلحاً واتفاقاً، والمتوقع في هذه السنة أن يتجاوز عدد الملفات 4000 ملف ونحتاج إلى جهود كل المؤسسات لدعم الأسرة ولا يحب أن ننتظر وصول المشكلة إلى المحاكم، فالوقاية خير من العلاج .
ناعمة الشامسي، رئيسة قسم التمكين الأسري بإدارة التنمية الأسرية بوزارة الشؤون الاجتماعية تقول: الأسباب المادية لها دور كبير في زيادة نسب الطلاق، حيث إن متطلبات الحياة أصبحت كثيرة، والأمر الآخر هو تحمل المرأة الأعباء الأسرية ورمي كل المسؤولية عليها، وعدم نفقة الزوج على الزوجة، والتطور التقني الذي أدى إلى الخيانات الزوجية .
وتشير إلى أن دورهم في القسم يتمثل بتنظيم برامج توعوية والتركيز على فئة المقبلين على الزواج، وإقامة دورات للمتزوجين لاستمرارية الحياة الزوجية، إضافة إلى الاستشارات المجانية من خلال الهاتف، والترخيص للمكاتب الأسرية الخاصة والإشراف عليها ومتابعتها .
محمد عز العرب، مستشار قانوني، أشار إلى أن سبب زيادة نسب الطلاق هو ضعف الوازع الديني لكلا الطرفين، وعدم استيعاب الزوجين لأمور الدين ومن بينها المواضيع الخاصة بالطلاق، فالدين وصى الرجل على المرأة، ولو استوعب الرجل ذلك سيحافظ على زوجته . ويضيف: من الأسباب الأخرى، سطحية ثقافة الزوجين، ودخول التقنيات الجديدة والاستخدام السيئ لها، والخيانة الزوجية .
ويشير إلى أن حالات الطلاق تزيد عند الشباب الأقل عن 30 سنة، وذلك بسبب قلة الوعي والترابط الأسري بين الزوج وأسرته باعتبار أنه أصبح لديه أسرة مستقلة، وضعف الوازع الديني، وضعف دور الأهل وعدم حياديتهم في حل المشكلات بين الزوجين . ويوضح أن دور المصلحين أصبح يتنامي بسبب الفتور الأسري .
المنازعات تكشف زيادته وسلبياته
تدخل الأهل بداية خروج الاستقرار
كشفت دراسة ميدانية أجرتها مؤسسة صندوق الزواج أن تدخل أهل الزوجين لعب دوراً كبيراً في تصدع الحياة الزوجية، وبلغت نسبة المتأثرين بتدخل الأهل 59% للمطلقين و46% للمطلقات، وأظهرت دراسة أخرى أعدتها د .موزة العبار الباحثة الاجتماعية بوزارة الشؤون الاجتماعية أن 5 .47% من العينة التي بلغ عددها 200 مطلق ومطلقة من مواطني الدولة، أشارت إلى أن تدخل أهل الزوج بشكل مباشر أو غير مباشر في الحياة الزوجية أحد أسباب الطلاق، و5 .52% أشاروا إلى أن أهل الزوج حاولوا منع الطلاق، وذلك قد يرجع إلى إدراكهم خطورة المشكلة وآثارها السلبية ليس على الزوجة فقط، بل على الزوج والأبناء والعائلة كلها . وبينت إحصائية أخرى من محاكم دبي أن 705 حالات طلاق سببها تدخل الأهل .
الأرقام تثير قلقاً حقيقياً، هل تغير موقف الأهل من مسألة الطلاق بين اليوم والأمس؟ وهل أصبح تدخلهم مبنياً على رغبتهم في تكييف بيت الزوجية حسب مزاجهم من دون النظر إلى مستقبل هذه الأسرة الصغيرة؟ وهل أصبح للأهل دور في تضخيم الخلاف بين الزوجين بدل الإسهام في انتزاع فتيل المشكلة؟ وهل مازال الزوجان يستشيران الأهل في قرار الانفصال؟
جاسم المكي، رئيس قسم الإصلاح والتوجيه الأسري في دائرة محاكم رأس الخيمة، أشار إلى أن زيادة تدخل أهل الزوجين في عدد من حالات الخلافات الزوجية الواردة للقسم بشكل لافت مؤخرًا، وضلوعهم في الكثير منها في عدم عقد التصالح بين الزوجين المتنازعين .
ويقول: ضغوط أقارب الزوجين المتنازعين، إضافة للمحيطين بهما من الأقارب والأصدقاء والزملاء في العمل، حالت دون الاتفاق والتصالح بين الكثير من الأزواج الذين يتقدمون للقسم لإصلاح ذات البين، إذ تعمل ضغوط المحيطين بهما أحياناً على إفشال عقد التصالح الموقع من قبلهما في القسم، ومن ثم إيقاع الطلاق في مراحل التقاضي المتقدمة لدى دائرة الأحوال الشخصية . ويشير إلى ارتفاع حالات التدخل المسجلة إلى 19 حالة .
ويلفت إلى أن الثقافة الزوجية لها دور كبير بالنسبة لحديثي الزواج، إضافة إلى أن التقنية لها دور كبير في إيقاع كثير من الأسر، حتى بالنسبة للذين تجاوزوا الاربعين والخمسين، حيث وقعوا في شباك التقنية، من خلال استخدامها بطريقة خاطئة . ويقول: من الأسباب الأخرى المباهاة، على سبيل المثال، فهناك بعض الزوجات يردن العيش بنفس مستوى العيش في منزل والدها، وتطالب الزوج ببيت كبير وسيارة فارهة، والأسفار الكثيرة، وقد يكون الزوج محدود الامكانات، وبالتالي هذه المطالب تؤثر في حياتهما الزوجية وقد تؤدي للطلاق، إضافة إلى التدخل الخارجي في الحياة الأسرية، سواء من قبل الوالدين أو الأصدقاء أو الأقارب، وإفشاء الأسرار الزوجية، والشك، والخيانة الزوجية الموجودة بنسبة أكبر بين الذكور، واعتماد الزوج على راتب المرأة، وقضاء وقت طويل مع الأصدقاء سواء من جانب الزوجات أم الأزواج، وإدمان المسلسلات التركية .
ويضيف بعض المتزوجين حديثاً يقعون في فخ الخلافات الزوجية لأتفه الأسباب، ولا شك ان المسؤولية تقع هنا على عاتق أسرتي طرفي العلاقة أي الزوج والزوجة لأن الاسترتين لم تنقلا خبراتهما إلى الأبناء بصورة يستطيعون معها تجنب المشكلات والتغلب عليها بالصورة التي تضمن استقرار حياة هؤلاء الأبناء الأسرية .
ويشير الى أن الإناث هم الأكثر طلباً للطلاق، لأنهن اللاتي يعايشن الضرر . لافتاً إلى أن نسب الطلاق تزيد بين الشباب من 20 الى 30 سنة، وأن المصلحيين الأسريين يبذلون قصارى جهدهم لتقليل حالات الطلاق، والمحافظة على التماسك الأسري، ويكون ذلك بالنصائح والتوجيهات والأشرطة والحملات التوعوية .
دور الأهل عظيم في حل مشكلات الزوجين، هذا ما أشار إليه حمد عبدالوهاب محام ويقول: الأهل لهم دور كبير في تخفيف حدة الخلاف بين الزوجين، ولهم دور في تعقيد المشكلات وتضخيمها فهناك أسر لا تعرف قيمة عقد الزواج، وبشكل عام دور الأهل اختلف بين اليوم والأمس، وعلى الأسر أن يكون لديها الثقافة التامة في كيفية التعامل مع الزوجين، والنظر للمشكلات من منظور آخر، والابتعاد عن التفكير في سفاسف الأمور .
و يشير إلى أن أغلب الذين يتدخلون في حل المشكلات الزوجية هم إخوة الزوجة، وقد لا يملكون الخبرة الحياتية في التصرف السليم وليس لديهم الوعي الكافي إضافة إلى اندفاعهم في اتخاذ القرار، وذلك بسبب انشغال الأب عن مرافقة ابنته وعدم اعطائه الموضوع أهمية كبيرة . ويؤكد أن الأجدر بالتدخل وحل المشكلة هو الأب كونه يملك الخبرة وبعد نظر ولديه القدرة على التأني في اتخاذ القرار . موضحاً أن هناك فئة من الأهالي تشجع على الطلاق إذا وصلت المسألة لحد الضرب أكثر من مرة .
ويضيف: الأهل دورهم مهم، وهم سلاح ذو حدين، قد يدمرون الحياة الزوجية، وقد يسهموا في استمرارها حسب ثقافتهم، إضافة إلى الوازع الديني والعلم بالأحكام الشرعية . والمصلح الاجتماعي له دور كبير في معالجة المشكلة قبل وصولها للمحكمة، ولكن عليه أن ينفرد بالزوج كونه صاحب القوامة، ويعرفه بواجباته .
محمد سالم النقبي موجه تربوي، واستشاري أسري أشار إلى أن موقف الأهل اختلف كثيراً بين الأمس واليوم، إذ يوجد تحيز كبير منهم لأبنائهم حتى لو سببوا الضرر لأزواجهم . ويقول: يوجد مجموعة من الأهالي يشجعون على الطلاق لأسباب تافهة، ويتدخلون بشكل كبير في حياة أبنائهم، ولكن هناك فئة أخرى تتدخل في حياة الزوجين إذا تكرر الخطأ الكبير ووصل الزوجان إلى طريق مسدود، ويعتبر الطلاق في هذه الحالة هو الأفضل . ويلفت إلى أن هناك شريحتين من الأهالي، فمنهم من يسعى لحل المشكلات ويأخذ بأيدي الزوجين إلى بر الأمان، ومنهم من له دور في تعقيد المشكلات البسيطة وتعظيمها . ويضيف: الشاب اليوم مستعجل في اتخاذ قرارته، وهذا قد يؤدي الى زيادة نسب الطلاق، ولا يملك الوعي في مسألة اختيار الوقت والظرف المناسب لتدخل الأهل في مشاكله . وفي بعض الأوقات تكون الاستشارة من الخارج أفضل من استشارة الأهل .
عائشة الكندي مرشدة أسرية في إدارة مراكز التنمية الأسرية أشارت إلى أن موقف الأهل يتفاوت بين المؤيد والمعارض للطلاق، إذ إنه سابقاً كان ولي الأمر يستحيل أن يؤيد الطلاق حتى لو كانت الأسباب كبيرة، ويسعى هو أو شخص صاحب كلمة الى إيجاد ثغرات للإصلاح .
وتقول: اليوم ولي الأمر إذا توافرت أمامه الأسباب التي يراها من وجهة نظره كبيرة قد يشجع على الطلاق، وهناك أمهات يشجعن بناتهن على الطلاق لمجرد أن الزوج لم يحقق رغبة بسيطة لزوجته، وفي المقابل هناك أمهات يشجعن بناتهن على تحمل الزوج والسعي لتغيره وعدم الطلاق منه، وآباء لا يشجعون على الطلاق إلا في الحالات العظيمة، كعنف الزوج وتكراره لمرات عدة من دون الرغبة في التغير، أو إدمان الزوج للمخدرات، أو البخل الشديد، أو الخيانة الزوجية وتكرارها . وتؤكد أن حالات الطلاق لأسباب تافهة نادرة جداً .
وعن مدى استشارة الزوجين للأهل في مسألة الطلاق، تقول: نسبة كبيرة من الأزواج مازالوا يستشيرون الأهالي قبل اتخاذ قرار الطلاق، ويتعرقل بسبب رفض الأهل له، وهناك فئة من الأزواج يتخذون قرار الطلاق بأنفسهم .
وتؤكد أن تدخل الأهل للإصلاح يكون له أثر ايجابي في الزوجين، أما التدخل لنبش الأسرار وتضخيم المشكلة فسيكون له الأثر السلبي . وتشير إلى أن إفشاء الأسرار الزوجية للأهل يؤدي الى الطلاق، وأن هناك حالات أصر الزوج فيها على الانفصال لأن زوجته تخرج أسرار المنزل، والزوج أيضا أصبح ينقل مشكلاته الى أمه وإخوته، وهذا يؤدي الى تضخيم المشكلة، وتنتقل لأهل الزوجين ويأخذون موقفاً سلبياً من الطرف الآخر حتى مع حل المشكلة بين الزوجين .
أمل الزيودي باحثة نفسية في مركز التنمية الأسرية في دبا الحصن، أشارت إلى ان هناك تغيراً كبيراً في دور الأهل بشأن الطلاق . وتقول: سابقاً كنا نجد رفض الأهل والإخوة لحصول الطلاق وسعيهم الكبير للإصلاح، أما اليوم نجد هناك فئة كبيرة من الأهالي يشجعون على الطلاق وقد يكونون سبباً له، إضافة إلى ذلك هناك مجموعة من الأزواج يتخذون قرار الطلاق بمفردهم من دون مشاورة الأهل .
وترى أن الانفتاح له دور كبير في تغير موقف الأهل بالنسبة للطلاق، إضافة إلى الضغوط الكبيرة على الأزواج، وفقدان الشباب للصبر والمرونة ومهارة التعامل مع المشكلات . و توضح أن تدخل الأهل بين الزوجين قد يكون إيجابياً، إذا كانوا حياديين ويستمعون للطرفين ويقدمون المشورة والحلول الصحيحة للزوجين، وأنه لابد من وجود محكم من الأسرة لحل المشكلات . وتذكر أن الأثر السلبي لتدخل الأهل يتمثل في تضخيمهم للمشكلات وتعقيدها وتشجيعهم الزوجين على الطلاق لأسباب غير حقيقية .
عائشة الحويدي محاضرة ومشاركة في برنامج إعداد التابع لصندوق الزواج، أكدت أن السبب الرئيس للطلاق هو أن الزوجين غير مؤهلين للزواج من النواحي النفسية والاجتماعية والدينية والثقافية، موضحة أن بعض الشباب يدخلون تجربة الزواج وهم يجهلون كثيراً من الأحكام الخاصة به وحقوق وواجبات كل طرف . وتقول: موقف الأهل من الطلاق اختلف كثيراً عن السابق، فسابقاً نادراً ما كنا نسمع عن حالات الطلاق، أما اليوم فإنها كثرت بسبب استسهال الزوجين للموضوع، ولا بد من وجود دراسة عن الطلاق وطرح الحلول الحقيقية لهذه المشكلة . وتشير الى أن بعض الأزواج يحرصون على استشارة الأسر قبل اتخاذ قرار الانفصال، ويفضلون استشارة ذوي الاختصاص ومن يملك الخبرة والحكمة، وفي المقابل هناك من الازواج من يرفض الاستماع للآخرين ويتخذ قرار الانفصال من دون مشورة .
و أشار سالم . خ الى أن سبب انفصاله إثقال كاهله بالكماليات قبل الزواج . ويقول: بدأت حياتي الزوجية وانا مثقل بالديون، وذلك بسبب المبالغة في المهر والبذخ في التحضير للعرس بناء على طلب حماتي، وتدخلها المستمر في حياتنا الخاصة، وهذا الامر أوجد العديد من المشكلات بيني وزوجتي وأسرتها، وقررنا الانفصال بالتراضي من دون مشكلات، إذ لم يستمر زواجنا اكثر من خمسة أشهر .
أما ا . ر فكان سبب طلاقها عناد الأهل وتضخيمهم للمشكلات . وتقول: أصر أهلي على طلاقي بسبب خلاف بسيط نشب بينهم وأهل زوجي، وهو نقص الهدايا وبعض الكماليات البسيطة التي كانت من ضمن الزهبة والتي بالإمكان توفيرها في أي وقت بعد الزواج، ولكن أهلي وجدوا أن ذلك انتقاص في حقي، وزاد الخلاف الى أن وصل لمرحلة العناد وتم الطلاق . وتشير إلى أن بعض الأهالي لهم دور سلبي في حياة أبنائهم، ويكونوا سبباً لتدمير حياتهم الأسرية .
و يشير ه . محمد إلى أن حماته أصرت على الطلاق، لأنه لم يشتر سيارة جديدة لزوجته . ويقول: تدخل والدة طليقتي في حياتي كان له الأثر السلبي في حياتي، فبإصرارها على التدخل المستمر وطلبها لكماليات لا داعي لها، وعدم تقديرها لوضعي المادي، جعلني أقدم على الطلاق، في الشهور الأولى من زواجنا .
و يشير جاسم . ح أن للأهل دوراً كبيراً في الاصلاح بين الزوجين عند الخلافات الكبيرة . ويقول: تدخل اهلي في حياتي الزوجية كان إيجابياً، إذ زادت المشكلات بيننا ولم نستطع التفاهم والحوار، وتركت زوجتي المنزل، وتدخل اهلي واهلها في الموضوع لحل الخلاف بيننا قبل الوصول للمحكمة، ولكني رفضت الاستماع اليهم، وقررت الانفصال، ولكن من اجل والدي استمعت لنصائحهم وتوجيهاتهم، واستطاعوا حل الخلاف .
توضح فاطمة . ف أن سبب طلاقها تدخل حماتها في حياتها بشكل مستمر . وتقول: أسكن في ملحق بمنزل والد زوجي، وكانت حياتي مستقرة في البداية، ولكن بعد التحاقي بالعمل وترك أبنائي في المنزل، بدأت المشكلات تزيد، وأصبحت حماتي تتدخل في حياتي بشكل كبير، وتتدخل في طريقة تربيتي لأبنائي، وهذا الأمر أوجد مشكلات كبيرة بيني وبين زوجي، ووصلت لحد الضرب والشتم، لذا قررت الانفصال .
الكاميرا هدمت أسرة
لكل راغب في الطلاق حجته، لكن البعض مع الوقت يتراجع عن الفكرة ويبذل مجهوداً لتغيير نفسه أو شريكه وتستمر الحياة .
طلبت ه . ع الطلاق من زوجها لتقصيره، حسب قولها، في مسؤولياته الأسرية، وسوء العشرة، والكلام الجارح، وضعف الوازع الديني لديه، رغم أن زواجها استمر لمدة عشر سنوات . وتقول: المسؤولية بالكامل كانت ملقاة على عاتقي، وتحدثت معه مراراً لمعالجة الموضوع، وكان يرفع صوته ويخرج من المنزل، وبعد لجوئي للمحاكم لطلب الطلاق، وجلوس المحامي مع زوجي ومحادثته وتوعيته، وجدت أنه تغير كثيرًا ورفض الطلاق، وبالفعل استمرت حياتنا ولكن بطريقة أفضل من السابق .
وتشير س . ل إلى أن سبب طلاقها هو الكاميرا . وتقول: كثيرا ما كنت استخدم الكاميرا خلال تواصلي مع زميلاتي على الانترنت، وهذا الأمر كان مرفوضا من قبل زوجي، وطال النقاش بيننا في هذا الموضوع، ولم أستمع له، ووقع الطلاق بيننا .
وتؤكد أن التقنيات الحديثة لها دور كبير في زيادة نسب الطلاق بين الزوجين، لأن أغلب الأزواج يرفضون استخدام المرأة لها ويبيحون ذلك لأنفسهم .
وأشارت حصة . ع إلى أن الذي دفعها لطلب الطلاق هو خيانة زوجها رغم أن زواجهما استمر أكثر من 8 سنوات، إضافة إلى تحملها لضغوط المنزل والاهتمام الكامل بالأطفال .
وتقول: تنازلت عن جميع حقوقي من أجل الحصول على الطلاق، ونلت ما أردته ولست نادمة، لأن زوجي لم يكن له دور أساسي في حياتي، سوى أني كنت أعيش في دوامة الخيانات والخلافات .
وطلبت ي . ف الطلاق من زوجها بعد أن أصر على الزواج من ثانية، ووصلت القضية للمحاكم، ولكن دور المصلحين الاجتماعيين كان كبيراً .
وتقول عن ذلك: خضعت لدورات عديدة تعيد ثقتي بنفسي، وأسفر ذلك عن تغير جذري لشكلي الخارجي وشخصيتي وكيفية تعاملي مع الآخرين، ولاحظ زوجي التغير الكبير الذي حصل لي، وبالفعل لم يتزوج وفسخ عقد قرانه من الثانية، واستمر زواجنا، وأدركت أني كنت السبب في قرار زوجي بالزواج من أخرى .
وأصرت ه . م على الطلاق بعد أن شعرت أن الرجل الذي عقد قرانها عليه غير طبيعي ويتمتع بقدرات عقلية أقل من عمره رغم أنه صاحب مال . وتقول: لجأت للاستشارة الأسرية، وكنت مخيرة بين أن أستمر معه وأتولى مسؤولية كل شيء، أو أفسخ العقد، وقررت الانفصال لأني لم أتحمل الوضع .
الطلاق العاطفي مشاعر معلقة
ظاهرة الطلاق في المجتمع الإماراتي لم تعد مقتصرة على حديثي الزواج، بل تعدتها إلى الأزواج القدامى، ولم تعد تعني الانفصال النهائي، بل هناك الانفصال الصوري والنفسي أو ما يسمى الطلاق العاطفي الذي يعتبر بداية للفعلي .
وهناك أرقام وقصص عدة في أروقة المحاكم لزوجات أو أزواج استمرت حياتهم الزوجية لسنوات في ظل الطلاق العاطفي، ولكن بالنهاية لم يحتمل أحد الطرفين وقرر الطلاق، وتشير الأرقام الصادرة من محاكم دبي إلى أن هناك 856 حالة من الهجر غير مبرر، و4278 من ضعف الانسجام، و745 حالة خيانة تعتبر سبباً للطلاق العاطفي، و1616 حالة من ضعف لغة الحوار، وتختلف وتتعدد الأسباب التي تكون بداية لحدوث الطلاق العاطفي بين الزوجين .
اميرة المرزوقي مرشدة نفسية في مراكز التنمية الأسرية التابع للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة، تقول: توجد أشكال للطلاق العاطفي، كانعدام العواطف أو الحوار بين الزوجين، وكل طرف يعيش حياته بحرية وباستقلال تام، وهذا النوع من الانفصال العاطفي له تأثير سلبي في جميع الأطراف في الأسرة، سواء الزوجين أم الأبناء وحتى أهل الزوجين .
وعن أثر ذلك في الأبناء، تقول: هم بحاجة إلى عاطفة، وبهذه الحياة سيفقدون العاطفة والاستقرار، وسيتغير مفهومهم للأسرة والحب والعطاء، حيث إن الأبناء اليوم يعون الخلافات الموجودة بين والديهم، ويؤثر هذا الأمر في سلوكياتهم بشكل سلبي، والزوجة عند حدوث الطلاق العاطفي تصبح نفسيتها سيئة وقد لا تعتني بأبنائها بشكل جيد . وتشير إلى أن المرأة كونها أضعف تتأثر بالطلاق العاطفي بشكل أكبر، وقد يؤدي إلى أمراض نفسية جسدية، والزوج قد يلجأ إلى العالم الخارجي خاصة إذا كان الوازع الديني لديه ضعيفاً، وتبدأ الخيانات الزوجية . وتؤكد أن حالات الطلاق العاطفي أصبحت كثيرة مقارنة بالسابق .
وعن طرق حل الطلاق العاطفي تقول: يجب اعتراف الطرفين بالخطأ، والابتعاد عن العناد، وتقبل الرجل للعلاج من الموجهين الأسريين، ودورنا يتمثل في الاستماع للطرف المتضرر وعقد جلسات تفريغ، ومتابعة الموضوع مع الأطراف التي لها علاقة به بسرية تامة، وعقد جلسات فردية لكلا الطرفين وتحديد المشكلة ووضع الحلول، وبعدها نعقد جلسات نجمع الطرفين لوضع بنود يتراضيان عليها .
وتشير إلى أنه سابقاً كانت أغلب الأسر ترفض تدخل الجهات الخارجية في حل المشكلات، ولكن بعد التوعية ونشر ثقافة الإرشاد الأسري، أصبحت الأسر المواطنة تتقبل الفكرة وتلجأ للإرشاد الأسري لحل مشكلاتها . وتلفت إلى أنه في اليوم الواحد ترد إليهن 4 إلى 7 حالات، سواء عن طريق الهاتف أو اللقاء المباشر . مشيرة الى أن الطلاق العاطفي يبدأ بعد مرور 5 سنوات وأكثر على الزواج في أغلب الحالات .
د . أحمد الشيبة، رئيس مركز الخليج العربي للاستشارات، يقول: الطلاق العاطفي يبدأ بعدم التفاعل مع أحاسيس الطرف الآخر، وعدم المبالاة، وفقدان الكلمات الشاعرية والحب، وتنتهي بشعور الطرف الآخر بالعزلة، وذلك ربما يرجع عند البعض إلى التربية والبيئة التي نشأ بها، وبالتالي لا يعلم كيف يعبر عن مشاعره ويتعامل مع مشاعر الطرف الآخر، وفقدان الزوجين لمهارة حل المشكلات، وبالتالي تتراكم المشاكل وتستمر فلا يتحدثان لفترة طويلة وتبدأ العزلة العاطفية .
وعن آثار الطلاق العاطفي، يقول: أبرزها الأثر النفسي، فعندما يشعر أحد الطرفين بأنه غير مرغوب من الآخر يصيبه ضعف تقدير الذات ويصل الى التحطيم النفسي، وإشكاليات كبيرة تحدث قد تصل إلى مرحلة الخيانة الزوجية، والبحث عن عاطفة من أشخاص آخرين، أما الآثار الاجتماعية فهي تنشئة الأبناء على هذا المفهوم والثقافة وطريقة تعامل الوالدين باعتبارها الصورة الصحيحة لعلاقة الزوجين، الأمر الآخر تعطل الكثير من المصالح في المنزل لأن الأسرة قائمة على عملية التعاون وبالتالي الحاجز الموجود بين الزوجين يؤدي الى تعطل المهام المنزلية، وتوتر المنزل بشكل كبير .
وعن أسباب الطلاق العاطفي، يقول الشيبة: الإعلام الساقط وخاصة المسلسلات الخليجية الفاشلة التي تضع الأسرة في دائرة السوء وجعل الناس تشك ببعضها بعضاً، والمسلسلات التركية التي تتبع أسلوب الخيال العاطفي، والقنوات التي تستعين بمثل هذه المسلسلات التي تنشر الرذيلة وتعيش الأسر بأوهام تؤدي الى الطلاق العاطفي، فلابد من السيطرة على الإعلام الفاسد لتصلح الأسرة، ونتمنى طرح برامج ومسلسلات لها دور في توجيه الأسر وإصلاحها . و يشير إلى ضرورة تثقيف الزوجين بكيفية حل المشكلات وفنون التعامل معها، ونشر ثقافة الإرشاد الأسري .
عمر محمد داوود، واعظ في دائرة الشؤون الإسلامية، ومحكم أسري في قضايا الخلافات الزوجية، يقول: المودة والرحمة عنصران أساسيان في الحياة الزوجية، وسبب لاستمرارها، وركن أساسي لتكوين الأسرة، وإذا انعدمت المودة والرحمة بين الزوجين تتحول الأسرة إلى جحيم لا يطاق، ويحدث الطلاق العاطفي، وهذا النوع من الطلاق له أسباب عدة منها عدم تقبل الطرف الأول للآخر، واختلاف البيئة ما يؤدي الى النفور، وعدم تنازل الزوجين، وعدم فهم النفسيات، والابتعاد عن الدين، وتفاقم المشكلات وتركها من دون حلول لفترة طويلة . والعلاقات السابقة لها دور في الطلاق العاطفي عند مقارنة الزوج زوجته بالفتاة التي كان يعرفها فيبدأ النفور من الزوجة، إضافة إلى الخيانة .
و يشير الى أن الحياة قد تستمر مع الطلاق العاطفي، ولكن ذلك على حساب أعصاب الزوجة، ونفسية الأبناء التي ستتضرر بشكل كبير بالعيش في وسط أسرة مفككة داخلياً .
محمد كحلة، باحث قانون، أشار إلى أن الطلاق العاطفي هو انفصال وجداني ونفسي يقع بين الزوجين، وينشأ عن ذلك بعد كل منهما عن الآخر في أغلب أمور الحياة اليومية، وغياب روح التوافق على قواسم مشتركة بينهما في المسائل المصيرية المتعلقة بالتصرف والبرمجة والتربية وبناء العلاقات .
وعن أسبابه، يقول: منها انعدام التوافق بين الزوجين، وانعدام الحوار بينهم، وعدم تفهم الزوجين لطبيعة بعضهما بعضاً، إضافة إلى العناد وغياب التسامح بينهما، وتراكم المشكلات من دون وضع حلول حقيقية . وبعض الأزواج يختارون هذا النوع من العلاقة كغطاء اجتماعي لإخفاء مشكلات الأسرة والحفاظ على خصوصيتها أمام الآخرين .
و تشير ح . ر إلى أن طلاقها العاطفي مع زوجها أثر بشكل كبير في ابنها . وعن ذلك تقول: بسبب خيانة زوجي قررت الانفصال عنه بشكل صوري، وكل منا له حياته الخاصة ولكن أمام الناس والأبناء مازلنا زوجين، واستمرت الحال لمدة سنة كاملة، وتراجع مستوى ابني في المدرسة وبدأ يمارس سلوكيات خاطئة وكنت لا أعلم بذلك، وتدخلت إحدى الجهات لحل مشكلة ابني وبدأوا بالتواصل معي، وبعدها أدركت أن مشكلة ابني بسبب معرفته ما يدور وبخيانة أبيه، وبدأت الجهة تحاول الإصلاح بيننا ولكني كنت رافضة للصلح، ولكن بعد الجلسات العديدة لي وتغير طريقة تفكيري، وترك زوجي الخيانات ومن أجل ابني رجعت حياتي الأسرية مستقرة .
و تشير خ . س إلى أن علاقتها العاطفية مع زوجها منقطعة بشكل تام، وحدث ذلك بشكل تدريجي . وتقول: بدأت أشعر بالفتور في علاقتنا منذ أن بدأ زوجي يجلس لساعات طويلة على الانترنت، حيث أصبح مهملاً لكل واجباته الأسرية، وأدركت أن لديه علاقات أخرى في العالم الافتراضي، وواجهته ولكنه لم يعترف ووصف علاقاته بمجرد تواصل اجتماعي، والكل في وقتنا الحالي لديه صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ولديه أصدقاء كثر . وتشير إلى أن الفتور العاطفي مستمر بينهما منذ خمسة أشهر .
وأشار س . ك إلى أنه لا توجد علاقة عاطفية بينه وبين زوجته . وعن ذلك، يقول: بدأت علاقتنا بالفتور بعد أن مر على زواجنا 5 سنوت، إذ أصبحت كثيرة الاهتمام بالأبناء واهمالي بشكل كبير، ولا الومها على ذلك، لأن الاهتمام بالاطفال يتطلب وقتاً طويلاً وجهدًا كبيراً خاصة، وكثيراً ما تحدثنا في هذا الموضوع، ولكن للأسف من دون نتيجة .
و تؤكد ر . س أن سبب الانفصال العاطفي بينها وبين زوجها هو رتابة الحياة الزوجية . وتقول: بعد مرور سنوات على زواجنا وتزايد المسؤوليات علينا بدأت حياتنا العاطفية يسودها الصمت العاطفي، إضافة إلى ذلك فإن لغة الحوار مفقودة بيني وبين زوجي، وأدى ذلك لتراكم المشكلات وفتور العلاقة العاطفية .