‮عدّد‮ ‬الرسول الكريم‮ صلى الله عليه وسلم ‬أبواباً‮ ‬للطاعات والفرائض التي جعل الله تعالى لأصحابها أبواباً‮ في الجنة من جنس عمل أصحابها، ‬فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ‬وكذلك هناك باب للمنفقين وباب للمجاهدين وهناك باب للصائمين مكافأة على صبرهم ومجاهدتهم للنفس وظمئهم بالنهار وقيامهم بالليل واجتهادهم بكثرة النوافل والطاعات‮.‬
‮يقول‮: ‬د‮. ‬حلمي مرزوق في كتابه‮ (‬فلسفة البلاغة العربية‮)‬: «‮عَنْ‮ ‬أَبِي‮ ‬هُرَيْرَةَ‮ ‬رضي الله عنه أن‮ ‬رَسُولَ‮ ‬الله‮ صلى الله عليه وسلم قال: «‬مَنْ‮ ‬أَنْفَقَ‮ ‬زَوْجَيْنِ‮ ‬فِي‮ ‬سَبِيلِ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬نُودِيَ‮ ‬ مِنْ‮ ‬أَبْوَابِ‮ ‬الْجَنَّةِ‮ ‬يَا عَبْدَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬هَذَا خَيْر، فَمَنْ‮ ‬كَانَ‮ ‬مِنْ‮ ‬أَهْلِ‮ ‬الصَّلَاةِ‮ ‬دُعِيَ‮ ‬مِنْ‮ ‬بَابِ‮ ‬الصَّلَاةِ‮ ‬وَمَنْ‮ ‬كَانَ‮ ‬مِنْ‮ ‬أَهْلِ‮ ‬الْجِهَادِ‮ ‬دُعِيَ‮ ‬مِنْ‮ ‬بَابِ‮ ‬الْجِهَادِ‮ ‬وَمَنْ‮ ‬كَانَ‮ ‬مِنْ‮ ‬أَهْلِ‮ ‬الصِّيَامِ‮ ‬دُعِيَ‮ ‬مِنْ‮ ‬بَابِ‮ ‬الرَّيَّانِ‮ ‬وَمَنْ‮ ‬كَانَ‮ ‬مِنْ‮ ‬أَهْلِ‮ ‬الصَّدَقَةِ‮ ‬دُعِيَ‮ ‬مِنْ‮ ‬بَابِ‮ ‬الصَّدَقَةِ‮. ‬فَقَالَ‮ ‬أَبُو بَكْر بِأَبِي‮ ‬أَنْتَ‮ ‬وَأمِّي‮ ‬يَا رَسُولَ‮ ‬اللَّهِ، ‬مَا عَلَى مَنْ‮ ‬دُعِيَ‮ ‬مِنْ‮ ‬تِلْكَ‮ ‬الْأبْوَابِ‮ ‬مِنْ‮ ‬ضَرُورَةٍ‮ ‬فَهَلْ‮ ‬يُدْعَى أَحَد‮ ‬مِنْ‮ ‬تِلْكَ‮ ‬الأبْوَابِ‮ ‬كُلِّهَا؟ قَالَ‮: ‬نَعَمْ‮ ‬وَأرْجُو أَنْ‮ ‬تَكُونَ‮ ‬مِنْهُمْ‮».‬
‮(‬قوله من أنفق زوجين‮) ‬أي شيئين من أي صنف من المال من نوع واحد وقد جاء مفسراً‮: ‬بعيرين، ‬شاتين، ‬حمارين، ‬أو درهمين‮ و«في سبيل الله‮» ‬قيل الجهاد أو ما هو أعم منه‮. ‬
‮«نودي من أبواب الجنة‮ ‬يا عبد الله هذا خير»‮ ‬أي: هذا خير من الخيرات والتنوين فيه للتعظيم‮ ‬، ‬فمن كان من أهل الصلاة أي: من المؤدين للفرائض المكثرين من النوافل‮ دعي من باب الصلاة، ‬ومن كان من أهل الصيام أي: الغالب عليه الصيام دعي من باب الريان وهو اسم أحد أبواب الجنة‮ ‬يختص بدخول الصائمين لا‮ ‬يدخل فيه أحد‮ ‬غيرهم وهو مناسب لحال الصائمين‮.‬

تكريم ورجاء

‮قال الحافظ‮: ‬معنى الحديث أن كل عامل‮ ‬يدعى من باب ذلك العمل وقد جاء ذلك صريحاً‮ ‬وذكر الحديث أربعة أبواب من أبواب الجنة، ‬وقد ثبت أن أبواب الجنة ثمانية، ‬وبقي من الأركان الحج فله باب بلا شك‮. ‬وأما الأبواب الأخرى فمنها باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ‬وإن لله باباً في الجنة لا‮ ‬يدخله‮ ‬إلا من عفا عن مظلمة، ‬ومنها‮ ‬الباب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي‮ ‬يدخله من لا حساب عليه ولا عذاب، ‬وأما الثالث فلعله باب الذكر ويحتمل أن‮ ‬يكون باب العلم‮.‬
‮ويحتمل أن‮ ‬تكون الأبواب التي‮ ‬يدعى منها أبواباً من داخل أبواب الجنة الأصلية لأن الأعمال الصالحة أكثر عدداً‮ ‬من ثمانية‮.‬
‮(‬ما على من دُعي ‬من هذه الأبواب من ضرورة‮) ‬أي: ليس هناك ضرورة على من دُعي من باب واحد‮ ‬من أحد تلك الأبواب كلها لأن يدعى من سائر الأبواب إذ‮ ‬يحصل مراده بدخول الجنة‮.‬
‮وقوله‮: «نعم‮» أي أن ‬جماعة‮ ‬يدعون من جميع الأبواب تعظيماً‮ ‬وتكريماً‮ ‬لهم‮ ‬لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير‮.‬
‮«وأرجو أن تكون منهم» ‬قال العلماء‮: ‬الرجاء من الله ومن نبيه واقع محقق‮.‬
‮وبهذا التقرير‮ ‬يدخل الحديث في فضائل أبي بكر‮ (‬أي أجل وأنت هو‮ ‬يا أبا بكر‮)‬.

أدب الصديق

‮ومن اللطائف البديعية أن أصحاب رسول الله‮ صلى الله عليه وسلم ‬كانوا‮ ‬يتطلعون إلى الجمع بين الطاعات التي تزكي نفوسهم، ‬وترتقي بإيمانهم وهذا ما جعل أبا بكر الصديق رضى الله عنه لا‮ ‬يمر عليه هذا الموقف من دون اغتنامه فإذا به‮ ‬يبادر بسؤاله‮ صلى الله عليه وسلم عن إمكانية الجمع بين تلك الأبواب جميعها من الجنة، ‬فهل‮ ‬يدعى أحد من تلك الأبواب كلها‮؟ ‬وهنا ننظر إلى حرص الصديق رضى الله عنه على الاستفادة من فقه الرسول‮ ‬وأيضاً إلى أدبه في السؤال الذي ‬يستهله بقوله‮: ‬«بأبي أنت‮ ‬وأمي ‬يا رسول الله‮» فأجابه الرسول‮ صلى الله عليه وسلم ‬إجابة تشتاق لها النفوس ‮: «نعم‮»، ‬ودعم ذلك برد فيه خصوصية، ‬ومكافأة للصديق رضي الله عنه في هذا الرجاء الذي هو من إحدى صور الدعاء‮: «‬وأرجو أن تكون منهم‮»‬، ‬وهذا من بلاغته‮ صلى الله عليه وسلم في مراعاة حالة السائل بهذه الإجابة التي لم تقف عند حدود الرد على السؤال، ‬وإنما تجاوزت ذلك إلى هذا الرجاء منه رضى الله عنه‮.‬

براعة الاستهلال

‮ويضيف د‮. ‬مرزوق المتأمل في بلاغته‮ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف‮ ‬يجد براعة الاستهلال، ‬حيث بدأه بالأسلوب الشرطي، ‬وجعله سمة لكل عبارات الحديث، ‬حيث نجد جملة شرطية أساسية فيها شيء من التفصيل عن الإنفاق، ‬ودعم ذلك بأربع جمل شرطية‮ ‬متناسبة في بنائها وتركيبها ومتناسبة كذلك في جملة فعل الشرط، ‬وجواب الشرط، ‬فتلاحظ أن قوله‮ صلى الله عليه وسلم ‬فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة‮ جاءت الجمل التالية له على النسق ذاته مع التغيير فقط في نوع الفرض، ‬أو «الطاعة»، ‬فضلاً عن حسن التنسيق في الكلام، ‬والاتساق في الدلالة في الحالات الأربع‮.‬
‮وهناك عدة أمور بلاغية في الحديث‮.. ‬ففي قوله‮: ‬«من أنفق زوجين في سبيل الله‮» إشارة إلى التنوع في المنفق به في أن‮ ‬يكون شيئين من أي صنف من أصناف المال، ‬وهذه كناية لطيفة في وجوب تعدد مجالات الإنفاق في سبيل الله‮.‬
‮وقوله: «يا عبدالله‮» ‬و‮«هذا خير‮»‮ ‬المنادى هنا مكرم من الله تعالى‮‬، ‬ومنادى عليه من الملائكة فنسبته إلى الله تعالى نسبة تكريم والنداء هنا للتشريف. ‬
‮وقوله‮: ‬«وهذا خير» ‬ليس من أسماء التفضيل بل المعنى‮: ‬هذا خير من الخيرات التي فعلها، ‬والتنوين فيه للتعظيم‮.‬