كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، هذا توجيه نبوي معروف، لكن الرعاية أو الوصاية ليست في تأمين المأكل والمشرب، أو نفقات الحياة الكريمة للأبناء فقط . لكنها نهر متدفق من الحنان والقيم والمبادئ، وتفهم احتياجات، واعتماد لغة الحوار في حل المشكلات التي قد تصادفهم في طريقهم للوصول إلى بر الأمان . وبين المأمول والواقع، أسر تجهل مفهوم الوصاية وأبناء يعانون العنف من أقرب الناس إليهم . فمن بين الآباء من يدمن المخدرات والكحول، ومنهم من يتحرش بأبنائه . والبعض يجبر أبناءه على الخروج للشارع، ليكونوا فريسة سهلة لرفاق السوء، بعد حصص من الضرب المبرح . الأمر دفع حكومات العالم، عبر منظمات حقوق الطفل ورعاية الأحداث إلى التدخل لسن القوانين التي تحمي الأبناء من إهمال وعنف الآباء . والتي قد تصل لسحب الوصاية من الآباء غير المدركين لمسؤولية ومفهوم الأبوة، وإسناد تربيتهم إلى دور للرعاية أو أسر بديلة .

تمكن القضاء من سحبها من ولي الأمر

تعديلات قانونية تهدد وصاية الآباء المهملين

سنت العديد من حكومات العالم ومنظمات حقوق الطفل، مجموعة من القوانين التي تكفل له حقوقه في المأكل والمشرب، والتعليم، إضافة إلى السكن الآمن البعيد عن أوجه ومخاطر العنف المختلفة، سواء كان مصدرها غير مباشر بإهمال الأهل وانشغالهم، أو بشكل مباشر يتسببون فيه عن طريق الضرب والتعذيب .

وعلى خطى الدول الرائدة في مجال حقوق الطفل، أمر مجلس الوزراء بتعديل قانون الأحداث، وهو ما تعكف على إعداده وزارة الشؤون بالتعاون مع وزارتي الداخلية والعدل وشرطة دبي . ومن المنتظر أن يتضمن القانون المعدل 98 بنداً أبرزها بند يسمح للقاضي بأن يسحب الوصاية من الأب إذا كان سبباً رئيساً في انحراف ابنه، أو تعرضه لأذى أو التعذيب أو اقتراف سلوكيات منافية للمجتمع .

يقول حسين الشيخ، الوكيل المساعد لشؤون الرعاية الاجتماعية، بوزارة الشؤون الاجتماعية: مادة رفع الوصاية عن الآباء الذين ارتكب أبناؤهم سلوكيات منافية للمجتمع، موجودة في قانون الأحداث المعمول به حالياً، حيث يأمر القاضي بإيداع الأبناء إحدى دور الرعاية الاجتماعية التابعة للوزارة لحين زوال أسباب الإيداع، وترفع الدار تقريراً لنفس المحكمة المحول منها، عن حالة الأبناء وما وصلوا إليه من تقدم أو إخفاق . وهو ما يتيح للقاضي الحكم إما باستمرار أو عودة الأبناء إلى بيوتهم . أما في التعديلات القادمة للقانون، فإن الوزارة بصدد إنشاء دور تربوية لها برامجها الخاصة، من حيث وسائلها والقائمين عليها . وهي تختلف عن دور رعاية الأحداث الأخرى . وعن الآباء الذين يصفهم المشرع في التعديلات يضيف، يرفع القاضي الوصاية عن الآباء الذين يتعرضون لسلامة الطفل بأي شكل من الأشكال، ويدفعونه إلى الجنوح أو ارتكاب سلوكيات منافية للمجتمع .

ويشير الشيخ إلى أن عدم أهلية الآباء من الأمور التي تدفع القاضي إلى إقرار سحب وصاية الأب عن أبنائه، في حال كان مدمناً للمخدرات أو سكيراً أو يشكل تهديداً لسلامة أبنائه . كما أن حالات التفكك الأسري وضياع الأبناء بين الأب والأم، تدفع المحكمة لإسقاط الوصاية عنهم .

وعن الوصي البديل على الأبناء يقول: قد توكل المحكمة مهمة تربية الأبناء لأسرة بديلة من نفس العائلة، وإن تعذر ذلك، فإن الدولة تتدخل في شكل دور رعاية، بها متخصصون تربويون وبرامج مؤهلة لإتمام تربية هؤلاء الأبناء .

ويوضح حسين صالح الشواب، مدير إدارة الحماية الاجتماعية بوزارة الشؤون الاجتماعية، أن وصاية الأهل على الأبناء ليست في توفير الإمكانيات المادية اللازمة ليعيشوا حياة كريمة فقط، لكنها تشمل جوانب عديدة، أهمها أن يتفهم الأهل رغبات وتطلعات أبنائهم، إضافة إلى حقهم في توفير جو عائلي مناسب، يضمن أن يخرجوا مؤهلين للانخراط في المجتمع .

ويضيف: أهم أسباب سحب الوصاية من الأب أو ولي الأمر، هو جنوح الأبناء وخروجهم عن السلوكيات القويمة المتعارف عليها في المجتمع . فكثير من الأفعال المنحرفة التي يقوم بها أطفال أو شباب جانحون، نتيجة أسر مفككة أو بها ولي أمر غير متحمل لمسؤولية الأبناء، وغير مقدر لمعنى الأبوة .

ويضيف: يبحث تعديل القانون عن آلية جديدة لرعاية الأطفال المرفوع عنهم الوصاية لأسباب لا تعود إلى قضايا جنائية، كمثل التي ترتكب من قبل الأحداث الذين تودعهم المحكمة إحدى دور الرعاية الاجتماعية، حيث يقضي الأبناء عدة أشهر لتعديل سلوكهم . والمحرج في الأمر أن هناك من بين الأطفال من يقضون فترات التأهيل داخل الدور، وتتحسن بالفعل سلوكياتهم، ويرفض الأهل استلامهم من الدار، وهو ما يبحث تعديل القانون فيه عن بدائل، تؤمن لهم التعليم والرعاية حتى الاعتماد على النفس .

وفي تعليقه على تعديلات القانون، يقول د . محمد مراد، أمين سر جمعية توعية ورعاية الأحداث: إن تعديل القانون خطوة مهمة على طريق وضع الأهل أمام مسؤولياتهم تجاه الأبناء . شريطة أن لا يستغل في الخلافات بين الزوجين، ويدعي طرف عدم أهلية الآخر لرعاية الأبناء .

ويشير إلى أن السلوكيات الخاطئة للآباء تنعكس بشكل كبير على الأبناء . فالأب المدمن الذي يبيع كل ما حوله ليحصل على المخدر، غير أهل لتربية أبنائه، وغير قادر على تخريج عناصر فاعلة يرضى عنها المجتمع . وفي هذه الحالة، من مصلحة الأبناء أن تسند تربيتهم إلى أسر بديلة، يفضل أن تكون من أقاربهم حتى يضمن لهم تربية سليمة وصالحة .

ويضيف: تعديلات القانون تحد من السلوكيات الجانحة للأبناء، والتي تأتي نتيجة لعدم تحمل الآباء مسؤولياتهم تجاههم .

وعن ماهية الوصاية بالنسبة له، يقول: الوصاية ليست كلمة تقال فحسب لكنها مجموعة من الأصول التي فرضت على الآباء تجاه أبنائهم . وهي ليست كما يفهم البعض مسؤولية مادية فقط، يتحول فيها الأب إلى حافظة نقود، تصرف وتوفر الاحتياجات المادية فحسب، بل إن لها جانباً وجدانياً وعاطفياً يأتي في المرتبة الأولى قبل المادة . فالأب هو الملهم ومصدر تكون الشخصية لأبنائه، وعليه دور كبير في إكساب أفضل الخصال، كما يسند له تعديل وتقويم السلوكيات الخاطئة لهم . ويشير إلى افتقاد الكثير من الأسر لعنصر مهم من عناصر التربية السليمة، وهو الحوار الذي من خلاله يتعرف الأب على اتجاهات الأبناء ويدعم الطيب منها، فالكثير من الأبناء يعيشون في بيوت لا تعتمد لغة الحوار، ونادراً ما تجد من بين الآباء من يعود من عمله لديه نيه الجلوس مع أبنائه ويتحاور معهم .

ويتفق معه المستشار محمد رستم، رئيس نيابة الأسرة والأحداث بدبي، في أن السلوكيات الجانحة وما تطالعنا به الصحف من أحداث يقوم بها أطفال أو شباب فاقدون للرعاية والتوجيه، سببها المباشر والرئيس غياب دور الأسرة، ومسؤولية الأب أو ولي الأمر .

ويقول الأسرة، وإن ساعدتها المدرسة، على تربية الأبناء، مسؤولة عن إكساب الأبناء السلوكيات الحسنة، وتشربهم المبادئ والقيم والأخلاق الجيدة، وهو ما لا يدرك في حال تواجد بالأسرة أب غير أهل للمسؤولية ولا الثقة في تربية الأبناء .ويضيف رستم: وظيفة الأب ليست أن يدفع للأبناء تكاليف معيشتهم، ويقضي في الخارج وقتاً أكثر ما يقضيه معهم، حتى ولو كان ذلك لقاء تأمين العيش الكريم لهم، فمن الواجب عليه الوقوف على ما وصل إليه الأبناء في التعليم ومتابعة سلوكياتهم وتطورها .

وليس واجب الأم أن تطبخ، وتهتم بشؤون بيتها الملموسة على حساب تربية الأبناء، فمهمتها في غياب الأب قد تتضاعف في معرفة أين يذهب الأبناء ومع من يقضون أوقاتهم خارج المنزل .

ويشير إلى أننا نعيش اليوم عصر انفتاح معلوماتي وتقني متطور، يفرض على ولي الأمر أن يكون لديه هامش من الثقافة التربوية، التي بها يمنح أبناءه الحرية المسؤولة، في اختيار أسلوب ومنهج حياتهم، ومجالهم التعليمي أو هواياتهم أو حتى الرياضة التي يمارسونها . وهو ما يختلف كلياً عن ما تربت عليه الأجيال الماضية التي تربت على السمع والطاعة، بينما طفل اليوم يسأل: لماذا؟ ويريد أن يفهم، وإذا وقف الأب من دون إجابة مقنعة عن ما سأل أو أراد معرفته، فأنه يكون فريسة سهلة لمن يعطيه معلومة مغلوطة، تبعد عن أسلوب ونهج وأخلاق الأسرة والمجتمع .

وتقول عائشة الحوسني الأخصائية الاجتماعية بدار الرعاية الاجتماعية بالشارقة، إن وصاية الأهل على الأبناء تعني أن تكون الأسرة على قدر كبير من المسؤولية، التي تمكنها من تربيتهم بطريقة سليمة تعتمد تفهم رغباتهم ولغة الحوار، للوصول إلى حد من التفاهم والإقناع بين ولي المر والأبناء، مشيرة إلى أن ما يحدث من مظاهر انحراف وجنوح الأبناء، أساسه غياب دور الأسرة، وانعدام لغة الحوار بين أفرادها .

وتضيف: هناك من بين الآباء غير المتفهم لطبيعة المراحل العمرية للأبناء، ومتطلبات كل مرحلة من مراحل النمو، لاسيما المراهقة التي تتبلور فيها شخصية الابن أو الابنة، ويكونا بحاجة إلى أب وأم على درجة عالية من الفهم والوعي، لتوفير جو عائلي تنمو فيه المشاعر والقدرات .

وفي حال عدم توافر هذا الجو، يخرج المراهق الذي يكون في طور تكون الشخصية، من كنف الأسرة إلى من يتلقفه من رفاق السوء، ويكون لقمة سائغة في فم كل من يدلو بدلوه في إكسابه سلوكيات خاطئة .

للطرفين حقوق

حول مفهوم الوصاية في الإسلام ومسؤوليات الأسرة تجاه أبنائها، يقول د . محمد ابراهيم المشهداني، أستاذ أصول الدين بكلية الدراسات الإسلامية بدبي: ديننا الحنيف أمرنا بالعناية والاهتمام الكامل بتربية الأبناء، وأن نؤمن لهم سبل العيش الكريم في كنف أسرة تقدر معنى المبادئ السمحة للدين، وتتفهم احتياجات الأبناء ومتطلباتهم في العيش بكرامة .

ويستدل بالرواية الثابتة عن عمر بن الخطاب، الذي ذهب إليه أب يشكو أحد أبنائه، فظل عمر يخطب في الناس عن حقوق الوالدين وأهمية دورهما في الحياة، ومخاطر عقوقهما . وأمر بأن يأتوا له بالابن الذي شكاه والده . وعندما حضر الابن بين يد عمر، رضى الله عنه قال له: أعلم أن للأباء حقوقاً على الأبناء، لكن ما هي حقوق الأب على ابنه؟ فقال عمر: أن يحسن اختيار أمه، وأن يحسن اختيار اسمه، وأن يعلمه كتاب الله .

هنا أجاب الابن: أبي لم يفعل شيئاً من هذا، فأمي زنجية، وأسماني جعل، ولم يعلمني حرفاً من كتاب الله .

* * *

يتركهم الآباء لرفاق السوء

جنوح الصغار إدانة للأسرة

قضية جنوح الأبناء وخروجهم عن المسار الصحيح للأخلاق والقيم، من القضايا التي تفتك بأي مجتمع، وتنال من قدرة شبابه على بناء مستقبل واعد وسليم . وتعتبر الأسرة أهم الحصون المنيعة التي تمنع وتقوم تلك السلوكيات وتئدها في مهدها، لكن في حال غياب دور الأبوين وعدم تفهمهما لأصول التربية القويمة يفتح للأبناء باب على السراديب المظلمة، التي يعيش فيها رفاق السوء ليكتشف الأبناء سلوكيات العنف والإضرار بالصالح العام . ومن بين الأسباب التي تدفع الشباب للجنوح بحسب المتخصصين، العنف الزائد واستخدام القسوة من قبل الآباء في تربية الأبناء والتدليل الزائد، الذي يفقد الأبناء الشعور بالمسؤولية ويغمرهم بمشاعر الاستهتار والاستخفاف بالمحيطين . كما يعد عدم أهلية الأهل لتربية الأبناء مشكلة كبيرة تواجه المجتمع، لأن الأب السكير أو مدمن الخمر، غالباً ما يخلف وراءه أبناء جانحين .

تقول أمل بن جرش، مديرة دار الرعاية الاجتماعية بالشارقة: ما يتسبب فيه الأبناء من جرائم وسلوكيات مزعجة للغير، نتيجة مباشرة لغياب دور الأسرة أو الوصاية على الأبناء . فمن واجب الأسرة أن توفر لأبنائها التعليم والرعاية والاهتمام، وإكسابهم المناعة الاجتماعية التي تمكنهم من التصدي للسلوكيات الخاطئة .

وعن الأسباب التي تراها مؤدية إلى جنوح الأبناء تضيف: التفكك الأسري أهم الأسباب التي تؤدي بالأبناء للانفلات والخروج عن السياق التربوي والاجتماعي، فالأب المزواج الذي لا يراعي متطلبات أبنائه ويكتفي فقط بالهاتف للاطمئنان على أبنائه، يرتكب جريمة في حق نفسه وحق أسرته . وهناك التفكك الأسري وحالات الطلاق، التي يقع بسببها الأبناء في حيرة وشد وجذب بين الأب والأم وخلافاتهما المتكررة .

وتشير ابن جرش إلى أن العنف الأسري أحد أهم الأسباب التي تحول البيت إلى مكان محمل بالعدوانية يتخرج منه أبناء الشوارع، فمن بين الآباء من يعتمد الضرب أسلوبه الأوحد في التربية، متناسياً لغة الحوار والتقارب بينه وبين أبنائه وان العنف لا يولد إلا عنفاً وأبناء غير أسوياء سلوكياً .

وقد يكتسب الأبناء العنف بشكل غير مباشر، من خلال تعامل الأب مع أمهم، حيث يضربها وينهرها ويتعدى عليها باللفظ أمامهم .

وتشير مريم السلمان، مديرة دار الفتيات في الشارقة إلى أنها كانت تسمع عن عنف الآباء ضد الأبناء، لكنها لم تتوقع مستوى العنف الذي صادفته في حالة طفلة تعرضت لعنف شديد من قبل الأب، متعجبة من رد فعل الأب الذي كان على الرغم مما تعانيه ابنته من إصابات، فخوراً بذلك .

ومن بين الأباء من يترك لأبنائه الكبار تربية أبنائه الأصغر، وهو ما يعطيهم رخصة لضرب الصغار، وتعويدهم على العنف منذ الصغر .

وتضيف: ما يقوم به الآباء من عنف تجاه أبنائهم، يترك آثاراً نفسية أعمق من الجسدية، ويورث في نفوس الشباب عنفاً مكتسباً، ويأخذ الكثير من جهود المتخصصين حتى تزال آثاره .

وتوضح السلمان، أن النزلاء في الدور الاجتماعية يأتون من مصدرين: الأول هو المحكمة، بعد أن يرى القاضي أن السلوك الذي أتاه الشباب أو الفتاة، مناف للقوانين والأعراف داخل المجتمع . ومن ثم يأمر بأن يودع الابن داخل الدار لحين تحسن سلوكه، وخضوعه لبرامج تأهيلية وتربوية تخلصه مما يحمله من سلوكيات خاطئة .

وتقول: المصدر الثاني الآباء أنفسهم غير القادرين على تربية أبنائهم، حيث يأتي الآب إلى الدار ويشتكي من أن ابنه دائم الهروب من المنزل، وغير قادر على السيطرة على سلوكه . وهو ما دفع الدار إلى تنظيم برنامج أطلقنا عليه ارتقاء، من خلاله يمكن لأولياء الأمور الذين يعاني أبناؤهم مشكلات نفسية أو اجتماعية أو حتى عادات مثل التدخين وخلافه، أن يأتوا إلى الدار بالابن لعدة ساعات خلال الأسبوع، خلالها يمكنهم حضور محاضرات وورش تثقيفية وتعليمية وتوعوية، وهو في صحبة الأهل، في سرية تامة من دون قضية أو أي إجراءات قانونية . وهي خطوة نالت رضا وإقبال الكثيرين من الآباء الذين يعانو مشكلات في تربية أبنائهم، إضافة إلى الآباء الذين خرج أبناؤهم من الدار وعادوا إلى ارتكاب نفس السلوكيات التي كانت السبب في دخولهم .

وتوضح بدرية الكعبي، الأخصائية النفسية والاجتماعية بدار رعاية وتربية الفتيان بالشارقة، أن عدم وعي الأب والأم بأساليب التربية، وجهلهما بمتطلبات كل مرحلة سنية يمر بها الأبناء، يجرها إلى البحث عن وسائل بديلة تؤدي بهم في نهاية الطريق إلى الانحراف السلوكي .

ومن بين الأساليب الخاطئة التي تعالجها كأخصائية نفسية واجتماعية، القسوة المفرطة من الآباء، والعنف غير المبرر تجاه سلوكيات من الممكن تقويمها وتفهمها من قبل الأهل، لكن جهلهم يدفعهم إلى ضرب الأبناء، فهناك آباء يمنعون أبناءهم من حقوق أصيلة في الحياة، مثل الترفيه أو ممارسة الهوايات، ويجبرونهم فقط على المذاكرة وقراءة الكتب التعليمية، بينما الترفيه من أهم العوامل الدافعة للتفوق الدراسي، لأنه يعيد شحن العقل والجسم لتلقي المعلومات .

ومن بين الأسباب الدافعة لجنوح الشباب، كما تراها، التدليل الزائد للأبناء، وتلبيتهم لكل ما يطلبونه حتى لو كان على حساب تربيتهم، وتحملهم المسؤولية . وهو ما يجعل الأبناء يشبون على صفات الاستهتار وعدم المبالاة وعدم تحملهم المسؤولية . وتضيف: تعتبر الحماية الزائدة والخوف الشديد على الأبناء، مثل منعهم من الخروج إلى الشارع، أو الاحتكاك بالناس والأصدقاء الطبيعيين، من الأمور التي تحدث الصدمة للأبناء، إذا تعرضوا لمواقف أو اختلطوا بأناس بعيدين عن دائرتهم الاجتماعية، الأمر الذي قد يدفعهم إلى تصديق ما يقوله لهم رفاق السوء، أو تجريب واكتشاف أشياء بعيدة عن إدراكهم .

ويشير النقيب سعيد المنصوري، من الإدارة العامة لشرطة الشارقة، إلى غياب دور الأسرة في تفريغ العنف والسلوك المنحرف لدى الشباب، حيث يرى أن التربية السليمة للأبناء داخل أسرة مستقرة وهادئة، تكسب الشباب من الجنسين مناعة أخلاقية، تمكنهم من السيطرة على سلوكياتهم، وعدم اكتساب سلوكيات منافية لما تشربوه من أخلاق من الأسرة منذ الصغر .

ويوضح أن نظرة بسيطة على أحوال الأسرة يمكن معها للشخص العادي قبل المتخصص، أن يعرف مصير ومستقبل الأبناء . فالأب السكير أو متعاطي المخدرات، غالباً ما يخرج للمجتمع أبناء غير صالحين . يفتقدون للقدوة الحسنة والهدف الواضح في الحياة .

ويعتبر المنصوري رفقاء السوء أحد الأسباب التي تدفع الشباب إلى الجنوح، رافضاً أن يكونوا هم الأساس في ذلك، ملقياً بالمسؤولية الأولى والمباشرة على الأهل، الذين يفرطون في دورهم لصالح جهات أخرى، من ضمنها رفاق السوء .

وترى هند البدواوي، أخصائية نفسية بدار رعاية الفتيات بالشارقة، أن أسباب انحراف الفتيات تختلف عن أسباب انحراف الشباب، فالبنت تكون بحاجة إلى تفهم أكثر، ومعالجة حساسة لمشكلاتها من قبل الأهل عنها من الشباب .

وتقول الكثير من الفتيات لا يلقين من آبائهن التعامل الجيد، والحوار المثمر الذي يصل بالفتاة إلى حالة من التفاهم والرضا عن حياتها، وأسرتها، وعالمها المحيط . وهو ما يؤثر فيها بنسب متفاوتة حسب مستوى ثقافة الأسرة تربوياً، ومدى تحملها المسؤولية . أغلب الأبناء الجانحين أو الموجودين في دور الرعاية الاجتماعية، ينتمون لأسر غير متحملة وغير مدركة لمسؤوليتها تجاه أبنائها .

وعن الأسباب المباشرة لجنوح الشباب تقول، الآباء غير قادرين على فهم التغيرات التي تحدث حولهم في المجتمع، وأن أبناءهم قد يكونون على صواب، وأنهم هم من يعيشون في مرحلتهم العمرية التي عفا عليها الزمن . ويصرون على أن يربوا أبناءهم على قيم ووسائل تربوا عليها .

كما يعد عدم فهم المرحلة السنية للأبناء وطبيعتها من قبل الآباء، أحد الأسباب التي تجعل الابن يبحث عن أصدقاء أو رفاق مضطربي السلوك، للبحث عن ذاته بينهم . وهو ما يجعله يكتشف ويجرب الكثير من السلوكيات في الطريق إلى ذلك .

وتوضح البدواوي أن العنف أحد الأسباب الطاردة للأبناء من محيطهم الأسري، فهناك من الآباء من تعود على ضرب ابنه وعلى قناعة أنه لا يتعلم، أو يتغير سلوكياً إلا بالضرب، وهو ما يدفع الأبناء إلى الهرب، أو الوقوع فريسة سهلة لرفاق السوء الذين يفسحون له المجال ويعاملونه معاملة الكبار . ومن بين الحالات التي تعمل على تقويمها حالياً داخل الدار، حالتان تعاني الأولى من إهمال الأهل، وتأثير رفاق السوء، والحماية الزائدة . أما الثانية فهي لأحد الأبناء الذي لملم خبرته من أصدقائه، لكنه عندما ابتعد عنهم بدأ في الاستجابة للتربية السليمة، والمداومة على الصلاة وحفظ القرآن .

تقول مريم السويدي، أخصائية اجتماعية بدار الرعاية الاجتماعية بالشارقة، إن الأسرة إحدى الجهات التي تشترك مع جهات كثيرة في تشكيل وجدان وخبرة الأبناء، مثل المدرسة والأصدقاء والمجتمع المحيط، لكنها تعتبر الأسرة هي النواة لصنع السلوكيات، والأخلاق، والقيم، والمبادئ السليمة أو الطالحة والتي من خلالها، يمكن التعرف على هوية الأبناء، وتحديد إن كانوا سيكملون الطريق الصحيح حتى بر الأمان والتخرج والعمل والمشاركة في العمل، وإما التعثر في منتصف الطريق وتشكيل عبء على الأسرة المجتمع .

ومن بين الأسباب التي تراها مسببة لجنوح الأبناء وتسربهم من مسؤولية الأهل وخروجهم إلى الشارع، غياب الرقابة البناءة لهم . فمن بين الآباء من يفيق فجأة على اقتراف ابنه أحد السلوكيات الجانحة مثل السرقة أو إزعاج الغير بأي صورة . لأنه لم يتواجد منذ البداية وشخصية ابنه تتشكل وما يغذي التفكك الأسري غياب الدور الواضح للأبوين .

* * *

أشهرها الإهمال والقتل والتحرش

جرائم الأبوين لاتغتفر

تسقط العديد من محاكم العالم وصاية الأهل عن الأبناء، لعدم أهليتهم، فمن بين الأبوين من يسيء معاملة أبنائه، ويعذبهم، ويعرضهم للعنف والضرب المبرح، ويلحق بهم أضراراً جسدية ونفسية لا تفارق الأبناء بين عشية وضحاها . وقد يدمن أحد الأبوين الخمر أو المخدرات، وهو ما يفقده الوعي والسيطرة على نفسه، ويقترف في حق الأبناء أفعالاً لا يعقل أن تصدر من أقرب الناس لهم . وبدلاً من أن يكون الأبوان مصدر الأخلاق والمبادئ وأرقى السلوكيات، يكونا مصدراً للغث منها، حيث يجبر بعضهم أبناءه على امتهان مهن مخلة مثل تجارة المخدرات أو حتى تعاطيها، بينما يتحرش آخرون بأبنائهم ويقامر البعض بهم بعد خسارته كل ماله . وفي ما يلي أغرب القضايا العالمية التي قرر القضاء فيها نزع وصاية الأهل عن الأبناء:

قضت محكمة بريطانية بعقوبة السجن المؤبد على أم بتهمة قتل رضيعها الذي لفظ أنفاسه جراء التعذيب، ورفع وصايتها عن أبنائها الثلاثة القصر، وإيداعهم دار الرعاية الاجتماعية، لحين تولي أسر بديلة تربيتهم .

وعلى الرغم من إصرار المحكمة على أن تقضي الأم خمس سنوات في الحبس المشدد، إلا أن الحكم أثار غضب واستياء الكثيرين لأنه لا يتماشى وبشاعة الجريمة .

وفجرت القضية التي حملت اسم قضية الطفل ب، موجة غضب عارم في بريطانيا، وشن سياسيون ووسائل الإعلام على أثرها حملات شعواء على قطاع الخدمات الاجتماعية، وجهات أخرى لقصورها في الالتفات إلى معاناة الضحية، وإمكانية تلافي وفاته جراء التعذيب على يد والدته وصديقها .

وعثر على الطفل 17 شهراً، غارقاً في دمائه ومصاباً بأكثر من 50 إصابة في مختلف أنحاء جسمه، من بينها إصابة في عموده الفقري وكسور في ضلوعه وضع مجلس منطقة هارينغي إخوان الرضيع ب على قائمة الأطفال الذين يتعرضون للإساءة من قبل الوالدين أو أولياء الأمور، وهي قائمة تضعها الحكومة البريطانية للأطفال الذين يتعرضون للأذى من قبل أولياء أمورهم، وعينت لكل حالة مشرفاً اجتماعياً لمتابعتها على حدة .

وفي الهند، أمرت السلطات بإيداع ابنة أحد الأشخاص داراً للرعاية الاجتماعية، بعد أن راهن عليها وخسرها في لعب الورق .

وكانت صحيفة تايمز أوف إنديا قد نقلت أن إسماعيل شيخ، من سكان قرية في ويست بنغال، راهن على ابنته، 18 عاماً، بعد أن خسر كل أمواله أثناء لعب القمار مع أحد أصدقائه .

وقال ستياجيت باندهوبادهيا، كبير ضباط الشرطة الذي حقق في القضية، ان والد الفتاة، مدمن للعب الورق ودائم الخسارة، وعندما لم يجد ما يعطيه لصديقه مقابل خسارته، راهن على ابنته (18 عاماً) .

وتقول أسرة الفتاة إن الوالد مدمن على القمار وشرب الكحول إلا أنه تعدى كافة الحدود بخسارته ابنته في لعب القمار، مما دفعها لإلقائه خارج سكن العائلة .

بعد مطاردة الشرطة للصديق الفائز بها، تمكنت من التحفظ على الفتاة، وإيداعها دار الرعاية الاجتماعية حتى تكمل دراستها . وتم القبض على أبيها السكير وصديقه لاعب القمار .

لا أرى والدي كثيراً وهو مرهق باستمرار، وكذا أمي . أريد أن أهاجر وحيدة إلى الهند، المدرسة قالت لي: إن البيوت هناك كثيرة وإن الناس يجلسون في الطرقات ويتحدثون إلى بعضهم البعض . هذا ما قالته الطفلة الأمريكية سوزان، في الثانية عشرة من عمرها، لقاضي ولاية فلوريدا الذي أمر بتكليف أحد الأخصائيين بدراسة الحالة، وإعطائه تقريراً مفصلاً . وأوضح التقرير أن الطفلة البالغة من العمر 12 عاماً تقضي أغلب ساعات عمرها بمفردها، بينما الأب والأم منشغلان بالعمل والدراسة وشؤون المنزل . وبعد دراسة مستفيضة، استدعى القاضي الأبوين ووجه لهما إنذاراً شديد اللهجة، وحذرهما من مغبة ترك ابنتهما منفردة لساعات طويلة، قائلاً في المرة القادمة ستحرم سوزان من أبوين لا يحبانها، وسنمنحها لأسرة تقدر معنى البنوة .

ومن الأمور المؤسفة التي تدفع القضاء إلى سحب وصاية الأهل على الأبناء، تحرشهم بهم، وفي احدى جرائم تحرش الآباء ضد الأبناء التي تزايدت في أوروبا مؤخراً، أصدرت إحدى المحاكم الفرنسية حكماً بسجن رجل في أواخر العقد الخامس من عمره، لمدة 20 عاماً، بعد إدانته باغتصاب طفلتيه، اللتين لم تتجاوزا التاسعة والخامسة، وتسهيل علاقة آخرين مع إحداهما مقابل مبالغ مالية .

وخلال المحاكمة، اعترف الرجل باغتصاب ابنته الكبرى، لكنه نفى أن يكون قد سهل علاقة آخرين معها مقابل المال، كما نفى تهمة اغتصاب ابنته الصغرى، البالغة من العمر أربع سنوات .

وبحسب CNN دانت المحكمة، في ختام جلساتها التي استمرت على مدار أسبوعين، الرجل البالغ من العمر 58 عاماً، بتهمة اغتصاب الطفلتين، وعرض الابنة الكبرى على الإنترنت، لتقديم خدمات منافية للآداب مقابل المال . وقالت المحكمة فى حيثيات حكمها المشدد إن الأب اقترف من السلوك المشين ما يسقط بنوة الأبناء عنه، ودعت المنظمات الاجتماعية إلى أن تتحمل مسؤوليتها تجاه الفتاتين، لإزالة الآثار النفسية والبدنية التي لحقت بهما .

بعد سنوات من الخلاف بين الطليقين على حضانة ابنيهما، شهدت محكمة أسترالية محاكمة إحدى الأمهات التي قتلت طفليها، لأنه لم يعد بمقدورها تحمل الشعور بأن زوجها السابق يقضي احتفالات أعياد الميلاد معهما .

وقال ممثل الادعاء سيمون بين، إن عملية القتل كانت الفصل الأخير في معركة الحضانة المحتدمة بين المرأة وطليقها .

وأضاف بين ذكرت الأم أنها تفضل رؤية ابنيها وقد فارقا الحياة بدلا من السماح لطليقها بأخذهما . في النهاية كانت المتهمة غاضبة أشد الغضب وشعرت بالأسى تجاه زوجها السابق وارتكبت أقصى جريمة قد تدفع إليها الكراهية لتنتزع الطفلين منه .

ونتيجة لإهمال الوالدين توفيت طفلة تبلغ 11 شهراً في بلدة شرق بروكسل بعد أن نسيها والدها في السيارة لعدة ساعات .

وذكرت صحيفة هيت لاتستي نيوز البلجيكية أن الطفلة توفيت بسبب الجفاف بالقرب من بلدة لوفان . وكان والد الطفلة نسي أن يوصل ابنته إلى الحضانة وتركها في السيارة لدى وصوله إلى مقر عمله، حسبما أكد متحدث باسم النيابة في لوفان لوكالة الانباء الفرنسية .

وبقيت الطفلة طيلة اليوم في السيارة، بينما بلغت درجة الحرارة في ذلك اليوم 21 درجة مئوية في وسط بلجيكا .

وعثرت الأم على طفلتها ميتة حوالي الخامسة مساء عندما أرادت أخذ الكرسي المخصص لها من السيارة قبل أن تحضرها من الحضانة .

وقال طبيب الطوارئ لوك بوكور للصحيفة إن السيارة المتوقفة في الشمس تتحول إلى ما يشبه كرة تغلي، وارتفاع الحرارة مع نقص الماء يمكن أن يؤدي إلى الوفاة .

ونتيجة لاشتغال الآباء والأمهات عن أبنائهم وتركهم فى المنزل لساعات طويلة، يصبح الأبناء فريسة للضياع والانحراف وسوء التربية، وهو ما يدفعهم للخروج إلى الشوارع ويصبحون وسيلة هدم وتخريب وسرقات، وتعاطي المخدرات .

في ولاية كاليفورنيا يقدر عدد الأطفال الذين يعيشون بمفردهم لساعات طويلة يومياً، ب 4 ملايين طفل يبلغ بعضهم من العمر 3 سنوات .

وحذرت المنظمات الحقوقية الأمريكية من أن تزايد أعداد الأطفال الذين يعيشون بهذه الطريقة، يدعو للنظر في سلامتهم وحالتهم العقلية . بالإضافة إلى اتجاه بعضهم للجريمة لتخليص أنفسهم من شعور الإحباط .

وتقول مارين فنزا مديرة الاستشارات والرعاية الثانوية في مدرسة المقاطعة بهيوستن: أكثر من 14 مليون طفل بين سن السادسة والثالثة عشرة لديهم أمهات يعملن، وتقدر أن ثلث العدد يبقى في البيت من دون إشراف على أبنائهن لوقت طويل، ففي مدرسة لطلاب السنة السادسة في جلن بورني بولاية ميرلاند في حي للطبقة المتوسطة قرب بلنمورد، دهشت عندما علمت أن 24 طفلا من أصل 28طالبا بالفصل كانوا من أطفال المفاتيح، الذين يحملونها معهم ليدخلوا بيوتهم بسبب غياب أولياء أمورهم .

ويقدر ايدجر ايفانس مدرس بالمدرسة الإعدادية في انديانابوس أن 80% من طلاب المدرسة يعودون إلى بيوتهم الخالية من الأهل .

وفي تقرير لمكتب الإحصاء الأمريكي، أوضح أن ثلث أطفال الولايات الأمريكية يعيشون في بيوت من دون أحد الأبوين، وطبقا لدراسة لسن ما قبل البلوغ للأطفال، قام بها فرنك فرسنبرج من جامعة بنسلفينيا، فإن نصف الأطفال من العائلات المطلقة لم يروا آباءهم لمدة سنة على الأقل .